أحمد علي الوادعي.. إستنارة وتأصيل* – عبدالباري طاهر

أحمد علي الوادعي.. إستنارة وتأصيل* – عبدالباري طاهر

النبوغ غالباً ما يعلن عن نفسه باكراً. فالطالب الذي تلقى تعليماً دينياً «تقليدياً» كغالبية أبناء جيله، جيل الثورة اليمنية والقومية، شهدوا عصرين مختلفين: عصر المجتمع شبه الإقطاعي شديد الركود والتحجر والبؤس والعزلة، وعصر التفتح والتحولات العامة في الحياة.
انتسب باكراً للتيار القومي المُعادي للرجعية والاستعمار. وانتسب للأمن الذي كان جزءاً من معركة التغيير في يمن سبتمبر وأكتوبر عام 1962 و 1963.
اللافت أن الدفعة التي تخّرج معها «أحمد الوادعى» ضمت نُخبة من خيرة الشباب المتفتح والمستنير:
– المفكر والمناضل جار الله عمر
– السياسي والمثقف أحمد علي السلامي
– المثقف عبدالله العلفي
– المثقف والأديب عبدالله اليتيم
– المثقف والأديب أحمد علي الحاج
– الشاعر الشعبي علي محمد العولقي (أبو عادل)
– السياسي والمثقف عبدالهادي الهمداني
وآخرون لا أتذكرهم، والمهم أن الكثير من خريجي هذه الدفعة مناضلون قوميون، ومثقفون عضويون، وسياسيون أكفاء، وبعضهم شعراء مهمون مثل «محمد عبد السلام منصور» وكُتاب رواية مثل «محمد حُنيبر» و «أحمد عبد الله مثنى»، ويمثل الشهيد «جار الله عمر» عنواناً من أهم عناوين هذه الدفعة والمرحلة. وكان لهؤلاء الشبان الشجعان والنوابغ دور مهم ورائع في حماية الثورة والجهورية. وأسهموا بنصيب كبير في فك الحصار عن صنعاء، وفي إعطاء الصراع أبعاداً أكثر توهجاً وروحاً إنسانية وفكرية.
أما المحتفى به «أحمد الوادعي» فقد شق لنفسه طريقاً أكثر التصاقاً بالعمق الإنساني (المحاماة) كأحد أهم وسائل الدفاع عن الحق والحرية والعدل، واستطاع وهو صاحب رأي أن يكون من أهم المدافعين عن الرأي.
لمع نجم «الوادعي» من خلال الكتابة النيرة والمؤصلة للتجديد الدينى والفكري عند رواد التجديد الديني كابن الأمير والشوكاني والوزير والجلال والمقبلي.  ودراسته النقدية والعقلانية في «اليمن الجديد» تمثل بدايات قراءة جديدة مختلفة ومغايرة للسائد والمستقر والثابت. ولم يقف الوادعي المثقف عند تخوم التجديد المحدود والمقيد بالإجتهاد الديني عند الوزير ويحيى بن حمزة والجلال وابن الأمير، أو المجددين الإسلاميين كالأفغاني وابن باديس والكواكبي. بل أبحر في الإنفتاح والقراءة العميقة لثقافات العصر.
التحق باكراً بحركة القوميين العرب التى بدأت، في اليمن بخاصة، تتجه يساراً، وتنتقد الوجود المصري، الذي هو الآخر بدأ، الإنحياز لجبهة التحرير في الجنوب من جهة، وحاول أن يجعل من وجوده في اليمن في فترة من الفترات ورقة مساومة وأداة ضغط لتحقيق مكاسب معينة.
والحقيقة أن نبوغ الأستاذ «أحمد الوادعي» المتعدد القراءات والمواهب قد بدأ يتجلى أثناء التحاقه بالدراسة في جامعة صنعاء.
فقد التحق بكلية الشريعة والقانون التي أعاد درس جانب مهم منها في دراسته التقليدية. وإذا كان الإلتزام السياسي والإيديولوجي للحركة القومية ذات المنحى اليساري، قد مثلت نقلة في تفكيره فإن الدراسة الجامعية قد فتحت وعيه على مناهج وأساليب ورؤى جديدة في قراءة الشريعة والفقه الجديد.
وتتظافر الروافد المعرفية والخبرة الحياتية لشاب يقظ الضمير وحاد الذكاء ليبدأ رحلته لنقد ودراسة الإرث القديم بقيمه ومفاهيمه الجامدة، والانفتاح على مناهج وأساليب تيارات التجديد والحداثة في الوطن العربي والعالم.
عمق التجربة الحياتية والذكاء وحب المعرفة مكّنه من التجاوز والإبحار دوماً باتجاه العصر. فكما غادر مبكراً «حركة القوميين العرب، والحزب الديمقراطي» فقد غادر أيضاً منابع التفكير العتيق للمدارس المعرفية التقليدية، وبالتالي للفكر القومي الشوفيني والعاطفي.
كتاباته التجديدية والمبكرة مطلع السبعينيات تشي بهذه المقدرة على التجديد والحداثة، فقد كتب عن بعض رواد الحداثة اليمنية في الفكر الزيدي، وأشار إلى أهم خصائص هذا التجديد الذى أسس لاجتهاد دينى ثائر وأصيل في الزمان والمكان.
وقد تواصلت رحلة «الوادعي» بعد التخرج من الجامعة. فقد انخرط في سلك المحاماة ولعب دوراً مهماً في التأسيس لنقابة المحامين وأصبح واحداً من أهم رموزها.
وخلال سنوات التأسيس الحقيقي للتيارات السياسية والفكرية في اليمن، وتحديداً منذ انقلاب ال 5 من نوفمبر 1967، أصبح «الوادعي» أيضاً نزيل سجون الأمن السياسي؛ فقد اعتقل أكثر من مرة. وكان دوره من خلال مقالاته وأبحاثه أكبر من دوره كمحرض سياسي أو غارق في النشاط السياسي اليومي. فالارتباط بالتجديد في البنى الفكرية والولاء والوفاء للمعرفة والعقلانية، هي أهم سمات رحلة الناقد والمفكر «أحمد الوادعي». وقد جرّت عليه شجاعته وجراءته على نقد «الإرث القديم» الويلات، سواء بالنسبة للاعتقال أم الإساءة والتشهير، ومحاولات العزل والتجريم والتخوين.
وقد امتاز «الوادعي» بحاسة سادسة للاستشعار، وإدراك أخطر قضايا الصراعات الفكرية المهمة في تجديد الوعي والفكر، فقضايا الدفاع عن حقوق الإنسان، وتعريف المواطن بحقوقه الآدمية كمواطن هو ما يساعده على المطالبة بها والدفاع عنها. وكتب قبل إصدار كتيبه «إعرف حقوقك» عدة مقالات.
كما أنه عاشق ثقافة ومعرفة، فهو على تواصل مستمر مع تيارات الحداثة والمعرفة. وقراءاته عن الإصدارات الجديدة والتعريف بها ملمح مهم في عمله؛ فقد نشر عدة مقالات منها «قرأت لك» في 26 سبتمبر، ومثلت مدى تواصل «الوادعي» مع الجديد العلمي والعقلاني.
و«الوادعي» شديد التركيز، حاد الذكاء في التطرق للقضايا والمشكلات التي يدرسها أو يتصدى لها. فإذا كان في دراسته الجامعية قد ركز على عصور ورجال التنوير اليمني في الفكر اليمني، كما فعل زميله ورفيقه الدكتور/علي محمد زيد الذي درس المعتزلة والمطرفية دراسة عميقة وموضوعية، فإن «الوادعي» قد بدأ بـ«مرحلة لاحقة في قراءة ودراسة مشاكل القضاء في اليمن» والقضاء اليمني من المشاكل الكبرى. وهو قضاء تقليدي غارق في الفساد، ويفتقر إلى الكفاءة والاستقلال معاً. فإذا كانت الإمامة قد وظفته أداة قمع ضد «الرعية» ومختلف فئات وشرائح المجتمع، فإن حكومات الثورة المتعاقبة قد نظرت إليه كحليف سياسي في التركيبة الجديدة لمواجهة الإمامة، «السادة» مهملة وغاضة الطرف عن تحديثه وتطويره واستقلاليته. وضاعت المهنية والاستقلالية لصالح تحالف سياسي متخلفٍ ولاعقلاني. وللأسف فإن مبحث «الوادعي» في هذا الجانب لم ير النور. كما إنه أيضاً قد شارك في عدة ندوات ومحاضرات وقدم دراسات للوزارة المختصة عن هذه القضية الشائكة، والتي تعود إليها وترتبط بها معظم قضايا المجتمع اليمني ومآسيه.
في مطلع الثمانينات أسهم المحتفى به في التأسيس لنقابة المحامين التى كان واحداً من قياداتها منذ التأسيس. وقد نشأت النقابة مشطورة (شأن الوطن اليمني حينها) ولكنها أيضاً وضعت قضية الوحدة ضمن أهم أهدافها. وأذكر أن «الوادعي» حينها قد أسهم في صياغة العديد من لوائح ونظم النقابات والجمعيات الجديدة، ومنها نقابة الصحفيين والتي كان فيها عضواً عند التأسيس.
ودرس مبكراً قضية المرأة، ناقداً التشريعات البليدة والمتخلفة والتمييزية، سواء في الدستور الحالي أم في الميثاق الوطني أم في الدساتير القديمة. كما درس مشكلات الخط الراجع في الدساتير اليمنية والتشريعات إزاء هذه القضية التى تطال نصف المجتمع اليمني. وتمثل عائقاً وامتحاناً حقيقياً لمدى الجدية في العدالة وحقوق الإنسان والتنمية والتحديث. وقد كان للوادعي دور مهم في طرح هذه القضية وإثارة الجدل والنقاش من حولها، وأسهم بالدراسات والمقالات العديدة. كما انه وفي العديد من الندوات والمحاضرات، قد أثار مشاكل الإرث والقصاص، وحقيقة المساواة بين الرجل والمرأة، وتخلف الدساتير والتشريعات وتحديداً منذ إنقلاب ال 5 من نوفمبر 1967، وحرب 1994. وهو ما يؤكد الطابع الإيديولوجي والسياسي للموقف من المرأة. فبذكاء وتتبع حصيف درس العالم الكفؤ والجريء الخط الراجع في الدساتير اليمنية. ولاحظ أن دستور 1964 أي دستور الثورة سبتمبر 1962 قد نص على المساواة. بينما تراجع دستور أو دساتير ما بعد 5 نوفمبر 1967 عن جوهر المساواة. مع الإقرار بالمساواة الأخلاقية والإنسانية العامة. وهو نفس ما تجدد في دستور دولة الوحدة 1990 الذي عاد إلى نص 64، أي دستور الثورة بينما تعديلات ما بعد حرب 1994 عادت هي الأخرى إلى دساتير ما بعد 5 نوفمبر 1967، متراجعة عن المساواة بجمل إنشائية شديدة الإلتباس والتعميم: «النساء شقائق الرجال». وقد اهتم الباحث الجاد أيما إهتمام بالمأزق الدستوري منذ قيام الوحدة. فرغم الصراعات الإيديولوجية الكالحة والخصومات السياسية الصارخة فقد انصرف «الوادعي» لدراسة رأس الداء وأس البلاء ألا وهو الدستور، فقد انخرط في جدال مع جميع الإتجاهات الراجعة والرافضة للمساواة والعدالة والحداثة والتجديد. فند عبر الحوار المدون في كتابه المهم «المأزق الدستوري في اليمن» والطريق الذي اختطه «الوادعي» قد سار عليه الأساتذة محمد علي المخلافي، ومحمد علي السقاف، بدر باسنيد، والفقيد/ عمر الجاوي، والأستاذ/محمد عبد الله الفُسيل. والحقيقة أن كتابات هؤلاء وغيرهم تمثل جوهر الصراع الماضي والحالي والمستقبلي في اليمن. 
وقد تصدى «الوادعي» للحملات التكفيرية التى قادها عتاولة السلفية في «الإسلام السياسى» ضد صحيفة «الأمل». فقد رفع «يحيى لطف الفُسيل، وحمود الذارحي» قضية احتساب ضد صحيفة «الأمل» القريبة من الجبهة الوطنية الديمقراطية متهمين محرريها بالكفر. وفي المحاكم ترافع «الوادعي» في مواقف ولحظات شديدة الخطورة. فقد كان الفقيد/الفُسيل، والذارحي، يمثلان المعاهد الدينية، الحليف والسند الأساسي للنظام في المواجهة مع النظام في الجنوب والاتجاهات اليسارية والديمقراطية في اليمن كلها.
وعندما اغتيل الشهيد والمفكر الشجاع «جار الله عمر» كان «الوادعي» على رأس فريق الدفاع عنه في المحاكمات التي انتهت بإعدام القاتل «جار الله علي السعواني»، ودفن قضية إرهاب تدمغ عدة أطراف وتتهدد العشرات من الأدباء والكتاب والمثقفين والصحفيين وأبناء الطائفة الإسماعيلية والأجانب،  وما تزال نارها متقدة تحت الرماد.
وحقاً فإن دراسته الضافية عن الحريات الصحفية بخاصة، وحرية الرأي والتعبير والإعتقاد الشاملة للدستور والتشريعات مع مقارنتها بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان والتشريعات الديمقراطية، قد قدمت إسهاماً جاداً.
وللمحتفى به دور –أي دور– في تأسيس المؤسسة الرائدة «مؤسسة العفيف الثقافية»، كما لعب دوراً علمياً ومعرفياً في الموسوعة اليمنية، التى تعتبر بحق مفخرة من مفاخر يمن القرن العشرين.
حسناً يفعل الأستاذ الجليل «المربي الفاضل» وأحد دعاة الحداثة والتنوير أحمد جابر عفيف ومؤسسته الرائدة، في تكريم رمز مجتهد ومجدد كأحمد علي الوادعي. وكم نتمنى على مؤسساتنا الإبداعية والثقافية، وبالأخص إتحاد الأدباء والكتاب، الإهتمام بذخائر «الوادعي»، وتجميع أبحاثه، على كثرتها، وإعادة ما نُشر منها في أعمال كاملة! فقد طبعت في اليمن أعمال كاملة قبل أن يُعرف مؤلفوها. وينبغي أن يكون الإحتفاء الحقيقي هو في قراءة ونقد أعمال هذا الناقد المتمتع بقدر غير يسير من التفتح والتحرر والتواضع وعمق المعرفة.

* قراءة مقدمة إلى احتفالية مؤسسة العفيف لتكريم المحامي والكاتب المعروف أحمد الوادعي