نافذة.. الاستحمار في عنف تكرار – منصور هائل

نافذة.. الاستحمار في عنف تكرار – منصور هائل

رغم قناعتي بأن “المثقف” ينطوي على مصيبة وينطق بلسانها، خاصة عندما يحظى بقسط من الاستهتار والذي يسمح له بأن يغدو خبيراً في كل شيء، من هندسة الاتصالات إلى الهندسة الوراثية، ومن تخصيب اليورانيوم إلى قضايا العرب والبوسنة والخصخصة والحداثة وما بعد الخباثة و…الخ.
ورغم معرفتي بأن القدرة على التحدث في كل شيء دون تواضع ومعرفة، صارت هواية يمكن أن يستدل بها – غالباً – لتعريف “المثقفين” في بلادنا، خاصة أن هؤلاء يتنطحون لممارسة هذه الهواية بحماسة فائقة، قد أفضى، وما زال، إلى نتائج مدمرة تجلت خطورتها في الحياة العملية بتغذية شروط الاستبداد والفساد.
نعم، برغم ذلك كله فإني سأتجرأ على الخوض في موضوع الاستثمار، وأنا لست من الضالعين والمختصين فيه، ولكني لم أقو على مغالبة إلحاح اقتراح حدث الساعة وحديثها، ومسايرة “الإجماع”!
وسوف أقدم على هذه الفعلة وكلي استعداد لتحمل نصيبي من المساهمة في تزويق الخراب وتنميقه. ولن أكتم القارئ أن فضولي ما كان له أن يستثار لمطاولة موضوع الاستثمار إلا بسبب من اعتقادي بأن الحديث عن استكشاف فرص الاستثمار ينتمي إلى ضرب من الفنتازيا المعززة بالأرقام، بمخاتلة يمكن أن توحي بصلة ما يحدث بالخيال العلمي، دون أن تنفي واقع أن هذا الذي يحدث وشيج الصلة بالخيال الذي يعمي بعد أن يدوش ويعطب أسماع من كانت عقولهم في آذانهم.
وسواء قُدّرت قيمة الفرص الاستثمارية المستشفة ببضع مليارات من الريالات أو الدولارات، فإن مربط الخيل (ليس بالضرورة خيل المؤتمر) يكمن في توافر البيئة الاستثمارية الحاضنة والجاذبة والمحفزة للاستثمار، كما يكمن في إدراك “صناع القرار” أن الخدمة الأولى التي يتوجب على الحكومة أن تقدمها لمواطنيها، في عالم اليوم، هي توفير بيئة جذابة للشركات والمستثمرين الإقليميين الدوليين.
وبهذا المعنى فإن انعدام البيئة المؤهلة لاستقبال الإستثمار على خلفية غياب الحكم الصالح والحكومة الرشيدة، يجعل من الحديث عن الاستثمار محض افتراء وهراء وزعيق إعلامي تنكره الشواهد المتزاحمة، لتقطع بغياب الأمن والاستقرار، وتفاقم عوامل الطرد للتجارة والمستثمرين في الداخل ومعهم المستهلكين، واتساع نطاق انتشار الحرائق والحروب على “البُقَع” وفي منافذ صنعاء وساحاتها كما في غيرها من مدن وأرجاء البلاد، واستمرار الحرب في صعدة، وسماكة عوامل الانفجار والإضراب في أكثر من منطقة وعلى أكثر من صعيد، على نحو يفيد بأن مطر المليارات لن ينهمر على اليمن، وأن المستثمر الأجنبي أذكى من أن يُستحمر، مع الاعتذار للحمار، ويقدم على الانتحار، وأن مغامرته بالمشاركة في مؤتمر فرص الاستثمار كانت بمثابة إعلان حسن نوايا ليس أكثر، أو عبارة عن إفشاء لنداء مضمر: أقيموا دولة المؤسسات والقانون والقضاء المستقل، وحرية الصحافة، ومناخات الاستقرار والأمان، وسوف يتحول وعد المليارات إلى رعد ومطر.
[email protected]