رواتب موظفي الحكومة تنعشها، وأمناء الصناديق ضحاياها.. البنوك.. لعبة السياسة ونبذ البسطاء

رواتب موظفي الحكومة تنعشها، وأمناء الصناديق ضحاياها.. البنوك.. لعبة السياسة ونبذ البسطاء

– غمدان اليوسفي

قريبا سيدخل أمناء صناديق المؤسسات الحكومية قائمة البطالة المقنعة بعد أن بدأت البنوك سحب المفاتيح من أيديهم وتوليها مهمة صرف الرواتب عبر صرافاتها الآلية.
المسألة بدأت بشكل مفاجئ ومتسارع خلال أشهر قليلة من العام المنصرم والعام الجاري، أو بشكل أوضح عقب كارثة البنك الوطني التي أودت بحياة مئات الأسر من المودعين والموظفين في البنك أيضا. فجأة اكتظت الصحف واللوحات الإعلانية بالإعلانات والمسابقات وصور السيارات التي تقدمها البنوك نظير فتح الحسابات التي لا تقل قيمة الاشتراك الأولي لفتح الحساب فيها عن 100 ألف ريال.

أواخر الأشهر الميلادية تشاهد طوابير الموظفين يقفون أمام الصرافات الآلية المتناثرة في التجمعات السكانية والشوارع الرئيسية بمسميات لبنوك مختلفة، وهي التي كانت في البدء حكرا على عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليد في المقرات الرئيسية للبنوك.
ما يشبه خطة الإنقاذ اتخذتها جهات –لا يستبعد أن تكون حكومية- في رفد البنوك برواتب الموظفين خصوصا تلك الحملة التي دشنها بنك التسليف الزراعي الحكومي الذي حظي بالوجبة الدسمة من رواتب الموظفين الحكوميين وحمل على عاتقه صرف رواتب جزء كبير من المعلمين، إضافة إلى رواتب الموظفين في مجلس الوزراء ووزارة الصناعة وغيرها من المؤسسات الحكومية.
الجهة الأبرز في الموضوع ذاته هي هيئة البريد حيث بدأ العمل برفدها بالرواتب لقطاعات كبيرة منذ وقت مبكر، وانضمت إليها في الأمر مؤخراً مؤسسات ذات قطاعات كبيرة من الموظفين، أمثال قطاع كبير من المعلمين وموظفي وزارة الداخلية وقطاعات في وزارة المواصلات.
بنوك أخرى يعد أكابر المساهمين في رأس مالها من المقربين للسلطات دخلوا في سباق جلب رواتب الموظفين الحكوميين، منها البنك التجاري الذي استأثر برواتب موظفي وزارة النفط ووكالة الأنباء اليمنية “سبأ”. فيما جاء من نصيب بنك اليمن والخليج رواتب قطاعات من موظفي وزارة الأشغال. بينما تولى بنك اليمن والبحرين صرف رواتب الموظفين في عدد من قطاعات وزارة الاتصالات. أما بنك اليمن الدولي فقد أخذ نصيبه من صرف الرواتب لموظفي الخطوط الجوية اليمنية.
اللافت في الأمر أن البنوك التي تعمل بالنظام الإسلامي القائم على المضاربة والمرابحة، المشاركة، وغيرها لم تدخل خط صرف رواتب الموظفين خصوصا الحكوميين. وهنا برز تساؤل حول إمكانية دخول اللعبة السياسية في الأمر كون بعض هذه البنوك تتبع أطرافا ليست ذات علاقة حسنة مع السلطة كبنك سبأ الإسلامي الذي يرأس مجلس إدارته الشيخ حميد الأحمر وكذلك بنك التضامن التابع لمجموعة هائل سعيد وغيرها.
“السياسة أكيد داخلة في الموضوع”، يوجز الدكتور حسن ثابت مدير التسويق في بنك سبأ إجابته على ذلك التساؤل مدللا على ذلك بأن بنك سبأ ما زال يفاوض جامعة صنعاء على تسليم رواتب الموظفين عبره، لكن مسؤولي الجامعة لايزالون يرفضون الأمر ويرغبون بصرفها عبر أحد البنوك الأخرى، برغم أن قاعدة بياناته لا تحتمل الأمر، برغم أنهم يقدمون تسهيلات أفضل منه – وفقا لقول الدكتور ثابت- مطالبا الحكومة بتوزيع المخاطر على البنوك لا توجيهها لبنك واحد.
يستبعد المسؤول في بنك سبأ –في حديثه إلى “النداء” أن يكون لجوء البنوك لرواتب الموظفين الحكوميين خطوة لتلافي ما حدث في البنك الوطني، لأن البنوك لا توظف أكثر من 25% من فوائضها المالية، حسب قوله. مشيرا إلى أن العملية قد تكون أيضا جزءاً من إصلاح الاختلالات في العملية المالية لدى المؤسسات الحكومية كون المسألة تيسر عملية تسلم الراتب وبقية المستحقات.
أسباب أخرى للجوء البنوك لرواتب الموظفين يشير إليها سليم الكبسي مسؤول العلاقات العامة في البنك التجاري اليمني، مؤكدا أن البنوك بالتأكيد تسعى للربح كعملية مشروعة إضافة إلى خلق وعي بخدمات البنوك وتحسين الصورة التي خلفتها مشكلة إفلاس البنك الوطني. مشيرا في ذات السياق إلى أن عدداً كبيراً من المودعين سحبوا أموالهم من بنوك كثيرة عقب تلك الحادثة، وأنهم يحاولون حاليا استعادة المصداقية أمام الجمهور.
ويضيف أن البنك مستفيد من صرف الرواتب عبره وكذلك الموظفون. مشيرا في ذات الصدد إلى أن البنك يمنح قروضاً تصل إلى 10 رواتب من قيمة راتب الموظف، بينما يعرض بنك سبأ، وفقا للدكتور حسن ثابت، 17 راتبا.
تتفاوت القيمة الإجمالية لمنح قروض للموظفين من بنك إلى آخر، لكنها في الإجمال لا تمكن الموظف من عمل أي مشروع كشراء سيارة أو عقارات؛ كون رواتبهم في الإجمال لا تصل إلى أكثر من 50 ألفا كأعلى راتب، بينما رواتب الموظفين الصغار وهم الغالبية تتراوح بين ال 20 و 35 ألفا.
يتحدث الدكتور ثابت عن زيارة له إلى عمان ليكتشف أن البنوك هناك تمنح الموظفين قروضا تمكنهم من شراء منازل وسيارات وتقسط من رواتبهم على مدى 25 عاما، مبديا تفاؤله في أن يتم الأمر هنا؛ لكنه أظهر في حديثه صعوبة ذلك لأسباب لم يفصح عنها.
إجمالا تبقى البنوك –على كثرتها- المستفيد الأول من كل العمليات سواء صرف الرواتب أو الودائع أو أي من العمليات المصرفية، خصوصا في ظل نظام مصرفي لا تتمكن فيه البنوك من منح أي من التسهيلات للبسطاء والموظفين إلا بقدر رواتبهم الضئيلة أصلا، وتحديد إعادة تلك القروض بسنوات لا تتجاوز الأربع سنوات كأعلى مدة. وكذلك هو أمر لا يظهر أي تفاؤل للعامة في تحسين أوضاعهم على مستوى السكن بالدرجة الأولى ثم لخلق فرص للاستثمارات الصغيرة إلا بضمانات تعجيزية لا يقدر عليها سوى كبار القوم.
[email protected]