صنعة المهزومين – جمال أنعم

صنعة المهزومين – جمال أنعم

لسنا أهلا لكل هذه العداوات، نحن أقل من أن نتحمل أو نقدر على المواجهة. أعداؤنا دائماً أكثر منا وأكبر من الطاقة والعزم، فائضون عن الحاجة، وإن كانت “أم الاختراع” فإن أسوأ ما تخترعه العداوات التي لا حاجة لها.
اصطناع الأعداء بطرُ أقوياء مترفين، أصحاب سطوة ورغبات مسيطرة. لكن العداوات في مجتمعاتنا صنعة مهزومين بلا انتصارات يكاثرون العدى لتقليل الهزائم وتبرير الاستقالة من حياة الظفر.
للمجتمعات الكسيحة خطابات مفتولة العضلات لا تدري من تناطح، خطابات لا تبدو فقيرة متقشفة كواقعها، تدعي ما لا تقدر على فعله أو تقوى عليه، تخترع الرضا عن قعود الحال بكثرة الساخطين غير الراضين، تهرب من مساءلة الذات الخانعة إلى إدانة الآخر المقتحم بل وإلى اتهام كل ما هو خارج المكان والزمان.
من لا ينهض بنفسه وحياته ويقوم بواجبات إنهاض واقعه لا يجدر به معاداة أحد.
نعرف من أين يبدأ التغيير وندرك أين نحن منه. ما زال التغيير أحلاماً مجهضة، رايات منكسة، مشاريع فشل وركاماً من محبطات.
ما زال التغيير تاريخاً من انتكاسات وهزائم كبار  وخبطاً في المتاهات بحثاً عن كل شيء ضاع أو سقط في الطريق.
التغيير يبدأ من حيث نستطيع دفع كلفته ولدينا من التخلف والفقر والاستبداد والفساد ما يوجب المجاهدة وادخار الجهد.
كانت آيات القتال والحض على جهاد العدو تتنزل والمسلمون يخوضون معارك التأسيس للحياة الجديدة، حياة الإيمان والحرية والعدل والخير والجمال. كانت الأحاديث الدافعة قادحة لمزيد من شرارات الأرواح المشبوبة.
نحن، متبطلي الزمن الأخير، “حُمُرٌ منبتّة”، ذباب على مؤخرة الوقت، لم نعش كي نموت، ولم نمت لكي نعيش، لم نخض بعد معركة وجود وكرامة، لم نحارب لكي نكون، لم نثبت جدارةً ولا استحقاقاً للصدارة.
تضخم الخطاب المعادي في مجتمعات ينخرها العجز، دليل مرض.
واقعنا الضحل لا يسمح بكل هذه العنتريات، يكفينا ما نحن فيه، لا فائض قوة ولا مال ولا صدق حال ينهض بنا لأبعد من الحفرة.
أيسر شيء أفعله حين لا أراني، أن أحصي أعدائي، ما أكثرهم! “إبليس، الدنيا، نفسي، الهوى” أمريكا، أوروبا، إسرائيل، الأنظمة الحاكمة، العملاء، الكفرة، المنافقون، والإرث الباقي من أعداء الملة، الرافضة، النواصب، الباطنيون، القرامطة، ال… ال… ال…، قائمة بالغة الدسم تنم عن هوس وإدمان يشعر الذات الضائعة بنشوة حضور متوهم في صورة العداوات الكثيرة.
مشدودٌ أنا إلى حيث لا أجدني، موزعٌ ما بين الجبهات، لي في كل قبر عدو وفي كل دغل إغارة، أطارِد المروق في بطون الكتب والأسفار، أخوض كل بحر مختلف، أجرّح الرجال، أطاعن الأقوال، معارك في كل اتجاه، غير قابلة للحسم، تستنفد -عبثاً- الروح والجسد، تبتلع الأعمار، تلتهم العقول، تباعدنا عنا وعن العصر وتحدياته الحقة.
ثمة قائمة أعداء أكثر قرباً وواقعية لا ترِد -عادة- في خطاب العداوات الأثيرة لمحاربي الزمن الأخير، ربما لأنها في نظرهم من سفاسف الهموم.
هذه قائمة الراحل “محمد حسين هيثم” في رائعته “مات عبدالعليم” والتي أرخ فيها لموتنا سيرة جنائزية ضاجة بالموت اليومي الطازج في البلد الميت حيث تتكاثف المذلات ويبدو العدو المقنِع لإفراغ فائض الحياة.
“كان يحصي المذلات
أعداؤه ثلة:
رجل غامضٌ في الجريدة
والعسكري
وهذا الغراب الذي فوق ناصية البيت
بقال حارته
بائع اللحم
وابن المؤجر في أول الشهر
ثم المؤجر في كل رشفة ماء
وذو الراحة المستطيلة
والجار
والمخبر العسلي
وهذا المدير الخشبـ”.
يا قوم من ذا يعبئ الأموات للحروب؟
من ذا يدعو الفقراء المغلوبين للقفز فوق أرواحهم المهزومة وواقعهم المهين ومعاداة الكون والكائنات؟
هذا الخطاب في جوهره يتملق الضعف، يخلع عليه نوعاً من التمجيد والقداسة باعتباره ناجماً عن علو منزلة لا تحتاج إلى برهان.
لا تستغرب ما أنت فيه، “عدت غريباً” أنت مهزوم لأنك حامل دين منتصر ومحارب، لأنك عربي، من أمة غالبة.
أعداؤك كثر، يتربصون بك الدوائر، مغزوٌ أنت على كل حال، هدف للمؤامرات والمكائد والدسائس.
هكذا تنحو تلك الخطابات، بمختلف أطيافها. وأنا هنا لا أنزع عنها كل المصداقية كحكم قيمة لكني أحاول استنطاق الواقع كما هو، لا كما تعبر عنه تلك الخطابات التي عادة ما تنزع نحو المباشرة والتهييج العاطفي والأحكام التعميمية الجاهزة التي ترضي كسل وعجز الخطيب والمخاطَب، وواقع الخطاب.
أسأل، بعيداً عن الاستعداء: هل نرى واقعنا انتصاراً للدين وللتدين؟
هل ننتصر حقاً في حيواتنا للدين أم نلحق به الهزيمة تلو الهزيمة؟
هل يجدر بمدنسين لا يترددون في الاعتراف بخيانتهم لمبادئهم وقيمهم وتواطؤهم على خذلان أنفسهم وتقبلهم العيش كجزء من الفساد المبرر؟
هل يجدر بهم ادعاء الاحتشاد لحروب أكثر قداسة؟
نسيء لأكثر الرايات سمواً حين نحاول رفعها دليل سمو فوق ركام من الأكاذيب والحقارات المطمورة بعناية.
كيف أتبع هذا الشاهر سيفه باتجاه أمريكا وهو مقفل على نفسه الباب، “يرفس” داخل خطاب مغلق، عالمه مسيجٌ بالهواجس، ضيقٌ كفهمه، كرؤيته، لا يكاد يجاوز المسجد والبيت ورباط الدرس؟
كيف أقاتل خلف محاربٍ قديم يدعو للعداوة أكثر مما يدعو للإسلام والمحبة والسلام وحماية الحقوق والحريات وإقامة موازين العدل، ينتصر للموت أكثر مما ينتصر للحياة؟
كيف أثق بحماية خطاب مرتعشٍ غامضٍ ملتبسٍ ضيق الأفق عاجز عن الإبلاغ والإبانة ببلاغات العصر، لا هو في الفضاء ولا على الأرض، لا مزاحمٌ في حلم ولا علم؟
نحتاج لخطاب أكثر تخففاً من الحمولات غير المختبرة. ما ينقصنا ليس كثرة الأعداء. قد يكونون ضرورة، لكن بحجمهم المعقول بحيث لا يجهزون علينا رعباً دونما حرب، ما دمنا في أوضاع غير مواتية للاشتباك.
منطق “النملة” أمام جيش سليمان قد يكون مناسباً مع امتياز محسوب لصالح النمل كونهن صاحبات مساكن صالحة للاختباء. نحن لا مساكن لنا، لا أوطان صالحة للسكن والاحتماء.