الرياضة المدرسية.. الموت شنقاً بعد طابور الصباح! (1-2)

الرياضة المدرسية.. الموت شنقاً بعد طابور الصباح! (1-2)

نشأت الأنشطة الرياضية في اليمن مع بزوغ أشعة شمس التعليم التي أُرسيت أول مداميكها في منتصف ستينيات القرن الماضي بخطى حثيثة مثلت حالة شاملة لتطور مرحلة شهدتها الرياضة بكافة أنواعها في المؤسسات التعليمية، استمرت حتى ولوج عتبة العقد التسعيني الذي شكل نقطة افتراق لهذه الأنشطة الفتية التي استسلمت خانعة لقدرها المحتوم بعد الاجتياح الغوغائي لأخطبوط ثقافة العبث الذي سفك دماءها دون أن يتلو عليها آيات الرحمة في لحظات دوران عكسي لعقارب ساعة الزمن السلبي.
الأنشطة الرياضية في مؤسسات التعليم العام، ذكريات ومقاربات وإشكاليات، عبر نافذة “النداء” التي أطلت على منظر الملعب المدرسي.

– تحقيق: طلال سفيان

بعيداً عن زحمة الفصول المكتضة، ورتابة المناهج التعليمية، وروتين الحصص، والجو الدراسي اليومي، فقد شكلت الأنشطة الرياضية في إطار المؤسسات التعليمية خلال عقدين ونصف حراكاً واسعاً على كافة مسارات الألعاب المختلفة والتي أضحت خلالها الرياضية المدرسية منجماً خصباً ورافداً رئيسياً للحركة الرياضية على مستوى الوطن الذي شهد ولادة وإشهار العديد من الأندية الرياضية نتيجةً لمخاض النشاط الرياضي في ساحات المدارس، حيث أفرز طلاب مدرسة الأيتام في العاصمة “صنعاء” العديد من الأندية كـ”الأهلي” و”الوحدة”، وتأسيس طلبة الأقسام الداخلية في تعز لنادي “الصقر” نهاية الستينيات أو التكوين الأول لفريق شعب إب الذي حمل اسم أشهر مدرسة في اللواء الأخضر من قبل طلابها الأوائل الذين وضعوا اللبنة الأولى لهذا النادي العريق. كما أسهمت مدرسة “عائشة كرامة” بمدينة زنجبار بمحافظة أبين وبشكل كبير في ظهور أندية حسان وعرفان وخنفر على مسرح أضواء البساط الأخضر والذي كان المربع الأساسي للحراك الرياضي على الساحة وذلك بفعل نتاج حتمي لعصر توهج الرياضة المدرسية والتي كانت من أبرز مهامها خلق الإبداع وتنمية المهارات في الصالة والمساحة أو الملعب الذي تآكل جذرياً مع المعمل والمسرح والمكتبة والتي تمثل فيها هذه الأنشطة كنسيج وحدة بين الفروع العلمية والفكرية والرياضية والشبابية المترابطة كلياً داخل الأسوار المدرسية.

الأيام الخوالي
بماضيها الجميل شهدت الرياضة المدرسية نمواً مزدهراً وذلك بفضل توافر عوامل الاستعداد والتدريب والدعم والتجهيز للفرق الرياضية المدرسية، حيث كانت تسود هذه الأنشطة أجواء ودية تنافسية مفعمة بالحماس الرياضي الشديد، المعزز بالحضور الجماهيري الكبير، والنشاط الإعلامي المكثف والمليء بالتعليقات والتقارير الرياضية والتي عادةً لا تخلو من روح الدعابة والنكتة والإثارة والجدية التي كانت تعطي هذه الأنشطة نكهة ومذاقاً خاصاً، جعلت من ملاعبها سمة راسخة تحتضن وتختزن قصصاً لا تنتهي، وذاكرة لا تنسى في أذهان الرياضيين القادمين من ساحات الرياضة المدرسية في زمنها الذهبي، كما يصفها عبدالله عبده عثمان، نجم المنتخبات المدرسية لبناء الأجسام وألعاب القوى في فترة الثمانينات الماضية والتي عبر عنها، بأنها كانت الأفضل من حيث تفاعل أنشطتها في مختلف الألعاب الرياضية، والأوسع في المضمار بتنوع منافساتها التي تحتوي رياضيي المدارس، داخل الوطن، والأكثر على مستوى مخرجات نجوم الألعاب التي كانت تستفيد منهم الساحة الرياضية. كما يستعيد محمد سعد العبُسي، الموظف في المؤسسة الاقتصادية، شريط الذكريات الرياضية عبر مشاهد تدرجه الرياضي، وذلك من خلال تمثيله للألوان المدرسية في البطولات الرياضية لمحافظة تعز، والتي كانت صافرتها الأولى مع إعداديات: أبو بكر الصديق وعقبة بن نافع، ومنها إلى ثانوية الفاروق التي أحرز معها بطولة المحافظة لكرة القدم عام 1989، ليتوج بعدها بعام مع منتخب تعز المدرسي ببطولة الجمهورية المدرسية التي استضافتها محافظة تعز، إلى جانب مواصلة مشوار النجومية في صفوف فريق أهلي تعز والذي حمل هو الآخر صورة مرادفة لحقبة التوهج الرياضي للألعاب المدرسية والمعسكرات الشبابية.
وهو ما يؤكد عليه الكابتن عبدالرحمن سعيد، نجم المنتخبات الوطنية سابقاً، ومدرب نادي شعب صنعاء حالياً، حول أهمية الدور الذي تلعبه الأنشطة الرياضية المدرسية في المحفل الرياضي العام، مضيفاً بأنه صقل نجوميته الكروية بدأ من ساحة مدرسة علي بن أبي طالب (إبتدائي وإعدادي)، وثانوية أبو بكر الصديق في محافظة الحديدة، حيث قدمته المدرسة الأخيرة إلى صفوف النادي الأهلي الساحلي عام 1984 والذي بدوره قدمه إلى صفوف المنتخبات الوطنية منذ عام 1988. فيما يشير الكابتن علاء الصاصي، نجم أهلي صنعاء والمنتخب الوطني الأول لكرة القدم حالياً، بالفضل الخاص للرياضة المدرسية، التي نمت موهبته في مدرستي “الشعبـ” و”الفاروق” في محافظة تعز، التي مثل منتخبها المدرسي عام 2002، إلى جانب أنها فتحت له أبواب النجومية عبر فريق أهلي تعز والذي قدمه هو الآخر إلى نظيره الأهلي الصنعاني منذ ثلاثة مواسم تدرج فيها إلى التمثيل الوطني عبر الناشئين والشباب والأولمبي والوطني الأول.

أسوار قسرية
هكذا إذا هي الرياضة المدرسية، مجرد فصول لناقوس الذكريات من خارج الأسوار القسرية، أو من داخلها، الذي فقد حلقة الوصل لسلسلة ترابط الأجيال بين زوايا أركان الملعب المدرسي سواءٌ بحضوره النوعي البسيط الإيجابي أم بغيابه السلبي القتيم الذي يحمل طرحاً ممزوجاً بالسخط والرضاء في آنٍ معاً، عبر عنها طاهر العواضي وعلي النهمي، وهما تلميذان في ربيعهما التاسع عشر، تجمع بينهما قصة صداقة حميمة، وشراكة عشق واحدة تجاه ساحرتهم المستديرة. تلك الرياضة التي يقول عنها “طاهر”، الطالب في أول ثانوي ضمن صفوف مدرسة هائل سعيد أنعم بأمانة العاصمة، بأنه من المستحيل ممارستها في فناء المدرسة لعدة أسباب، منها فقر هذا المرفق التعليمي لساحة تحتوي الأنشطة الرياضية، وكذلك عدم الاهتمام الإداري بمادة التربية البدنية والتي يصفها “علي”، الطالب في المرحلة النهائية الثانوية في مدرسة الكويت بأمانة العاصمة، بأن لها حضوراً واهتماماً إيجابياً داخل المدرسة التي شكلت حضورها مؤخراً بالتفوق في ألعاب كرة القدم، والسلة، والطائرة.
فيما يرى الأستاذ محمد محيمد، مدرس التربية البدنية في مدرسة هائل سعيد أنعم بأمانة العاصمة، أن الرياضة المدرسية ترتكز أساساً ضمن سلم أولوية طابور الصباح كنشاط بدني يعتمد على أداء بعض التمارين الرياضية، مضيفاً بأن إدارة المدرسة تولي أهمية خاصة بمادة التربية البدنية بشقيها النظري أو العملي من خلال 21 حصة في الأسبوع الدراسي والتي تقتصر على بعض الرياضات التي تتاح ممارستها في كيان المدرسة كألعاب كرات: القدم، والطائرة، والسلة، فضلاً عن تمارين اللياقة البدنية التي اعتبرها أداءً رئيسياً لكسر رتابة اليوم الدراسي، وتحفيزاً للثقة والنشاط العلمي.

فروض إلزامية
 ومع واقع اليوم وما تعيشه الأنشطة المدرسية، المكدسة بأوراق الإشكاليات وجوانب الاهتمام والدعوة الخاصة بمعالجتها وإصلاحها عبر تدفق دماءها مجدداً داخل أوردتها الحيوية، حمل طرح ا لقائمين عليها الكثير من بنود الآمال النظرية والعملية، وهذا ما يؤكده الأستاذ أحمد ناصر الحداء، مدير ثانوية جمال عبدالناصر النموذجية بأمانة العاصمة، حول أهمية وقدسية النشاط الرياضي المدرسي والمتمثل بخطة خاصة تتعلق بهذا النشاط داخل المدرسة والتي تتمحور بشكل دوري رياضي داخلي بين الصفوف والتي يمنح فيها الفائزين بكؤوس وشهادات تقديرية، كما أننا حالياً بصدد تنظيم مهرجان رياضي في المدرسة خلال الأيام القادمة والذي سيتضمن أنشطة رياضة، كرة القدم والسلة والطائرة وتنس الطاولة، فضلاً عن الأنشطة الكشفية والتي يبلغ عدد أعضائها 200 تلميذ في المدرسة، موزعين على المرحلتين الصباحية والمسائية الدراسية، إلى جانب إقامة العديد من الفعاليات الشبابية والفنية والمسابقات الثقافية والتي توليها مدرسة جمال عبدالناصر كافة الاهتمام. من خلال إشراف الأستاذ ناصر مالك القباطي، وكيل المدرسة، على هذه الأنشطة التي نعتبرها من أسس التعليم العام.
فيما يشير الأستاذ أحمد محمود الحاج، مدير عام الأنشطة المدرسية بوزارة التربية والتعليم: بأن الأنشطة الثقافية والعلمية والرياضية، تعتبر جزءاً أساسياً في المنهج التعليمي عبر الكتاب والوسيلة المدرسية، وأمام إشكالية إنحسارها وإندثارها في ظل قصر نظر التربويين والمجتمع ككل، بأهمية إعداد النشء والشباب والإعداد المتكامل للحياة وبناء الشخصية الانسانية المتوازنة. كما تعد مادة التربية البدنية وممارسة الرياضة في مرافق التعليم العام من الحقوق الاساسية للطفولة والشباب، حيث تلعب هذه الانشطة دوراً وقائياً هاماً لدى التلاميذ سواءٌ كانوا ذكوراً أم إناثاً، وذلك من خلال حمايتهم من كافة اشكال التطرف والانحراف الاجتماعي والثقافي إلى جانب وقايتها من الإصابة بالأمراض والإعاقات.
ومن هذه الرؤية الفاحصة اتخذت الوزارة حزمة من المعالجات في جوانب القصور والمتمثلة بغياب الكادر المتخصص بسبب الاستغناء عن الكادر العربي عند يمننة المعلمين، عدم وجود مخرجات متخصصة من المعاهد والجامعات ككوادر بديلة لهذه المواد حتى اليوم، استخدام ساحات المدارس والتوسع الأفقي في بناء المنشآت التعليمية والتي كانت السبب الرئيسي لحرمان النشاط الرياضي من التواجد في المدارس، ندرة الصالات المغلقة فضلاً عن شحة الامكانيات المالية المسيرة للأنشطة المدرسية.
وأمام هذا الوضع، قامت الوزارة باتخاذ جملة من المعالجات منذ عام 1998، منها على سبيل المثال، إعداد مناهج خاصة بالتربية البدنية والفنية، إصدار التشريعات اللازمة بعدم المس بالمساحات المخصصة لهذه الانشطة، صدور القرار 470 لسنة 1999 باعتبار الأنشطة الفنية كالمهنية والرياضية مواد أساسية في المنهج التعليمي، إلى جانب القرار 103 لعام 2002 الذي أصدره مجلس الوزراء والذي يوصي باعتبار التربية البدنية مادة أساسية في المنهج المدرسي العام. ومع كل ذلك لا يزال الكثير من القصور في الميدان بسبب شحة الموارد المالية لبناء الصالات وتوفير احتياجات الانشطة في المدارس التي شهدت مؤخراً إشكاليات الاسهامات التي كانت تستفيد منها المرافق التعليمية من تحصيل رسوم العام الدراسي التي فقدت في ظل السلطات المحلية في الكثير من المحافظات. من جهته بادر النائب عبدالعزيز كرو، رئيس لجنة التربية والتعليم في البرلمان، بطرح سؤال عن الوجود الرياضي في مدارس خرسانية تفتقر إلى الساحات المخصصة للأنشطة الرياضية، علاوة على الغياب الكلي لمنهج التربية البدنية، وعدم الاهتمام بالتدريب الفني المدرسي في إطار مواد أصبح الإدلاء عنها ضرباً من الخيال في ظل سياسة تقوم على ثقافة القضاء على المشروع الرياضي المدرسي.

 

لأهمية تنميتها للمهارات الإدراكية
دراسة علمية توصي بزيادة حصص التربية البدنية

في دراسة علمية للدكتور تشارلز هيلمان، من مختبر علم الأعصاب في جامعة إلينوي الأمريكية، والتي أجراها منذ إبريل الماضي بعد إخضاع 259 تلميذاً من الصفين الثالث والخامس إلى قياس مؤشرات كتلهم الجسمية لبعض التمارين الرياضية العادية، مثل محاولة لمس طرف كل قدم في وضعية الجلوس، والركض السريع، وتمارين رفع الجسم باليدين، وتقوية عضلات البطن، ومن ثم مقارنة قدرات الطلاب الجسدية مع النتيجة النهائية لعلاماتهم في الرياضيات والقراءة في امتحان الولاية الموحد، وكما كان متوقعاً، فإن التلاميذ الذين تمتعوا بأجسام أكثر لياقة كانوا الأكثر ذكاءً من أقرانهم الآخرين، كما أفادت دراسة هيلمان بأن التمارين الرياضية القاسية أو جلسة صاخبة في ركل الكرة، يمكن أن يكون لها تأثير أوسع على أدمغة الأطفال حتى سن ال(20) تقريباً.
كما دعا الكثير من المعلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى مشروع يتضمن إصلاح مادة التربية البدنية في المدارس الحكومية وذلك لضمان نجاح طلابهم في المواد الدراسية الأخرى من خلال جعل التمارين الرياضية أطول وأكثر تركيزاً على التمارين القلبية الوعائية التي تعزز وظائف الدماغ، كما اقترحت كيتي ستاين، السيناتورة في مجلس الشيوخ بولاية كينتاكي، بعد أن ألهمها عمل هيلمان، بتبني مشروع قانون يفرض نصف ساعة يومية من حصص التربية البدنية الإلزامية حتى الصف الثامن، وهو القانون الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في فبراير الماضي، والذي جرى تطبيقه في مدارس مدينة نابرفيل بولاية إلينوي، حيث بدأ التلاميذ الذين لا تزال مهاراتهم الكلامية دون المستوى المطلوب بأخذ حصص تربية بدنية مباشرة قبل حصص القراءة والتي حققت فيها هذه التجربة نجاحاً كبيراً على ضوء تحسن العلامات العلمية لهؤلاء التلاميذ.