قرص وردي صغير.. ولا يكترث – جمال جبران

قرص وردي صغير.. ولا يكترث – جمال جبران

 

(1)
القرص الوردي المثبت على تكويرة، ويظهر على يمين الصورة له طعم الشاي البارد. الفتاة الجالسة لوحدها قبالة كرسي فارغ لا تعرف هذا. كما لا تعرف أن طول الانتظار لا يختصر المسافة بين متباعدين، أن رسائل ال sms لا تفي بالغرض دائماً. القرص الوردي المثبت على تكويرة وحده من يستطيع إثبات هذا إضافة إلى حقيقة أن وظيفة عقارب ساعة مربوطة على معصم أيسر هي من الأهمية بحيث لا ينبغي تركها للصدفة. الصدفة شابة رعناء لا تحسن التصرف ولا تجيد استغلال الفرص.

(2)
القرص الوردي الصغير المثبت على تكويرة يخرج باكراً وبكامل أناقته بعد أن يكون قد أنجز تمارينه الصباحية على هدير إذاعة “سوا” وشرب كأساً من حليب “أنكور”. هو القرص الوردي كلوحة نيون.
هو القرص الوردي المدلل منذ طفولته والمربى على التأنق. هو القرص الشخصية.
القرص الملهم. القرص الرئيس وزراء. القرص الباشا وفتوة الحارة. القرص القبضاي. القرص الأفندي. القرص كابتن الفريق. القرص المايسترو ولاعب الليبرو، القشاش في رواية أخرى.  هو القرص الوردي الصغير الذي بتطلعات استعمارية. يسير واثقاً على إيقاعات لا تشبه أبداً موسيقى جاك بريل في لحن “أمستردام”. القرص الوردي الصغير غير المكترث بأحد، يفتح هاتفه المحمول في وسط الشارع المفتوح مطلقاً ضحكات متتالية حمراء تشبه ضحكات سعاد حسني في “شفيقة ومتولي”. هو لا يكترث أيضاً -القرص الوردي أقصد- برجل المرور الواقف قبالته والكأنه سقط في الحب من أول نظرة فراح، بقلب كبير غافراً كل ما يحدث أمامه من مخالفات مرورية فاضحة.

(3)
القرص الوردي الصغير والمثبت على تكويرة، يقتل وبضربة واحدة جندياً عائداً لتوه من خدمته الليلة المفروضة عليه والتي تقول بلزوم قيامه بحراسة مبنى يقطنه حراس شخصيون لسعادة وزير الطاقة البديلة. هو لا يكترث – القرص الوردي أقصد- بتبعات ما يخلفه سيره وواثقاً على الشارع. القرص الوردي ذاته من لم يهتم ولا لمرة واحدة بعناوين الصحف الرئيسية ولا بخبر زيارة السيد الرئيس لمصلحة السجون صباح عيد العمال العالمي. القرص الوردي لا يكترث للسياسة ولا لأخبار الطقس ولا حتى لخبر انتحار الشاب ويليم (18 عاماً) من ولاية فيرجينيا الأميركية احتجاجاً على إعدام صدام حسين. كما واحتجاجاً على عبارة “صدام حسين أشهر كبش عيد أضحى في التاريخ” التي وردت على موقع (every screen) الالكتروني.

(6)
القرص الوردي الصغير والمثبت على تكويرة يعرف تماماً وجهته. يعرف أن السير وبإيقاعات ثابتة صعود. أن العطر تذكرة دخول للعدم. أن النسيان جزء من الحياة. أن الذكريات عامل رئيسي في الإصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين. القرص الوردي يعرف مهامه تماماً وأن كل ما قيل قد قيل سابقاً. وأن الحكاية ليست سوى تكرار وأن الأمر لا يعدو عن كونه مربعاً في شريط كوداك تعرض للتلف بسبب الرطوبة وسوء التخزين. أن الحكاية ليست سوى فيلماً بالأبيض والأسود يعاد تكرار بثه على قناة الأفلام منذ عشرين عاماً بلا ملل وبلا توقف.

(5)
< “ولماذا، الآن وهنا كل هذي العاطفة العاصفة؟” قلت…
– «ربما من كثرة الشوق.
وربما من كثرة الوجع الهاجع في قلبي!!» قالت.
[email protected]