صلاح الحيدري يكتب عن حق الأجيال القادمة قراءة التاريخ وكتابته كما كان

صلاح الحيدري يكتب عن حق الأجيال القادمة قراءة التاريخ وكتابته كما كان

صلاح الحيدري

شدني كثيراً في حديث الشيخ سلطان البركاني، الامين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام بشأن جلسات الحوار التي تمت حتى الآن مع أحزاب المعارضة «اللقاء المشترك»..، تطرقه إلى أن كافة جلسات الحوار لم يوثق لما دار فيها في محاضر..؛ إذ لم يحرص على ذلك، لا الحزب الحاكم ولا أحزاب المشترك.
اذاً في زحمة المناقشات وحسابات الطرح والضرب والجمع والقسمة نسيت أو، بالأصح، تناست الأحزاب مسألة لا تحتاج لأية وسائل مساعدة بقدر ما تحتاج إلى حس وطني تجاه التاريخ وهي مسألة التوثيق لكل حوار ونقاش وتفاوض دار فيما بينها.
وإذا بحثت عن السبب ستجد من قيادات الأحزاب تبريرات متعددة لا اشك في أنها ستتحول إلى اتهامات طرف لآخر.
لقد ارتكبت الأحزاب في جلسات حوارها خطأ فادحاً في تجاهلها كتابة محاضر مشتركة في كل جلسة، فإلى جانب أن تلك المحاضر لو تمت ستمثل كشفاً واضحاً بحقائق ما تم في جلسات الحوار وخفايا ما يتمترس وراءه كل طرف، فإن تغييبها التوثيق يمثل جناية متعمدة في حق الأجيال القادمة في قراءة وكتابة التاريخ كما كان لا كما يراد له ان يكون.
إن غياب الشفافية في مقاصد أطراف الحوار قد جعل ساحاته مجردة من الحقيقة وكأنما أرادت الأحزاب السياسية من تناسيها المتعمد لكتابة محاضر الجلسات أن لا يعرف عامة الناس الجانب الخفي فيما تطرحه وتبحث عنه وهي بذلك أشبه ما تكون بالمصاب بداء”الشزوفرينيا”.
 يحمل فرقاء الحياة السياسية في جلسات الحوار ما لايراد له أن يعرف والدليل تغييب التوثيق وتنفض ليخرج كل طرف اتهامات لآخر.. وكل طرف يقول «نحن طرحنا وذلك رفض» وهكذا يتحاورون على مستقبل بلد وشعب دون كتابة محاضر، ويسطرون لمرحلة بالغة الحساسية والأهمية، عبر الظاهرة الصوتية والصحافة، بأنصاف حقائق وما يظهر منها في اغلبه مشوه وكل ذلك يفضي إلى نتيجة واحدة، هي تعمد تشويه التاريخ.
ان ما تنشره الصحف في بلدان العالم يمثل توثيقاً تاريخياً غير أن ما تسطره صحافتنا حول حوارات اطراف المنظومة السياسية تحديداً، وفي هذه المرحلة الهامة، ليس سوى وجهات نظر وفي اغلب الأحيان مهاترات واتهامات لإثبات صوابية طرف على آخر. وما تخرج به حول ذلك لايمكن ان يمثل مرجعية تاريخية لاي باحث محايد يحاول في المستقبل كتابة التاريخ عن هذه المرحلة تحديداً بتجرد تام.
سألت احد قيادات المعارضة عن سبب عدم توثيق ما دار في كل جلسة حوار، من نقاشات وأطروحات وأخذ ورد في محاضر جلسات يوقع عليها الجميع.. فأجاب أن ما جرى في جلسات الحوار تفاوض حول عدد من القضايا ولا يمكن ان تسجل بمحاضر مشتركة يوقع عليها الجميع لأنها قد تؤخذ على انها اتفاق تم التوصل اليه.. ومتى ما تم التوصل الى اتفاق يتم عمل محضر ويوقع عليه الجميع.
 ووجدت بذلك التبرير خلاصة مفادها انه لايمكن لحوار النوايا السيئة أن يصل إلى نتيجة؛ إذ أن مااتفقت عليه اطراف المنظومة السياسية حتى الآن هو الاَّ تتفق.
واذا كانت تعتقد بعض الأحزاب السياسية ان اختلافها واتفاقها حقها السياسي في ممارسة الديمقراطية التي تعجز حتى اللحظة قياداتها ان تكرس هذا المفهوم في أطرها التنظيمية بل وترفضه تماماً، فإن من حق الاجيال الحاضرة والمستقبلية ان تعرف الحقيقة المجردة من عوامل التعرية السياسية وتوثق لها.
أحسب أننا بدأنا نتجه لإعادة نفس الأخطاء الماضية بشأن التوثيق التاريخي اذ غابت في الماضي الوثائق وما ظهر منها ضاع وبقي الاشخاص الذين شاركوا في تلك المرحلة «كتاب تاريخ» يسطرون رواياتهم الشخصية المتناقضة في أغلب الاحيان، عما دار في تلك المراحل واذا كنا قد تنبهنا في السنوات الاخيرة لهذه القضية في توثيق تاريخ الثورة اليمنية عبر تجميع ما تبقى من وثائق وإقامة الندوات التي يمكن من خلالها توفير المعلومة الحقيقية التي تمكن كاتب التاريخ -الذي لم يتوفر حتى الآن كشخصية محايدة- من الرجوع اليها لكتابة التاريخ.. فإننا الآن أحوج ما نكون لأن نتجاوز أخطاء الماضي ونضع حداً لأي هفوات قد تقود الى تشويه التاريخ الحاضر.

مجرد عتاب
لا استطيع ان انكر إعجابي الشديد بالتجربة المصرية في مجال التوثيق التاريخي ابتداءً بالسياسة وانتهاءً بالفن؛ فكل ما هو متعلق بزمان موجود لديهم ومحافظ عليه،غير ان المهم فيها هو انتقالها المتسارع الى عالم التطور التكنولوجي وذلك باعتمادها التوثيق الالكتروني.
وقد حدثني احد الزملاء في اذاعة صنعاء عن الغبن الذي اصابه حينما وقع بين يديه شريط مهترىء فيه اغنية قديمة للفنان عبدالكريم قاسم «حُميمه» وهذا مثال.. غير انه يعكس ما يعيشه تراثنا الذي يمثل تاريخاً من مآسٍ نتيجة تحول حرص المحافظة عليه الى إهمال.
وهو أمر محير بالفعل.. أليس في مقدور إذاعاتنا أن تلجأ إلى الأرشفة الالكترونية أم أن الاختراع الذي اسمه كمبيوتر ونُظم أرشفة تقنية لم تصل إلى عقول قيادات هذه الإذاعات؟! للتوثيق للحاضر وإعادة الاعتبار لما انتج في الماضي وأنتجه الرواد من فن وغيره.. وشعور بالمسؤولية التاريخية لحقوق الأجيال القادمة في الاطلاع على التاريخ وكتابته.. فالموضوع محل عتب وتنبيه ليس إلاَّ.
ومع احترامي للموقع الالكتروني لإذاعة صنعاء فإن الأغاني التي تتجاوز عدد أصابع اليد لعدد من فنانينا الكبار والأوائل هي نفسها منذ أن أُطلق الموقع.. فلماذا لا تؤرشف الاغاني والاعمال كافة لكل فنان في الموقع ذاته.. وارجو ان نتخلص من عقدة ان الغير سيسرق ألحاننا فننتظر -في عالم تقني متسارع تواق لمعرفة ما لدى الآخر- لأن نخفي ما لدينا لدرجة ضياعه وانتهائه.. وكل عام والوحدة بألف خير.