من المعيب أن لا يكون في اليمن مسارح ودور سينما ومراكز ثقافية.. هل ينجح (المفلحي) في تحويل وزارته من: متعهد للحفلات والمناسبات إلى وزارة الثقافة حقيقة؟؟ – عبدالقادر خضر

من المعيب أن لا يكون في اليمن مسارح ودور سينما ومراكز ثقافية.. هل ينجح (المفلحي) في تحويل وزارته من: متعهد للحفلات والمناسبات إلى وزارة الثقافة حقيقة؟؟ – عبدالقادر خضر

كعادتي في كل تغيير وزاري يحدث في بلادنا، ينصب اهتمامي على وزارتي الإعلام والثقافة.
الإعلام… بحكم أنني صحفي ورئيس تحرير مجلة “النجوم” الفنية. ولقد سعدت كثيراً في منح الثقة للصديق العزيز حسن أحمد اللوزي لمواصلة نجاحاته في قيادة وزارة الإعلام فأنا أعتبر الأستاذ اللوزي من أفضل الذين شغلوا وزارة الإعلام منذ الثمانينات من القرن الماضي.
في الثقافة: شكَّل استبعاد الأستاذ خالد الرويشان من الوزارة مفاجأة كبيرة، سعيدة لخصومه ومنتقديه، وسيئة لأنصاره ومريديه الذين كانوا يؤكدون في كتاباتهم ونقاشاتهم بأن الرويشان هو أنجح وأفضل وزير ثقافة ليس على مستوى اليمن، بل العالم العربي والعالم الثالث قاطبة… وبالتالي، لا يمكن في رأيهم أن يستبعد وزير بهذه الشخصية التي جعلت من وزارة الثقافة المنسية اسماً لامعاً تجده في كل صحيفة ومجلة مع صورة مبتسمة لوزيرها الأنيق!!
أؤكد هنا، أنني لست من أنصار الرويشان ولا من خصومه ومنتقديه؛ لأن لكل ثلة من هؤلاء أسبابه ومصالحه، ويرتبط عند معظم هؤلاء، الخصومة أو التمجيد، بأسباب ومصالح شخصية ليست لها علاقة بالثقافة ولا بالمثقفين الحقيقيين المتواجدين في مختلف المحافظات بعيداً عن عيون وتعاطف الأخ الوزير!!
المرة الوحيدة التي التقيت فيها بالأخ خالد الرويشان كانت في المركز الثقافي بصنعاء ضمن إحدى فعاليات عام 2004، (صنعاء عاصمة الثقافة العربية). عندما وقفت لأحدثه عن مجلة “الفنون” التي كانت تصدرها وزارة الثقافة في جنوب الوطن منذ عام 1980، من مدينة عدن، والتي أوقفتها وزارة الثقافة في دولة الوحدة منذ عام 1993، ليصبح طاقمها الصحفي وعدده حوالي 15 صحفياً وإدارياً عاطلين عن العمل براتب شهري.
فاجأني سيادة الوزير وهو يقول دون أن يلتفت إلي: ما بش داعي لإصدار المجلة.. أحسن لكم!
فرديت عليه بحدة: نحن نايمين منذ عام 1994، يا سيادة الوزير.. وقد تعبنا من النوم والبقاء في المنازل نربي الأطفال!!
للرويشان العديد من الإيجابيات والنجاحات التي تحسب له.. وله العديد من السلبيات التي تحسب عليه.. ولكن ليس من حق منتقديه أن يكتبوا في الصحف والمجلات ناكرين لإيجابيات كبيرة حققها الرجل أثناء توليه وزارة الثقافة.. كما أننا لم نقتنع بمشاركة البعض في مظاهرة رافضين ومنددين بإبعاد الرويشان عن وزارة الثقافة إلى حد أن يكتب أحدهم بأن “اليمن لا تستحق وزيراً عظيماً كخالد الرويشان.. ولم تنجب وزيراً مثقفاً مثله!!”. ونحن واثقين أن معظم المشاركين في تلك المظاهرة، وكذلك المستنكرين لإبعاده عن الثقافة لأنهم يحظون بالسفريات مع الوزير، أو يحظون بالهبات والهدايا والمكارم التي يقدمها بسخاء كبير لمريديه ومن حوله.. وهؤلاء يسيئون للوزير المثقف أكثر مما يفيدونه!!

الثقافة بين الأمس واليوم
قبل الاستقلال الوطني.. كانت (عدن) رائدة الثقافة والفنون والاقتصاد والرياضة والصحافة.. فقد كانت تصدر في عدن العديد من الصحف والمجلات باللغتين العربية والانكليزية، ولقد كانت صحف ومجلات متميزة لعب معظمها دوراً ريادياً، ثقافياً وسياسياً ووطنياً، ساهمت خلاله في النضال ضد الاستعمار البريطاني.
وعندما تحقق الاستقلال الوطني أصدرت حكومة الاستقلال أسوأ قرار لها بإلغاء إصدارات كافة الصحف والمجلات التي كانت تصدر آنذاك، ليستمر ذلك المنع حتى عام 1990، عندما تحققت الوحدة اليمنية ليعود ذلك التوهج الصحفي من خلال عشرات الصحف والمجلات التي عبرت عن مرحلة ديمقراطية جديدة في تاريخ اليمن الموحدة.
وإذا كان هذا إنجاز يحسب للوحدة اليمنية، فإن ما حدث في مستوى تلك المهرجانات العظيمة التي كانت تقام في شطري اليمن، واختفت دور السينما من خارطة اليمن بشطريه، وتوقيف تلك المحلات الثقافية والفنية والاجتماعية التي كانت تصدرها وزارة الثقافة ومؤسساتها في عدن وصنعاء، وتحول دور ومهام وزارة الثقافة في دولة الوحدة إلى مجرد وكيل لحفلات المناسبات الوطنية التي تقيمها الوزارة ومكاتبها في جميع المحافظات، وهي حفلات تشعر من يشاهدها بالإحباط والقرف متذكراً حفلات ومهرجانات زمن التشطير!!
ولقد انتبه لذلك الأخ الأستاذ/ يحيى حسين العرشي، الذي أعتبره من أفضل وزراء الثقافة على مدى ثلاثين عاماً… ولأن الأستاذ العرشي مثقف يعرف أهمية الثقافة في تاريخ الشعوب، إضافة إلى أنه وزير صاحب مشروع عظيم لم يستطع تحقيقه وهو يجلس على كرسي الوزارة، فقد وجد نفسه يتخلى عن كرسي وزارة مهمتها إقامة حفلات متواضعة المستوى في مناسبات وطنية معينة، مفضلاً البقاء في منزله حزيناً على مشروعه الثقافي في وطن بلا ثقافة.
كان العرشي يحلم ببناء مسارح ودور سينما، وتطوير معهد الفنون والفرق الموسيقية التابعة لوزارته، وإقامة مهرجانات أدبية ومسرحية وفنية، وإصدار مجلات ثقافية متميزة. ولكنه اصطدم بميزانية هزيلة لا تكفي إلا لإقامة حفلات متواضعة تسيء إلى المناسبات الوطنية التي رصدت من أجلها، كان العرشي وزيراً صاحب مشروع ثقافي عظيم أعاقت الأموال تحقيقه.
ومنذ ذلك اليوم تعين ثلاثة وزراء ثقافة هم: عبدالملك منصور، عبدالوهاب الروحاني، خالد الرويشان، ومع مجيئهم جاءت الأموال التي كان يحلم بها الاستاذ العرشي لتحقيق مشروعه العظيم، جاءت الأموال ولكن إلى أيادي وزراء لا يملكون مشروعاً وأحلاماً لازدهار ثقافي حقيقي. تدفقت الأموال دون أن تتحقق أية إنجازات في البنية التحتية، لا مسارح ولا دور سينما ولا مراكز ثقافية ولا مهرجانات أدبية وفنية ولا مجلات ثقافية، كان يحلم بها الاستاذ يحيى العرشي عندما كان وزيراً، بل إن الوزراء الثلاثة قد تحولو هم «الوزراء والوزارة كلها» بعد أن اصبحوا هم «الوزير، والنائب والوكلاء ومدراء العموم»، متجاوزين بذلك مهام هؤلاء ومن خلال حصر كافة الصلاحيات، وخاصة المالية، بأيديهم دون أي احترام للعمل المؤسسي، ولقيادات عينتها الدولة وكلفتها بمهام رسمية، أسوةً بتعيين الوزراء، وتكليفهم بمهام رسمية، بل إن نائب الوزير والوكلاء ومدراء العموم في وزارة الثقافة قد تحولوا إلى منفذين لتوجيهات الوزير أو مدير مكتبه الذي أحضره معه، وهو عادة من القرايب والمحاسيب لا يملك أية مؤهلات إدارية وثقافية.
ولمن يعتقد أنني أبالغ عليه أن يسأل نائب الوزير الدكتور أحمد سالم القاضي، والوكيلين هشام علي ونجيبة حداد، وكافة قيادات وكوادر وزارة الثقافة: ماذا كانت مهامكم على مدى عشر سنوات وأكثر؟

المفلحي والطريق الصعب
من المهم هنا التأكيد على أنني لا أستهدف أحداً بشكل شخصي، فأنا لم ألتق بالاستاذ العرشي سوى مرتين قبل تحقيق الوحدة. ولم التق أبداً بالوزير عبدالملك منصور، أما عبدالوهاب الروحاني فقد التقيته عدة مرات عندما كان صحفياً ولم التقه وزيراً أبداً، الأستاذ خالد الرويشان التقيته مرة واحدة، رغم أني من كوادر وزارة الثقافة منذ عام 1980م.
وقبل الحديث عن وزير الثقافة الجديد الدكتور محمد أبو بكر المفلحي، فإنني أؤكد أنني لم أعد موظفاً في وزارة الثقافة. كما أنني لا أذكر أنني التقيت به رغم أننا نعيش في مدينة «عدن» حتى وإن انتقل عمله إلى صنعاء في الأعوام الأخيرة، لكني ما سمعته عنه من جوانب ايجابية واهتمامه بالثقافة والمثقفين واحترامه للعمل المؤسسي ونظافة يده وقلبه وعدم احترامه للفساد والفاسدين، كل هذا يجعلني وكثيراً من المثقفين، نشعر بأن زمناً جديداً وجيداً ستعيشه الثقافة، ومع هذا لا بد من مصارحة الرجل ببعض الحقائق.
الواقع يقول أن وزارة الثقافة هي من بين  كافة الوزارة في الحكومة اليمنية، وأن العمل فيها يجب أن يبدأ من نقطة الصفر لمن يريد أن يحولها من وزارة متعهدة للحفلات الوطنية والمناسباتية إلى وزارة حقيقية للثقافة. وهذا لن يتحقق في بلد لا يملك مسارح ولا دور سينما ولا مراكز ثقافية ولا فرق فنية وموسيقية متطورة ولا.. ولا..إلخ. إن أبرز ما تملكه الوزارة حالياً ملايين تتبدد في حفلات تذكرنا بحفلات لجان الدفاع الشعبي التي كانت تقام قبل الوحدة. أبرز ما تمتلكه الوزارة هي شلة تلعب بالبيضة والحجر وتنجح عادة في الالتفاف حول رقبة أي وزير جديد لتصبح هي الآمر النهائي في الوزارة، فتضطهد أى مبدع حقيقي، وتجهض أي مشروع ثقافي ناجح لا تستفيد هي من ميزانيته، وترفع الهراوة، باسم الوزير، على كل المبدعين الشرفاء. ما تملكه وزارة الثقافة هو مجموعة من القيادات الفاسدة، ومجموعة أخرى عاشت سنوات طويلة مكسورة الجناح في بيات شتوي تحتاج لجهد كبير لإيقاظها منه، ونخبة من المبدعين المحبطين اليائسين من أي وزير قادم ومن أي حراك ثقافي حقيقي يمكن أن تقوم به وزارة الثقافة أو أية مؤسسة رسمية أخرى، لا تهتم بأسوأ من كل وزير يأتي حاملاً تصريحات ومشاريع ووعوداً، وبعد أسابيع يتبدد كل هذا لتصبح النتيجة «ديمة خلفنا بابها».
المهمة صعبة جداً يا أخي الوزير. وكل صفاتك الايجابية لن تجدي شيئاً إذا لم يصاحبها الشجاعة والحسم. حرر وزارة الثقافة من لعنة متعهد الحفلات وسيطرة رقصات البرع على المشاركات الخارجية. إمنح الثقة لكوادرك ليقوموا بمهام ثقافية حرموا منها لسنوات، أعد الاعتبار للعمل المؤسسي الجماعي لان اليد الواحدة لا تصفق، أبحث عن المثقفين والمبدعين الحقيقيين في جميع المحافظات، فاليمن ليست محافظة صنعاء فقط وأهم هذه القرارات هو توجيه الملايين التي تملكها الوزارة للبدء في بناء وتشييد البنية التحتية، فمن العيب أن تكون وزيراً في بلد لا يملك مسارح ودور سينما ومراكز ثقافية.
كما عليك أن تهتم بتكريم ورعاية كبار الفنانين والمبدعين الحقيقيين الذين ساهموا في إضاءة سماء الوطن وانتصاراته.. و… و… إلخ.
إما هذا، أو ستصبح متعهد حفلات ومناسبات بدرجة وزير، وعند ذلك سنرفع نحن الذين نؤمن بأنك الرجل الذي سيعيد للثقافة والمثقفين احترامهم، وسنقول:
حسبنا الله ونعم الوكيل!
فلا تخذلنا، أبداً وستجد أيادي مئات المبدعين والمثقفين تسهم معك في عملية البناء.