تهافت التهافت* – عباس بيضون

تهافت التهافت* – عباس بيضون

لا اظن أن كثيرين وخاصة داخل سوريا يهولهم ان يرجع انور البني الى السجن لخمسة اعوام جديدة، بعد الاعوام الطويلة التي سبق له ان امضاها فيه. التهمة التي اقتضت اعادته الى الزنزانة من تلك التهم التي يستعصي نقاشها، وبقدر ما يستحيل تعيينها يستحيل دحضها، المسّ بسمعة البلاد.. مسألة تخص الشرف وتخص الولاء وتخص البيت والعشيرة فلا سبيل الى التهوين منها، وخاصة في ثقافة تستعيض عن الحرية والخبز والكرامة والحقوق الإنسانية بهذا الصنم العائلي الذي اسمه البلاد. البلاد شأن البيت في تقاليدنا لا يصحّ أن يُحرج سمعته او ان ينكشف ستره او ان تفتضح أسراره وان يباح لغريب ولآخر من غير المحارم. سمعة البلاد كسمعة البيت تجرح لأقل نقد واقل تشهير وخاصة امام الاجنبي، فلا يصح ان يقال للاجنبي ان الحكم مستبد، او ان الحكومة فاسدة او ان الشعب جائع، لا يصح فهذا يكشف سترنا امام الاجانب وكلهم بالطبع طامع وعدو، لكن المصيبة هي ان الفقر والاستبداد والفساد أمور معلومة مشهورة يراها الغادي والبادي، ويراها المواطن والاجنبي ويعرفها الناس جميعاً فلا سبيل إلى إخفائها. يعرفها الناس جميعاً إلا أن الامانة تقتضي التستر عليها وإنكارها. كل مواطن خفير وإذا كان كل مواطن خفيراً، فإن عليه ان يكذب في سبيل الوطن. قال انور البني أموراً معلومة، لكنه قالها للاجنبي، ولم تدفعه «وطنيته» لان ينكر او ان يموه فأساء بذلك الى سمعة البلاد، وهي في الاساس هشة عطوب، جروح بالطبع ولا تحتمل مساً.
قال انور البني امام الاجنبي ما يعرفه المواطن والاجنبي، وقال ميشال كيلو امام المواطن والاجنبي ما يعرفانه، وقال عارف دليلة ما لا يجهله سوى الجاهل، قالوا في بلادهم ما ليس سراً على أحد. وقالوا في بلادهم أقل مما يقول، بعض الاميركيين والفرنسيين والالمان واللبنانيين في بلادهم فلا يؤاخذهم احد، ولا يتهمهم بالخروج على الشرف والولاء، فعند هؤلاء ليس للحرية طعم ولا معنى اذا لم يتهم المرء حكومته وسياسيه وأثرياء بلاده، ان لم يتهم شعبه وتاريخه وثقافته برمتها، وعند هؤلاء ليس على المرء ان يعبد بلاده وحاكمه وفريقه الرياضي ومخابراته ليكون ولاؤه أكيداً.
المهم ان حكاية الولاء هذه تجري على الشعب، وأنها وإن خلت من كل معنى الا انها لدى الاغلبية صنم معبود، وليس يهم هذه الاغلبية ان يزج المثقفون بتهم من هذا النوع اذا قيل فيهم انهم كشفوا امام الاجنبي معايب شائعة، فالاجنبي هو الاجنبي وعلينا ان نموه امامه ونتستر ونراعي وننكر، اما اذا كان هذا الفصل مضحكاً واذا كان الكذب القومي صعباً ومستحيلاً، واذا كان الستر في عالم غدا قرية عالمية أكثر افتضاحاً من الكشف وأسوأ عاقبة. اذا كان الامر كذلك فهو لا يغيّر حرفاً في إجماع العشيرة وفي تواطئها.
ليسوا كثيرين الذين يهولهم ان يعود انور البني الى السجن، ولا إن سجن ميشال كيلو واقترب عارف دليلة من سنواته العشر، فالسر الذي يراعيه الجميع، ومعهم السجناء، هو تهافت الأغلبية وبؤس إجماعها.

* عن “السفير”