التعريفات.. الأنموذج المثالي – ابوبكر السقاف

التعريفات.. الأنموذج المثالي – ابوبكر السقاف

مركب نظري من نسق مفهومات، يصور مساراً، أو لحظة أو رابطة في الواقع الاجتماعي، كما يتصوره الوعي الفردي، ويبدو له متسقاً كعقلانية لا تتسم بالتناقض.
والهدف الذي يتوخى الوصول إليه، أنموذج منطقي خالص من ناحية، وهو أيضاً من ناحية أخرى معيار يقاس به ما ينجز في عالم الواقع التجريبي. وهو تصور صاغه ماكس فيبر، وقد حدد بذلك فكرة الفيلسوف ريكرت، التي مفادها أن القضايا التاريخية (العلم عن الثقافة) إنما تصاغ وفقاً لمبدأ النسبة الى القيم، أي أنها لا تقبل التعميم، مثل قضايا «العلم عن الطبيعة». ويرى فيبر أن تناقض الواقع والأنموذج المثالي، هو المكان الذي يجب ان نبحث فيه عن تأثير أسباب إمبيريقية، وذلك يتطلب بحثاً علمياً اجتماعياً. ويؤكد فيبر على أن الأنموذج المثالي، لا يقدم أي معارف عن الوقائع، ولا عن إعادة إنتاجها، فهو ليس إلا وسيلة  منهجية، تساعد على فهم الواقع أثناء فحص إمبيريقي، لأسباب عينية في مجال من المجالات الاجتماعية. ويقوم الأنموذج المثالي بهذا الدور لأنه لا يعكس الواقع، بل ولأنه يختلف عنه اختلافاً جذرياً، ويقدم نفسه باعتباره مختلفاً عنه من حيث المبدأ، فهو يقع في بعد آخر: بُعد اللاوجود. إنه مركب أو بنية نظرية يصوغها الخيال، مثل اليوتوبيا، وبإطلاق فكرة ما أو مبدأ إلى نهاية التعبير الكامل عن مكوناته، وذلك بتركيب عدة أفكار أو مبادئ في «تصور واحد»، يكون متسقاً كل الاتساق.
يجيب هذا التصور المثالي عن السؤال: كيف تجري الأحداث، وتتبلور الوقائع لو أنها استجابت للمعيار أو القاعدة، وفي اتساقهما، أي دون تناقض؟ ويرى فيبر أننا إذ ندرس هذا المسار، لا ندرك درجة انحراف الواقع  عن الممكن، والكائن عن الواجب، بل والأسباب التي أدت إلى هذا الإنحراف في الحياة الواقعية. والأنموذج المثالي بما هو يوتوبيا لا يمكن النظر إليه كفرضية، لأنه لا يمكن إثباته ولا نفيه، ولا يقبل الإقرار أو النقض بوساطة التجريب أو البحث الإمبيريقي، إنه يشير إلى اتجاه صوغ الفرضية، فهو «فرضية الفروض». وأنه في الوقت نفسه لما كان على علاقة ما بالبحث الإمبيريقي كعامل مساعد في سياق المعرفة، فإنه يربط المعايير القيمية، والإمبيريقية، في المجالات الثقافية. وما كان للمعرفة الإمبيريقية أن تجد طريقها إلى التطبيق لو لم يكن بين يديها ترسانة من  الأنموذجات المثالية المتنوعة، وهي ترسانة يزداد تنوعها بأنساق ومنظومات عقيدية همها بلوغ أهداف عملية ومعيارية، مثل نظرية الحق (الحقوق)، الاقتصاد النظري…إلخ. وترتبط في بنية الأنموذج المثالي، قضايا معيارية ومنطقية، وهو يلقي ضوءاً على الوقائع الإمبيريقية التي تبدو محايدة، وينسبها إلى عالم القيم. ويحذر فيبر، من افتراض أن الأنموذج المثالي هو الحقيقي أو الصواب، فذلك خلط «النظرية والتاريخ»، وله عواقب وخيمة نظرياً وعملياً.
والأنموذج المثالي من المحاولات المبكرة، لصوغ منهج يدرس الظواهر الاجتماعية في الغرب.