الطريقة المثلى للاحتفاء بعيد الوحدة – يحيى سعيد السادة

الطريقة المثلى للاحتفاء بعيد الوحدة – يحيى سعيد السادة

لكي نحتفي بهذا الحدث العظيم ونتغنى بذكراه كونه حدثاً تأريخياً توقفت عنده عقارب التاريخ إيذاناً بلحظة سكون تعبر عن قدسية هذا اليوم الذي طالما انتظرته الأجيال، فإننا أمام مسؤوليات بحجم هذا الحدث وإلا نكون قد أفرغناه من محتواه التاريخي؛ إذ لا شك أن الاحتفاء بهذه الذكرى بتقديم بعض المشاريع هي لفتة إيجابية لها مدلولاتها وبعدها الحسي خاصة إذا ما نفذت تلكم المشاريع بمنأى عن الأيادي الملطخة بالفساد والإثراء غير المشروع. وهذا أمر مشكوك فيه في ظل تنامي أعداد السماسرة وأصحاب الذمم الرخيصة في كل محافظة من محافظات الجمهورية، إذ لا يمكن لأي مقاول أن يشارك في هذا المضمار ما لم يكن مسنوداً بأكثر من مسؤول كشركاء له من الباطن وما لم يحاط بأكثر من منتفع مهمتهم التطبيل بغية تمرير أعماله أياً كان مستوى تنفيذها، الأمر الذي يجعل من هذا اليوم العظيم يوم اقتسام غنائم لا يوم منجزات.
فلكي تبرأ ذمم القائمين على هذا العيد وفي أي محافظة كانت، لابد من رقابة مصاحبة لأي اعتماد بحيث يوظف في المشاريع المخصص لها دون تلاعب، وكذا رقابة لاحقة بغية التقييم والتدقيق لأبسط المصروفات على اعتبار أن هذا المال هو مال كل مواطن سواء كان مصدره الجبايات أم العائدات النفطية والغازية، ناهيك عن القروض أياً كانت طبيعتها فإن مسؤولية سدادها لا تقع على الدولة فحسب بل على كل أفراد الشعب بمن فيهم من لم يولدوا بعد لذا فإن عملية التدقيق في تلك المصروفات وما يتمخض عنها من نتائج ستكشف لنا حتماً الوجوه القبيحة التي تترصد المال العام، وكذا العناصر الشريفة المترفعة دوماً عن هذا المال. عندها سيتمكن المواطن من أن يفرق بين المرحبين بعفوية عند إعلان الرئيس تحديد المحافظة التي ستحتضن العيد، وبين المرحبين بحماس زائد. حيث تختلط الأوراق عند هذا المشهد فيبدوا لعامة الناس وفي أي محافظة أن المتفاعلين مع هذا الخطاب هم المعنيون بالهبر القادم بينما في الحقيقة أن هذا التفاعل لا يعتد به كنية مسبقة لعلم ما؛ على اعتبار أن اللاعبين المحترفين في ميادين المناسبات قد يكونون ممن يتمتعون بأعصاب هادئة لحظة الخطاب إذ يفاجأ الجميع بحقيقة هذا الأمر عندما تقرع الطبول إيذاناً بالنزال في ساحة المشاريع. لذا فإن الفصل في هذا الجدال لا يتأتى من خلال رصد السلوك الظاهري لكلا الفريقين وإنما بتفعيل الرقابة المصاحبة واللاحقة كما أسلفت. إضافة إلى تبني الدولة لمشروع محاسبة العابثين في كل محافظة ليتزامن هذا المشروع مع المشاريع الإنمائية بحيث يقدم عدد من الفاسدين بموازاة عدد من المشاريع الهامة، كلاهما يعزز مصداقية وجدية الدولة في هذين المجالين الحيويين. حينها لن نجد مصفقاً إلا في حدود المعقول وربما لن نجده كون الجميع سيفكرون بالمصير القادم قبل تفكيرهم بالماديات. لذا فإن أبناء محافظة إب السباقون دوماً إلى شرف التضحية في كل المحطات الوطنية ابتداءً من أحداث 1944 وحتى 2006، لهم الشرف هذه المرة أيضاً في أن تبدأ محافظتهم بتصحيح الاختلالات واجتثاث الفساد والمفسدين إن وجدوا طالما يتبادر إلى أسماعنا بين الفينة والأخرى كلام من هنا وهناك عن طهارة يدي المحافظ ونائبه، الأمر الذي يجعلنا نبني على فرضية صحة هذا الكلام إسقاط سلوكهم على العاملين في مختلف الأجهزة المحلية، الإدارية والمالية والقضائية بحيث تشمل هذه الطهارة أيدي هؤلاء كمسلمات منطقية بأن من لا يرضى لنفسه العبث بالمال العام والخاص حتماً لن يسمح للآخرين بممارسة ذلك، تطبيقاً للحكمة القائلة الناس على دين ملوكهم حينها تكون المحافظة على قاب قوسين أو أدنى من نيل شرف الحصول لقب المحافظة الفاضلة أسوة بجمهورية أفلاطون. ففي ظل هذه المحافظة الأفلاطونية يحتدم النقاش حول الأرصفة الجانبية ولمن تؤول ملكيتها؟ فإذا كانت ملكيتها للمواطن، يقول قائل: عليه رصفها عل نفقته ومن حقه منع المارة من العبور عليها إذا شاء كونها تدخل ضمن أصوله الثابتة ومن ثم الحق في التصرف بها. أما إذا كانت ملكيتها للدولة فلها حق التصرف بها كيفما تشاء حيث تقوم برصفها على نفقتها وتحميل أي مواطن مسؤولية الحفاظ عليها!! من وجهة نظري إن الخروج من هذا النقاش البيزنطي يتطلب توجيه السؤال لإخواننا من دول الجوار، ولتكن جيبوتي، لمعرفة على من تقع مسؤولية رصف الممرات الجانبية للشوارع؟ ولهم في الجواب حسن الثواب. هذا النقاش الجدلي لا يقلل من إعجابنا بالعمل الجاري عند مداخل المدينة إذ يتمنى المرء قيام الدولة بأعمال مماثلة ولكن على المقلب الإنساني الذي لا يقل أهمية عن العمل الإنمائي إذ أن بإمكان الدولة مساعدة نزلاء السجون المدانين بقضايا مالية. من خلال رصد مبلغ من المال يضم إلى اعتماد أي محافظة لها شرف احتضان هذا الحدث بحيث تساهم هذه الأموال بفك أسر القابعين في الزنازين لفترات تتجاوز المدة المحددة ومن ثم فك أسر عوائلهم وأطفالهم التائهين في زحمة الفقر والضياع كون انزلاق غالبية المتورطين بالتزامات مالية مرده الفقر المدقع وانعدام فرص العمل في ظل صعوبة المعيشة التي قصمت ظهر الميسورين قبل المعدمين. بينما يظل العابثون بمنأى عن أي معاناة. فشيء رائع أن نهتم بالجماليات من خلال وضع المجسمات على المداخل والميادين، خاصة إذا كانت تعني لنا تاريخاً أو تراثاً. كما أنه من الجمال والروعة أن تعبد الطرق وتشد الجسور وتقام أعمدة الإنارة هنا وهناك، إلا أن الأجمل والأروع من كل ذلك رؤية عابث أو فاسد جاثم على ركبتيه في إحدى كفتي ميزان العدل بينما على الكفة الأخرى أدواته القذرة والمؤذية التي استخدمها في تشريح الوطن والمواطن على السواء.