الصقور بدلاً من الحمام.. «آخر العلاج الكي».. مقولة هل تصدق في صعدة!!؟

الصقور بدلاً من الحمام.. «آخر العلاج الكي».. مقولة هل تصدق في صعدة!!؟

“يجب استئصال الإرهابيين من أتباع الحوثي لأنهم أصبحوا ورماً خبيثاً، لقد منحوا جميع الفرص وفتحت لهم أبواب الدولة كلها، وذهبت إليهم الوفود تلو الوفود، وعرضت عليهم حلول عديدة في إطار الوحدة الوطنية والحقوق والحريات المكفولة للجميع في الدستور بلا استثناء ودون تمييز، لكنهم ركبوا رؤوسهم وما يزالون… وكما يقول المثل فإن آخر الدواء الكي”. بهذه العبارات القليلة عبر الدكتور عبد الكريم الارياني في شهر مارس الماضي عن تغير في طريقة تعامل الدولة اليمنية مع قضية صعدة، خيار الحل العسكري هو عنوان الحرب الثالثة مع الحوثيين. ونهاية ابريل الماضي كان علي محمد مجور رئيس الحكومة يعرف جيداً ما يقوله عندما تحدث لوكالة الأنباء الفرنسية عن ضرورة الحسم العسكري للحرب في صعدة وعدم التفاوض مع الحوثيين، ولم تكن زلة لسان كما حاول البعض تصوير ذلك التصريح الذي جاء بعد أقل من شهر من تولي “مجور” رئاسة الحكومة، في جر واضح للحكومة إلى مربع الحرب وإعلاناً لمساندتها لخيار الحسم العسكري، بعد أن ظلت الحكومة بعيدة عن مجريات الحرب خلال مراحلها السابقة. الدولة ممثلة برأس النظام الرئيس علي عبد الله صالح وخلفه القيادات العسكرية والسياسية يبدو من خلال عدد من المعطيات أنها استبعدت خيار الحل السلمي للحرب في صعده، وأوصدت نهائيا باب التفاوض مع من تصفهم الدولة بالمتمردين والخارجين على شرعية الحكم في جبال صعدة، حيث تم تأجيل المبادرة القطرية للوساطة بين الدولة والحوثيين التي دار حديث عنها الاسبوع الماضي، كما أن صحيفة «الثورة» الرسمية قالت مطلع هذا الأسبوع، نقلا عن مصدر أمني، إنه لن يكون هناك تفاوض مع الحوثيين وأن القوات المسلحة مصممة على التعامل معها بكل حزم حتى يتم إستسلامهم،رداً على بيان أصدره يحيى الحوثي من مقر أقامته في ألمانيا، الانتصار للحل العسكري كان أيضا وراء تعيين اللواء مطهر رشاد المصري خلفا للعميد يحيى الشامي، الذي قاد مراحل طويلة من المفاوضات مع الحوثيين خلال الحرب الثانية في (2005) والتي قادها ” بدر الدين الحوثي،وعبدالله عيضة الرزامي” بعد فشل الدولة في إحتوائهما وعدم حل المشكلة معهم نهائياً بعد أن كانا قد مكثا في صنعاء بضعة أشهر بعد مصرع حسين بدر الدين الحوثي في سبتمبر 2004م، وقيل وقتها إنه تم الاتفاق بين الطرفين على إطلاق السجناء من الحوثيين وإفساح المجال لهم لممارسة الشعائر الدينية ووقف الأعمال العسكرية، والتفاهم على حل تلك المشكلة بشكل نهائي، لكن الرئيس لم يلتق بالحوثي الاب، ولم يعرف بالضبط ما سيفضي إليه بقاؤه في صنعاء، وأختار بدر الدين الحوثي توجيه نداء للرئيس صالح عبر صحيفة «الوسط» في عددها الصادر في التاسع من مارس 2005م، قال فيه إن الرئيس علي عبد الله صالح: “كان خائفاً من أن ينازعه إبنه حسين على ولاية الامر”!! كما طلب من الرئيس إطلاق السجناء وإيقاف المحاكمات التي يتعرض لها أتباعه. وهي المقابلة التي اعتبرتها الدولة بمثابة إعلان حرب خاصة بعد عودة بدر الدين، والرزامي بعدها إلى صعدة مما جعل الحرب تندلع مرة أخرى. وساهم وجود المحافظ الشامي في صعدة، في إنهاء الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات مجدداً بعد قرار الرئيس صالح بالعفو العام الذي أعلنه الرئيس في 25 سبتمبر 2005، والبدء بإطلاق السجناء وصرف التعويضات للمواطنين المتضررين من الحرب،وكبادرة على حسن نيتها تجاه الصراع في صعدة ساهمت المملكة العربية السعودية بدفع عشرة ملايين دولار، مساهمة منها في إعادة إعمار محافظة صعدة والمديريات التي تضررت من الحرب. ويبدو أن هناك اختلالات رافقت تلك الاجراءات نجم عنها عدم حسم الموضوع نهائيا، حيث اشتكى العديد من المواطنين من عدم تسلم تعويضاتهم،كما أن الحوثيين قالوا إنه مازال هناك سجناء لم يطلق سراحهم بعد، مما ساهم في تجدد تلك الحرب للمرة الثالثة بعد حوالي سنة من توقفها، وهي فترة أتاحت للحوثيين إعادة تجميع أنصارهم والتزود بالسلاح الذي كان متوافراً على بعد مرمى حجر منهم في أسواق صعدة، ودخل عامل التمويل الأجنبي لشراء تلك الأسلحة حيث اتهمت السلطة كلاً من إيران وليبيا بدعم الحوثيين ومساعدتهم على إعادة ترتيب أوضاعهم. وعلى الرغم من التسامح الذي أبدته الدولة والنوايا الحسنة التي قدمتها لهم، ولعل أبرزها السماح للحوثيين لأول مرة بالاحتفال بيوم الغدير بشكل علني واحتفلوا به في مختلف أرجاء محافظة صعدة، بل وفي قلب عاصمة المحافظة، واستخدموا في تلك الاحتفالات جميع أنواع الاسلحة مما أدى لوقوع اصابات بين المواطنين، وقدم المحافظ الشامي للحوثيين خمسين مليون ريال وعدداً من السيارات، من أجل إثبات حسن النوايا أيضاً.
تعيين المصري (الذي كان مرابطاً في صعدة منذ بدايات الحرب الثالثة) محافظاً لصعدة جاء من أجل الانتصار للخيار العسكري،بعد أن قيل إن المحافظ الشامي لم يكن متحمساً لإدارة الحرب وكان متعاطفا مع الحوثيين، وغالبا ما كان يدخل في خلافات مع القيادة العسكرية للحرب، خاصة والشامي عرف بعلاقاته الواسعة مع الحوثيين. المصري بدوره كانت له مطالب أبرزها تغيير مدير الأمن العام في صعدة؛ حيث تم الخميس الماضي تعيين العقيد خالد القحوم مديراً لأمن صعدة.
التعبئة من أجل الحرب سبقها حل حزب الحق الذي كان الحوثيون ينتمون إليه قبل أن يستقيلوا منه في 1997م. وعلى الرغم من أن حيثيات قرار حل الحزب “الذي لم يكن في الأصل له وجود على الساحة وكان في حكم الميت سريرياً” وأعطى رسالة واضحة المعالم رداً على رفض الحوثيين ترك السلاح وتكوين حزب سياسي، حيث اعتبر العديد من السياسيين عدم قبول الحوثيين تأسيس حزب كان نتيجة لوجود حزب الحق الذي هو يعبر عن الهاشميين في اليمن وبالتالي فإن تأسيسهم لحزب جديد سيؤدي لانقسام الهاشميين،ودخولهم أو انضمامهم للحق سيصور على أن الهاشميين جميعاً متعاطفين مع الحوثيين.
شراسة الحرب جعلت الجيش يسعى لاستخدام أبناء القبائل في الحرب، في عودة لمربعات الصراع في سبعينيات القرن الماضي؛ حيث قامت السلطات العسكرية بتجنيد عدد من أبناء القبائل اليمنية لمساندة القوات الحكومية في حربها ضد أتباع الحوثيين في صعدة حيث تداولت العديد من الصحف سعي العديد من المشايخ لعرض خدماتهم لتجنيد عدد المقاتلين لمساندة الجيش وتقديم عمليات الدعم اللوجستي والسيطرة على المواقع التي تقوم قوات الجيش بتطهريها من الحوثيين. وبحسب الأنباء الصحافية فقد قام الشيخ صادق الأحمر وأخوه حسين بتجنيد حوالي خمسة ألاف مقاتل من أبناء قبيلة حاشد، فيما تعهد الشيخ طارق الفضلي بتقديم خمسمائة مقاتل من محافظة أبين، وأرسل الشيخ محمد بن فريد حوالي 700 مقاتل من محافظة شبوة وتحديدا من قبيلة العوالق والتحق قبل ذلك حوالي 1000متطوع من شرعب. ويخضع هؤلاء لدورات تدريبية قصيرة في معسكر الاستقبال يتم فيه تزويدهم بالأسلحة الخفيفة وترقيمهم ولا يخضع أبناء القبائل لأي جهة عسكرية، بل يتم تعيين قيادة خاصة بهم ومسؤول ارتباط مع قيادة الفرقة الأولى مدرع.
ويبدو أن هناك استنزافا كبيراً لمخزون سلاح الجيش، حيث قالت وكالة الانباء الروسية مطلع العام الحالي إن وفداً عسكريا برئاسة العقيد، عمار محمد عبد الله صالح، وكيل جهاز الأمن القومي، قام بزيارة للعاصمة الروسية „موسكو“ من أجل الاتفاق على تزويد الجيش اليمني بأسلحة ومعدات عسكرية. وتأتي زيارة عمار لموسكو بعد قرار الحكومة اليمنية في بدايات 2005م بشراء الأسلحة مباشرة دون الاعتماد على سماسرة السلاح.
وأدى عجز قوات الفرقة الأولى مدرع تحت قيادة اللواء علي محسن الاحمر في حسم المعركة مع الحوثيين،بالاضافة لاتساع رقعة المناطق التي تدور فيها المعارك، حيث تدور رحى المعارك في 12 مديرية وهي مهددة بالانتشار إلى مناطق مجاورة أخرى،“ إلى استدعاء لواء العمالقة“ وهو واحد من أكبر ألوية الجيش، فضلاً عن استدعاء عدد كبير من الضباط العاملين في قوات المدفعية، وحشد الوية الزمرة المرابطة في محافظة الجوف،ومؤخراً ذكرت صحف قريبة من السلطة أن هناك وحدات من القوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب تم استدعاؤها لتنفيذ مهام محدودة،وقام الجيش مؤخراً باستخدام عمليات الإنزال المظلي في مناطق محددة،لكنها لم تفض إلى نتائج كبيرة ميدانيا.
الإعلان الأسبوع قبل الماضي عن ترقية عدد من قادة الجيش من ضمنهم علي محسن الأحمر يرى محللون أنه يأتي كخطوة أولى من أجل إزاحته من إدارة المعركة بطريقة الرفس إلى أعلى، مؤكدين حدوث تغييرات واسعة في قيادات عدد من المناطق العسكرية، من اجل توحيد الرؤى على جبهة القتال في صعدة، حيث يرى المحللون أنه لا يوجد انسجام في القيادة، أو خطط واضحة لتلك الحرب، حيث لم يتعود الجيش على نمط تلك الحرب غير النظامية، والتي يبدو أن الحوثيين قد تدربوا عليها طويلا، ولديهم من السلاح والمؤنه ما يجعلهم يستطيعون الصمود طويلاً، حيث قال يحيى الحوثي في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة إن أتباعه على استعداد للصمود ل500 سنة في حرب من هذا النوع، وهو تقدير مبالغ فيه.
لجوء الدولة للخيار العسكري قد يكون آخر الحلول التي تلجأ إليها بعد أن جربت الحل السلمي الذي تدخلت عوامل كثيرة لإفشاله، منها ما هو مرتبط بالحوثيين ومنها ما يتعلق بالأخطاء التي نجمت عن القصور في أداء بعض أجهزه الدولة التنفيذية. لكن ماذا لو لم ينجح هذا الخيار؟ إلى متى ستستمر دوامة العنف تعصف باليمن!؟ ومن سيتحمل الخسائر البشرية والمادية والدماء التي تسيل؟! والى الآن تبدو فاتورة الحرب ضخمة تفوق قدرة احتمال الدولة وتؤثر على سمعة اليمن وفرص نهوضها، ويلمس آثارها السلبية المواطن اليمني يوماً بعد آخر.
[email protected]