أظافر من نحا س أو رشيد الحريبي* – أحمد زين

أظافر من نحا س أو رشيد الحريبي* – أحمد زين

بالخفة ذاتها، لطائر تصطفق جناحاه عاليا في سماءات صافية، كان ينهال على مسامعهم، خلال الفسحة الصغيرة، لصق نهايات الباب، أو يبرده الهواء في ثقب المفتاح، ذي السنون الدقيقة، يترنحون قليلا، كأنما عنيفا يرتطم بهم، فيتهاوون وئيدا، نافرة نظراتهم من حدقات هالعة. وقع الخطوات، تحدثها أقدام تحث مشيا، إلى غايات غائمة فوق أرصفة مجهولة، تغمرها أثقال لغبار وكراتين وأوراق وأشياء متسخة، يرتبك، فتسكت الأرجل. كما لو انه كاتم، يقضم صوت الخطى. بطيئا يتخللهم،يصلهم في تموجات هوائية، يقلبها الفراغ تجاههم. الهرهرات، دفيئة، تنفلت من قطيع الكلاب إذ تتلوى متقافزة، عاضة الوبر الناعم
لبعضها،فتقعي هذه ملتذة على أقدامها الخلفية، آن يمسها من بعيد، تنفرط عواء مباغتا ثم تصمت فجأة ودفعة واحدة.فيما هو، وبعد أن تفري طراوة قدميه، بنعلين أزرقين قديمين، شوارع المدينة كاضة أغبره وعري مجانين لاتني المنعطفات
تضيق بهم، لصيقا لحافة البناية إذ عاليا تنمو كل يوم،
تضمدها أخشاب طويلة مثبتة بحدائد نحيلة، نابتة في رأس تقاطع، رويدا يدفع عنه ضجيج الظهيرة، إلي استطالة فوهة لقناة مكشوفة.مثلما كائن يهبط من الأعالي أو يطفر من أسافل ظليمة،ينحني فوق آلته الغريبة، تفصلها عن جسده، قطعة كرتون بكتابات ملتوية،باهمة،وحوائج مصرورة في خرقة معقودة إلى منكبيه. دونما ريش أو أظافر من نحاس كانت أصابعه ليّنة تعابث دخائل تلك الآلة، طويلا ينكفئ بصره، كأنما بنظراته لا بأصابعه ينز ذلك الصوت، جارحا، شائقا. ما أن يسيل هنيهة تجاه الأرض، حتى تحفه أجنحة صغيرة، تطيّره بعيدا في ظلال خفيفة، لظلام يتدافع رويدا،
من جهات عديدة. يحوّم الصوت، تخفضه الأجنحة آنا وتعليه حينا، إذ تتخافق به، حتى لايصطدم بزاوية بناية، أو في صلابة عمود فولاذي فيهوي متشضيا. مرات قليلة، تكاد تكون نادرة، ينهّض فيها بصره، فقط إذا ماعبره أحدهم ولا تختلج أنفاسه أو تشرقّ خطاه، حال يحزها رهافة الصوت، ويغيب مضمدا عينيه، برموش طويلة متكاثفة، مجهدا أصابعه العابثة أبدا، حين يحتد اصطخاب الأصوات أو التواؤها في مسامعه، إذ يلمسها النغم، تنزفه الآلة تلك، كما لو نذيرا يخضهم،سهما يجرحهم..

* من مجموعة «كمن يهش ظلا»