تسكنه عدن من قبل أن يولد فعشقها حد الجنون .. صاحب “الصباح” الذي لم يأتِ إليه بعد – نادرة عبد القدوس

تسكنه عدن من قبل أن يولد فعشقها حد الجنون .. صاحب “الصباح” الذي لم يأتِ إليه بعد – نادرة عبد القدوس

جلس أمامي وابتسامته الطفولية لا تفارق محياه، رغم تخطيه العقد السابع من عمره، ماداً إليّ كيساً مليئاً بقطع “السكاكر” وهذه حاله كلما يراني. سألني قبل أن أوجه إليه سؤالي الافتتاحي في حواري الصحفي معه: ” ماذا تريدين مني؟ أنا لا أملك غير اسمي.. وبعض الذكريات التي لن تفيدك.. فقد بدأت الذاكرة تضعف”. ضحكت شاكرة له عطيته التي أحبها.. وأردفت: “لا أعتقد إن ذاكرتك قد أصابها الصدأ فأنت ما زلت تحمل في رأسك الكثير، وإلا كيف تتذكر السكاكر؟!”. ضحكنا معاً.
ذاق عذابات الاغتراب في وطنه ومرارة الاعتقالات في سجون الاحتلال البريطاني وسجون أبناء جلدته في الجنوب والشمال، بعد خلع الإمام من هناك وكنس الانجليز من هنا، بسبب كلمة حق وقول الصدق في جريدته التي أصدرها في عدن عام 1966م، وقد أحصاها لتربو على اثنتين وخمسين اعتقالاً. أما جريدته فقد نالها ستة وثلاثون أمر إغلاق طوال فترة صدورها المتقطع خلال عمرها الذي لا يتجاوز العشر سنوات. ومن ذا الذي لا يعرف الصحفي الذي أغلق فمه بالقفل وقام بنشر صورته لتكون عنواناً لعموده الافتتاحي في جريدته ” الصباح “، تعبيراً عن رفضه لسياسة قمع حرية التعبير عن الرأي؟ ولعله الوحيد بين أصحاب الأقلام الوطنيين في بلادنا الذي تعرفه جدران المعتقلات والسجون أكثر من غيره ممن اعتقلوا إبان الاحتلال والحكم الإمامي أو في مرحلة التحرر منهما.
عادت بنا ذاكرة أستاذنا سعيد علي صالح الجريك المتعَبة إلى أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم حين كان تلميذاً في مدارس مدينته عدن التي ولد فيها بتاريخ 2 / 8 / 1935 م وكانت مدينة الشيخ عثمان شهدت مسقط رأسه.
” كنت أحد طلاب الدفعة الأولى التي درست في الكلية الفنية في المعلا بمدينة عدن، حالياً المعهد التقني” بدأ حديثه معي. مضيفاً: ” بعدها التحقت مدرساً في عدد من مدارس المعلا والتواهي في العامين 1957 و1958 م. ولكن في نهاية عام 1959 م التحقت بالجيش (APL) وبعد أربع سنوات غادرت إلى بريطانيا للتخصص في مباحث العلوم الجنائية، على نفقتي الخاصة ودعم من أفراد أسرتي.. وعدت إلى عدن في 3 / 8 / 1965م”. صمت الرجل العاشق لعدن حتى النخاع.. الغاضب على معشوقته حد البكاء (حين لا ينفع البوح بالغضب).. لأن “لا حياة لمن تنادي”، هكذا قالها لي ودموع عصية تأبى أن تفلت من مآقيه. ” وماذا عن الصباح؟” سألته. رد مبتسماً: ” كانت فكرة إصدار صحيفة “الصباح” ألحت علي بعد عودتي من الدراسة، ورغبة أكيدة في المشاركة في الحراك الثقافي الذي بدأت جذوته تخبو إبان تقاتل الأخوة ورفاق السلاح إلى أن تحقق الاستقلال.. وللأسف لم تنته أسباب الاقتتال والفتن والأحقاد بين أخوة السلاح والنضال. المهم رحت أسأل عن امتياز الصحيفة (الترخيص) لاستخراجه، وكان وقتها الأستاذ إبراهيم لقمان سكرتيراً لعدن والمسؤول عن استخراج الامتيازات للمطبوعات المختلفة. وبالفعل استخرجت التصريح.. قاطعته: “ومن أين لك المال؟” ضحك قائلاً:” ولا فلس.. ففي العهد الاستعماري لم نكن ندفع قيمة الامتيازات.. أصدرت (الصباح) وكانت البداية صعبة لأنني لم أكن أملك مطبعة فلجأت للصحفي والأديب فضل عوزر. رحمه الله، الذي كان يملك مطبعة قديمة متواضعة، ثم انتقلت من منطقة (الدرين) إلى كريتر في عدن، حيث مطبعة: فتاة الجزيرة”.
ساد المكان صمت قصير، كانت عينا محدثي تنظران إلى لا شيء.. لم أتفوه ببنت شفة، تركته يلملم أفكاره.. وفجأة بدأ يسترسل في حديثه دون توقف ودون أن أقاطعه.. ورحت أجوب معه غياهب الزمن البعيد القريب.. فهذا السيد محمد حسن عوبلي وزير الإعلام في حكومة عدن الفيدرالية، أصدر أمراً بإسدال أستار “الصباح”، وكانت تلك المرة الأولى.. كان الاختلاف في وجهات النظر حول وضع التعليم آنذاك في المستعمَرة عدن.. وكان حكم القوي على الضعيف (ما أشبه اليوم بالبارحة!). رحل إلى تعز – عبر جيبوتي – بحثاً عن راحة البال لبضعة أيام.. وبعد استراحة المحارب عاد إلى أحضان حبيبته عدن.. ونجح في إعادة إصدار جريدته.. وبدأ في نثر كلماته الساخنة، وبدأت التهديدات تتوالى عليه.. هذه المرة من مجموعة ادعت محاربتها للاستعمار، وفي ذات الوقت كانت واحدة من التنظيمات السياسية الجنوبية التي وقعت في فخ المخابرات البريطانية لتشعل فتيل الحرب الأهلية الضروس بين رفقاء السلاح. ولكن صاحبنا لم ينصع ولم يدس رأسه في الرمال واستمر في امتشاق قلمه.. أخذته المجموعة إلى قبو في (رأس مربط) وهناك تم التحقيق معه بتهمة تعامله مع الإنجليز (!!) وهذا حسب رؤيتهم الأحادية للأمور آنذاك. وبعد التهديد والوعيد تم الإفراج عنه شريطة ألا يعود إلى الكتابة.. وعاد ممتشقاً قلمه وكأن شيئاً لم يكن وكتب مقاله الموسوم بـ” الكلمة وليست الرصاصة “. زاد ذلك من تهديدات (المناضلين) الرعناء وبالمقابل لم يسلم أيضاً من رقيب المحتل.. فابتكر فعلاً لم يسبقه إليه أحد من أصحاب الأقلام الشريفة في العالم أخذ قفلاً ووضعه على فمه لتكون هذه الصورة أعلى عموده الافتتاحي في “الصباح” بديلة عن الكلمات إلا من بيتين من الشعر:
يا قوم لا تتكلموا         إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا     ما فاز إلا النوم
وبهذا كُتب لـ”الصباح” التوقف عن النبض برهة من الزمن. وكان لهذا الحدث ردة فعل قوية حيث تناوله عدد من الصحف غير المحلية منها صحيفة “الأنوار” اللبنانية، وكان حينها حديث المدينة والناس.
بعد الاستقلال كان لا بد من مناخ أريحي للشعب الذي طرد المستعمر بالنار والحديد.. كان لا بد أن تهدأ لعلعة البنادق والكلاشينكوف ودوي انفجار القنابل.. كان لا بد من التفرغ لبناء الإنسان والوطن.. بيد أن الفتنة لم تهدأ ولم تنم وهاهم الأخوة (المناضلون) بصمت يتناحرون.. يغدر الأخ بأخيه والصديق بصديقه والرفيق برفيقه والجار بجاره.. ويتآمر الرفاق على الرفاق.. في عتمات الليل البهيم.. (يتغدى البعض بالآخر قبل أن يتعشى الآخر به) مهزلة الأيديولوجيا التي انبهرنا بها ودخلنا في دوامتها حتى دخنا.. ولما أفقنا وجدنا أنفسنا نبحث عن بدايتنا وحقيقتنا وهويتنا.. وما زال الندم يلاحق معظمنا.
سعيد الجريك كان واحداً من ضحايا الرفاق.. فلم يسلم بعد التحرر من الاستعمار من قبضة الرفاق، فزُج به في سجن في الضالع، والتهمة هذه المرة أنه من ضمن المرشحين في حكومة البيومي إبان الاحتلال البريطاني ليحمل حقيبة الإعلام فيها (وهذه الإدعاءات كانت الشماعة التي يضع عليها من وصلت إليهم السلطة بعد الاستقلال أحكامهم الباطلة للتخلص من أبناء عدن الوطنيين).
تضررت أسرة الجريك حينذاك، فقد أرعبوا أفرادها، وعبثوا بمحتويات البيت.. مما أدى إلى إجهاض زوجته المسكينة التي كانت تظن أنها ستجد الهناء وراحة البال في المدينة.. وكانت ستة أشهر غياب رب الأسرة كفيلة تغيير الرغبة في العيش في هذه المدينة المجنونة.. عادت الزوجة إلى ديارها دون رجعة.. والزوج المفقود دائماً في غياهب سجون الرفاق. كانت محطته،لاستعادة قواه، مدينة الحديدة، وفي حنايا فؤاده صورة عدن.. ورغبة وإصرار على إصدار “الصباح” من الحديدة، وكان له ذلك، فقد أخذ معه مطبعة صحيفة “الكفاح”. ورغم تعثر الصدور إلا أن صدى الصحيفة لم يكن أفضل في شمال الوطن من جنوبه، وكان أن استقبل صاحب “الصباح” في سجن القلعة في صنعاء ولمدة سبعة أشهر في ضيافة الأخوة الأحرار.
  هنا سألته باندهاش: ” هذه المرات العديدة من الاعتقالات ومن إغلاق الصحيفة ألم تجعلك مرة تشعر بالانكسار والإحباط والتنازل عن أحلامك وعن (صباحك)؟”. التفت إلي مبتسماً كعادته وأجاب بهدوء المحارب المتعَب: ” لم أفكر بالتنازل يوماً عن الصباح، لأنها صاحبة رسالة صادقة.. استوردت مطبعة (أوفست) بكل ما لدي من مال لتصدر الجريدة بثوب قشيب، وكانت المطبعة الأولى من نوعها في الحديدة، ولكن شاء القدر أن يصيبها هي الأخرى الضياع والتيه مثلي.. كان ذلك في عام 1977 م وكل الأدلة تشير إلى وجودها في مكان معروف في صنعاء!”.
وتوالت الأيام والسنون ليعود الفارس إلى الظهور بعد غياب قسري عن الحبيبة عدن.. وعاد الحنين إلى “الصباح” ليبزغ نورها من رحم مطابع مؤسسة “صوت العمالـ” للطباعة والنشر عام 1991 م، وتعثر الصدور. ” هل تذكرين حين طلبت منك التعاون معي في تحرير الصحيفة؟” موجهاً سؤاله إليّ. ” نعم.. وكيف لي أن أنسى هذا الشرف الذي منحته لي؟”. صمت حزين، مرة أخرى، ساد المكان.. وكمن نجح في تأدية مهمة ما قال: “هذه كانت حياتي.. فمن كثرة الاعتقالات كنت في الحديدة صباح كل خميس، وهو يوم صدور الصحيفة، أنتظر مع بطانيتي ووسادتي عند باب مبنى المطبعة ليأخذوني إلى السجن “.
ودعتُ محدثي بالتمني له بحياة هانئة وسط أسرته الصغيرة وأحفاده من ابنته التربوية القديرة الأستاذة “كليوباترا” مديرة مدرسة “إدريس حنبلة” في مدينة عدن، التي ذكرها لي بكل افتخار.
نظرت إلى المعلم والفيلسوف والصحفي المغوار سعيد الجريك وهو يمضي قافلاً إلى بيته وسؤال يبعث على الألم والحسرة.. متى نعترف بالمناضلين الحقيقيين؟ أهكذا نترك هؤلاء أصحاب الكلمة الشريفة يعيشون غرباء في وطنهم وبين ظهرانينا؟ هل نكتفي بالفرجة على من وضعوا أرواحهم في أكفهم من أجلنا وكانت منابرهم الإعلامية تدعو إلى التنوير والارتقاء بالإنسان وإلى حرية الفكر؟!
ودعت أستاذي سعيد الجريك وأنا أعلم علم اليقين إنه لم يفكر بوجبة الغداء لأنها معروفة لديه فقد قال لي أن شجرة فاصوليا نمت في أحشائه وهو يطلق ضحكته المعهودة، فكبرياؤه وعزة نفسه تمنعانه من السؤال.. وهو الغني بهما.