وداعاً وريقة الحناء.. سؤال المرأة في المحكي الشعبي* (الأخيرة) – أروى عثمان

وداعاً وريقة الحناء.. سؤال المرأة في المحكي الشعبي* (الأخيرة) – أروى عثمان

ثقافة العار:
ربما كانت كلمة ” عاري ” أو ” عارنا ” الأكثر تداولاً ووفرة في مجتمع تعود على الاستئصال، وإخراس الآخر/ المرأة، وما أكثر ما تتردد هذه الكلمة على ألسن الناس العاديين وذوي المقامات والمراتب المختلفة، و حتى ممن يُحسبون على المثقفين فأي حادث تتعرض له المرأة يعتبر عاراً على: الأب، الزوج، الأسرة، العشيرة، الوطن، طبقاً للبنية العقلية والذهنية القبلية والعشائرية، رسمياً وشعبياً، فلو حدث احتراب بين قبيلتين فإن مجرى العرف الكفيل بوقف القتال يتطلب مرور امرأة، وحتى عندما يريدون شيئاً ويكفون قليلاً عن الحرب يأتون بالمرأة في منتصف القريتين، أو القبيلتين المتحاربتين، فحسب الأعراف تتوقف الحرب مؤقتاً.
لأن المرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، فجريمة أن تقتل ضعيفاً أو مريضاً أو ذمياً أو امرأة!
أذكر أنني كتبت أيام حادثة “أدم” قاتل طالبات كلية الطب العامل في المشرحة(14)، فكتبت مقالاً وجهته للرئيس علي عبدالله صالح بعنوان “وماخفي بان”. (وقد قٌُرئ بشكل واسع، ولقيت منه مدحاً يكفيني ألف سنة قادمة) وقد أستلهمت فيه حكاية شعبية، لأصل إلى أن المخفي سيظهر حتماً، وأذكر إنني كررت عبارات سمجة ” احم عارك، أي بناتك، خواتكـ” وتكررت كلمة “عارك ” لدرجة أنني عندما أذكر هذه الألفاظ أشعر بالضحالة.
وتكررت نظرية العار في حادثة شهيرة، قبل أشهر، هي حادثة رئيسة منتدى الإعلاميات اليمنيات الزميلة رحمة حجيرة، حينما تعرضت وزوجها الصحفي الزميل حافظ البكاري للقذف الشنيع من صحيفة ولدت حينها لتلبي غرض القذف، واشتعلت الصحف، ونقابة الصحفيين اليمنيين، والأقلام، نسائية ورجالية، والنسبة الكبيرة من حملة الأقلام الثقافية كانوا يكتبون عن: ” عارنا “، “شرفنا المهدور”، “اليوم برحمة، بكرة بزوجاتنا، وبناتنا “، ” لن نسكت، لن نحيد” أما الألقاب التي أطلقت على المستهدفة فكانت:”العفيفة “، ” الطاهرة “، ” الشريفة ” وجرى الاستشهاد بحوادث من بطون الكتب التاريخية المنسجمة مع الحدث واستنجد البعض بما حصل مع السيدة عائشة زوجة الرسول في حديث الإفك… الخ.
وأصبحنا نحن أدعياء المدنية والحداثة قبائل، وعشائر “الرجوع للأصلـ” ظهر الطوطم، والتابو الذي كان غافياً في المحبرة، وفي غطاء الأقلام فقط، تسربلنا بلغة ما قبل القرون الوسطى، بل ما قبل الجاهلية الأولى “النار ولا العار وكأن ما حدث يطعن في الشخصية والعرض، ويدعو إلى إعلاء شأن العرف والدعوة إلى الثأر بدلاً من تفعيل دور القانون والانتصار لسيادته، وكان ذلك بعض ما برر للسلطة إفراغ القضية من محتواها المتعدي على حرية الرأي والإنسان، وإعادتها إلى بيت طاعة العرف كـ”مشكلة”، فالعرف دستور الدولة الذكوري ذو الحصان الجموح، ولا بد أن تحل القضية حسب العرف السائد تهجير ” الأثوار” الثيران، وعفى الله عما سلف، وكفى المؤمنين شر القتال(15).
خرجت ثقافة العار والشرف من جنبية علي ولد زائد لتثأرمنا مثلما ثأر علي ولد زائد على ابنته في الحكاية الشعبية (بدرة) التي سنستعرض بعض أحداثها فيما بعد.
وأصبحت القضية ومادار حولها مثل خطابة شرحبيل حمير، وقبائل بني قحطان، فقد قام فيهم خطيباً ضد من سمي عمرو ذو الأذعار” وأنه كان يزني ببنات الملوك من حمير، فيؤتى بهن أبكاراً وغير أبكار فكن يشربن معه الخمر وكان ينادمهن على الخمر ويصيب منهن حاجته، وقال الخطيب: يا بني قحطان النساء هن الحمى فدون الحمى سفك الدماء هل جزعتم يسمكم بالنار فالنار ولا العار”(16).
وسواء أدركنا أم لم ندرك، من أوصاف سكبت على الزميلة من أنها” الشريفة “، و”العفيفة ” يؤكد أن هذه الطريقة في الدفاع تصب في المجرى التقليدي الذكوري لحساب إهدار المعنى الأوسع والأنبل لقضية الدفاع عن زميلة تعرضت للتعدي والانتهاك بأقذع الصور وكان المطلوب إحالة المرتكبين إلى القضاء ومحاكمتهم، وليس بتصعيد الأمور وإذكاء نار ثقافة العار والثأر، لإخراس الضوضاء وتوفير المبرر لإخراس الحق، وكأن أصحابه يثيرون الضوضاء، وكان ذلك ما حدث عندما أخُرست القضية بفردة حذاء نسوي قَذفت به امرأة (صحفية) مفخخة بعقلية قبلية ذكورية، أطلقت بما فعلت رصاصة الرحمة على القضية..
ثقافة العار التي نسمع بها نفسها، ونشهدها من أقرب المقربين لنا، فنجد بعض الناس يتحرشون، أو يمارس المجون مع أي امرأة إلا من جيرانه، أو أقربائه، لأنها من عاره، أما بقية النساء فهن حلال عليه، إنه اللحم المباح الذي ليس له عاصم -أي الذي ليس له عار- الذي ليس لديه قبيلة، الذي ليس لديه أصل.. الخ.
وتنسحق الذات/ الأنا لدى المرأة في نظرية العار وتختفي، مثلما اختفى وجودها ككيان، وأصبحت مجرد عار، ملحق بذهنية الرجل، وتحت إبطيه، بل وتحت قدميه، وفي أسفل غمد الجنبية، وثنايا “سماطته”(17).

حكايا البروكست(18)
فرشان: أحدهما طويل، والآخر قصير، الفراش الطويل يفترشه القصير، والفراش القصير يفترشه الطويل، وتبدأ لغة القتل لقاطع الطريق، الذي قد يكون لغة، ثقافة، إنسانا… الخ.
بروكست أو الفراشان ما هما إلا مجتمع ودين بالنسبة للمرأة قاطعان للطريق، والمرأة بطولها، وقصرها، ونحافتها، وغلظتها ستنام على الفراشين لكن بطريقة بروكست.
ويظل التقتيل عل هذا النحو، ولو استطاعت في لحظة منسية أن تتساوى مع الفراش، ستموت، ستقتل تحت أي مبرر، والسؤال العبثي لماذا تساوت مع الفراشين دون إذن من بروكست (النص، اللغة، الثقافة، الكتابة… الخ).
لا تصالح مع المرأة لدى بروكست وفراشه فذهنية القتل حالةُ.
فنجد في معظم الحكايات الشعبية المثل: البروكست يلاحق النساء، ويعبث بحياتهن، الآباء الذين يعاقبون بناتهم، بالموت تارة، وبالطرد تارة أخرى مثل حكاية الرمانتين (الفتاة الصغيرة التي أتت برد لم يكن مثل رد أخواتها الست، فعندما يغدق الأب على بناته الهدايا والحلويات يسألهن من يرزقكن، فكلهن يجبن أنت يا أبي، أما الفتاة الصغيرة، فتقول: الرازق هو الله)، وحكاية “ملح الطعام” أو حكاية “بنت الطلحة صابرة” والملحمة الشعبية الواقعية “الدودحية” التي حدثت في ثلاثينيات القرن المنصرم(19) والحكايات الثلاث التي في طيات هذا البحث “الجرجوف، جليد أبو حمار، صاحبة التويقات”.

واحدية الوهم
عندما تجعلني النصوص أعبد من يقهرني، ويذلني، يعبث بحياتي كملكية خاصة لرجل بخيل – خلقته ثقافة البخل والشح والزكسحت حد التقتير العصابي، فتلك مجاعة الحضارة التي “تستجمع” كل الآخر في (المرأة).
إنها ثقافة تهرولني باسم المقدس لأن أصلي خلف عجيزة سليل المقدس، الخيل والبيداء والسيف والناقة”. وجهي وأنفي يتشممان رائحة أقدامه وغازاته، وعرقه، لتغدق علي عطايا أم المؤمنين، أم ” الملوك، سيدة الناس وذات الحجاب المنيع والستر الرفيع”(20) أم الرجال، وأم العيال، ولا ينسى في غمرة من عطاياه أن يحيك لي ثياب الستر والعفة، وينطقني حروفه، يجعلني أسبح باسمه وترانيمه، أنهل من ثقافته الواحدة القاهرة، التي ألجمت حياتي بقبرين: قبر/ الآخرة، المسبوق بقبر الزوجية القبر الأكبر.
ثقافة المحرم، و “لاءاتها ” شديدة الخصوبة المتغولة في كل زمان ومكان، أوامرها ونواهيها المفخخة يجب أن تتشظى إلى جزئية الجزئيات، لتتلاشى، أن “تكحت”، أن تختفي حروف الحاء (محرم) وحرف الزين (زانية) وحرف العين (عوراء) التي ألصقتها بنا حضارة البخل في إنسانيتها، شديدة العطايا بثكنات المقدس التي تحتفي بهذا الثالوث، وتتناسل من رحمه.

أخزاق اللغة
أتغيا من هذا البحث: النسبية بما هي اختراق كل ثابت وساكن وقفز عليه، أو عجنه كما يعجن المدّار (صانع الفخار) الطين بأقدامه السمراء المتشققة، “أكحتها” كما “تكحت” الأمهات العصيد اليابسة الملتصقة أسفل الدست/ الطنجرة، كما تنخد الخبازة الفطيرة من وجه التنور، ذلك ما أتغياه.
لا وقت لدينا للتنميط، وعرض مفاتن الوعظ، في نسيج المحكي، ذلك النعيم الأبدي الذي يجب أن تتمثله المرأة كونها آتية من رحم الثالوث الآنف الذكر.
فلابد أن تنتهى جنة الوعظ والواعظين، وأضعف الإيمان، أن يشح وتجفف منابعه المستقوية على النص الديني، والإيديولوجيات الاجتماعية والثقافية.
لا وقت لبطولات الرجولة المطلقة، والأنوثة المطلقة، مطلق العبودية يجب أن يختفي، يزاح في هذا الزمن المتشظي، الواحديات والكليات تتفتت، أعتقد أنه انتهى عهد الراسخين في النص، الدائمين في المتن، الساكنين في المركز والمحيط.

لا ثابت في المتن والهامش
“فوق الهامش” يجب أن يجاور الشمس، ويتعلق بأهداب الأفق(21).
وحتى مصطلحات الموضوعية، الحيادية، الوسطية ميزان أرسطو الذهبي.. الخ هذه “البينيات”، و” التوفيقيات ” لمصطلحات الوهم التي تتغذى من نفس شريان المطلقات، والنصية الأحادية، المصطلحات التي تشتعل، ويزبد رغاؤها في المؤتمرات والندوات التي تقوم من أجل المرأة، والتي هي في أغلب الأحيان ضد المرأة، وضد الرجل، لكن ضد المرأة مضاعفاً. فتصبح المرأة في تلك الأجواء ذاتيتين في ذاتية واحدة، وأحياناً ذوات كثيرة يظهر منها على السطح ما ظهر، وينطمرما بطن، بسبب تلك المصطلحات الخارجة من قلب اللغة تصلينا، ونصطلي بها إلى أن نكتب، ونناقش ضد أنفسنا، وضد الإنسان، فالمرأة ” ليس لها مخزون حضاري يساندها”(22).
نريد جرعة صغيرة لأن نتحرر من الشعاراتية في خطابنا ف”الخطاب قوة” كما قال فوكو، وكل من الخطاب والقوة، السلطة تؤنسنان بالمعرفة، حتى نستطيع أن نقول عكس ما قالته الدكتورة آسيا جبار: “لا أستطيع أن أكتب بالعربية لأنها لغة الرجال ولغة السلطة” وحتى لا نكتب بلغة، ونغني، ونصلي بلغة أخرى، مثل آسيا جبار التي تقول: “أكتب بالفرنسية وأحياناً أصلي بالعربية”(23).
سيقول قائل إن المرأة تجد نفسها في كتابة الرواية إذا كانت كاتبة، مثل المرأة خلف الجبال التي تحيا بالحكاية لمساحة البوح التي تجمع في هذا الجنس من الحكي، مساحة الحرية، وإطلاق العنان لأسفل “التختة” لتتسيد النص، وتتسيد الجسد ” بينما أستطاع الفن القصصي، بسبب طبيعته الديمقراطية من ناحية وجدته في الثقافة العربية من ناحية أخرى، أن يمنح المرأة مدخلاً إلى النظام الرمزي، وأن يمكنها من أن تروي قصتها بنفسها بدلاً من رواية الرجلـ”(24).
صحيح هذا الذي يتم الآن فيما تشهده الكتابة في عالمنا العربي المعاصر، حيث تروي المرأة حكايتها، وسيرتها بنفسها، تتحرر عبرها من كل مطلقات الأبوية، والنصية الرسمية والمغمورة، لكنها تقع فيه من حيث لا تدري تصبح ذكورية، بل وأكثر ذكورية، روح المقاومة تحمل راية الخذلان تصبح يوسف، والرداء، والذئب من حيث لا تدري، تصبح ” وريقة الحناء ” والخالة الشريرة في الوقت نفسه، تصبح الدجرة، والجرجوف، وبطلتي الحكايتين اللتين لا تحملان هوية/ الاسم.
شرك شاهق ووعر لا تستطيع أن تتجنبه المرأة الكاتبة التي تعبر عن نفسها، فهي تكتب بلغة، وأدوات ذكورية، نصية، ثابتة، متجمدة ف”اللغة ليست أداة للتعبير عن علاقات القوة بين الجنسين فحسب، ولكنها أداة صياغة هذه العلاقات وبلورة آلية تراتباتها. لأن اللغة هي أداة أساسية من أدوات الهيمنة الرمزية التي تنطوي استخداماتنا لها على أشكال متعددة من العنف الرمزي الذي تتحقق عبره تلك الهيمنة وتمارس فعاليتها في تحديد الهوية الفردية وتصورها لدورها في المجتمع وموقعها فيه”(25).
لعبة الكتابة
هذه اللعبة خطرة
أنا لم أجرب أن أكون شاعرة عمودية
وأنت لم تجرب أن تصبح قصيدة مفتوحة
لكنني لا أعرف ما الذي أكتبه
إلا بعد مضي عمر(26)

أخزاق اللغة.. مرة أخرى
حتى عندما يقال للخروج من دائرة الثبات في اللغة، فيقال إعادة صياغة، إعادة إنتاج، تأويل، تجديد… الخ من هذه التعبيرات والصيغ التي تعج بها ثقافتنا العربية المستكينة، المناهضة للتغيير، والتغير، وما هي إلا أوهام تتشظى للمنتج الواحد في قالب تعبيري شكلي، حتى وإن بدأ يفكك في العمق – كما يبدو – فاللغة، وكل أدواتها هي ذلك الواحد المتحجر بكل حياتنا، فكيف نجدد، ونعيد، ونأول.. الخ والأداة هي الأداة نفسها، اللغة نفسها اللغة، هذا يذكرني بشيئين: بالسلطات القمعية الفاسدة التي تحت سطوة رياح التغيرات، تنادي بالتغير، والديمقراطية والتجديد، بأدوات من الجسد نفسه، من الذهنية نفسها، فتصبح هذه الألفاظ عديمة الجدوى والفائدة، بل هذاراً ثقيلاً جداً.
نفس ما كانت تفعله إحدى الخالات المشهورات بجمالهن في وقت مضى، فقد كانت تتجمل، وتتطيب بأجود المستحضرات والمنتجات آنذاك، فترى الوجه المسبوك، والثياب المزهنقة، لكن لو فتحت منديل رأسها أو “مقرمتها” يتكشف الرأس كمرتع للقمل والأوساخ، أما “شعبكة” الشعر الذي لم يمشط من أشهر، فيحتاج إلى فيالق من الماشطين). وكذلك هو الحال تحت الملابس المزهنقة حيث لا يختلف عن حالة ماتحت “المقرمة”. إنها ذهنية تراكيب أسامينا نفسها التي تحمل نقيضها! الأمين لصاً، والقبيح جميلاً، والصالح فاسداً… الخ.
أعتقد أنه يكفى التشدق بإعادة المنتج، بصياغته، بل لا بد من منتج جديد، بصياغة جديدة، عدا ذلك سنجلس في الرقعة نفسها أو “الخزق” نفسه، المطب نفسه.
لذا نحن مازلنا، ليس فقط نحوم، بل نعوم داخل المنتج الشفاهي، ومنطق اللغة، حتى بعد أن تملكنا أدوات كتابة ليست لنا، وليست منا، وليست لغتنا بقوتها المؤنسة، وغير المؤنسنة، وبأدواتها الناضحة بأحرف الواحدية، والقهرية، فنصبح نساء نقاوم التهميش، ونمارسه كتابة، وسلوكاً، نقاوم ثقافة الذكورة ونكتب لغتها، بل أصبحنا أكثر ذكورية، نعارض الأبوية، ونحن نمارسها، حتى الأمومة نفسها نذكرها من حيث لا ندري.
لعبة المختلف
سألعب معك أمومتي “لأنني لم أكن يوما أماً تامةً”
وستلعب معي رجولتك “لأنك……..”
ثم سنقلب الأدوار
سيتضح لي أنك أم خالصة..
وسيتضح لك أنني رجل من الدرجة الأولى..(27).
ذوات متشظية، مرض لم نصنعه بأنفسنا، أمرضتنا اللغة والتياث أدواتها التي تنخرنا شئنا أم أبينا، وعيناها أم لم نع، فالآخر يصبح ” هو ما لست أنت وهو كوجود فيك، الآخر هو اللغة، فأنت لا تستطيع أن تفكر بنفسك ولنفسك لأنك تفكر بواسطة اللغة، هذه اللغة ليست لغتك، هذا الآخر يشبه الزنزانات المفتوحة، أنت فيها، وتستطيع الخروج، لكنك لا تخرج”(28).
لغة أعلتنا، جعلتنا مجرورات بأحرف علة معوجة، متكسرة، ينخرها السقم، وحتى وإن رفعتنا، ونصبتنا، فلن تخرج عن رقعة الجر والمجرور، السيد والمسود.
والسؤال:
هل سنتمكن في يوم ما أن نتحرر من عبوديتنا وننجز لغة جديدة، لغة إنسانية، لا نريد لغة أنثوية خالصة، ولا لغة ذكورية خالصة، بل لغة أفق تكون لنا ذكوراً وإناثا، إناثا وذكوراً “هويات مستقلة ومختلفة ومتحاورة في آن”(29).

من يجد الإبرة بين التبن
من خلال قراءتي عن المرأة لاحظت الكثيرمن المجندات يتهافتن على نبش كتب التاريخ، والذاكرة، والفقه، والكتب المقدسة، وكل كتب التراث، يبحثن عن لفتة، عن إشارة، عن رأي، عن إيماءة تنصف المرأة، أو تشيد بها، أو امرأة خرجت عن المألوف، وتظل الكتابات ترغي وتسيل، تستنزف الوقت والجهد والعمر، دوران مهلك، ونحن ندب في البحث للتنقيب والتنجيم عن جوانب مشرقة في هذه الذاكرة التي بلا ذاكرة فيما يخص المرأة، فتشحذ هممنا بالتأويل، وننحت في صور ونخرجها من اللازمن لنحاكيها في زمننا، ننبش هنا وهناك، ونكتشف “أنا” مثل الدجاجة التي تنبش لتهيل القاذورات فوق ظهرها.
ولقد رأيت أنه من العبط الاستمرار في إهدار طاقاتنا في التفتيش عن ” شقفة” فعل، لامرأة غير تقليدية، أو امرأة أسندنا إليها ادواراً ووظائف خارج بيئتها آنذاك. إننا بذلك نقوم بالفعل نفسه الذي يقوم به المتزلفون “حماة الإسلام” الذين اتخذوا من عجزهم، وانهياراتنا السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، لنعولم الإسلام، و”نكتلجه” (تكنولوجيا)، و”نؤنتره” بالأنترة الإسلامية(الإنترنت) ليكون إسلامنا هو السباق إلى العلوم والمعارف قبل اكتشافها.
لا بد من تنحية الذاكرة قليلاً، لقد شبعت تنقيباً، و” تنجيثاً”، وتفتيتاً، وقد استهلكت، بل وانتهى زمنها الافتراضي منذ قرون، وبالطبع لن تجود بشيء، أحسن مما نحن عليه.
فلنجعل ذاكرتنا التاريخية تسترخي وتنام أنفع لها ولنا، وإن أمكننا فلنجعلها تحاكي الفن والإبداع، ونبدأ بكتابة امرأة جديدة، وفعل جديد، وكتابة جديدة.
ما تقوم به كثير من الناشطات في مجال المرأة، والكاتبات، أزعم أن معظمه عدمي تهدر فيه أعمارنا وتضيع ونحن نبحث عن إبرة داخل جبال من التبن.
ذاكرتنا التاريخية مثل “حبوب مجذوبـ”(30) علينا أن نهدر قروناً أخرى لنفرز الحبوب المتشابهة، والمتجانسة. فعل كهذا يحتاج إلى ساحرة كالتي تحب وريقة الحناء لتفرز الحبوب المختلطة التي عملتها خالتها “زوجة أبيها” حتى لا تستطيع أن تذهب إلى حفلة ابن السلطان، بل وفي حالة قبول الساحرة، يجب أن نكون قد قمنا بأعمال لصالح الساحرة: أطعمناها من فطورنا، وأخرجنا القمل من رأسها ومشطناها، وأن نقارن بين “الكُنَم” (القمل)، هل يشبه ما في رأس أم وريقة الحناء أم لا.
أنه الممكن الذي لا تقدر عليه إلا الساحرات، وماذا عن عالمنا الذي انتهى منه عهد السحرة.
ما يزعج في الأمر أن نجد كثيراً من الأخوات يقمن بفرز حبوب المجذوب، وهن يعرفن مسبقاً أن الحبوب مسوسة -أي الذاكرة مسوسة.
تذكرني هذه العمليات لدى أخواتنا المشتغلات بنبش الذاكرة، ونفضها؛ للبحث عن حبة في الحقل الفلاني، وحبة أخرى في الوادي الفلاني، وأخرى في رأس الجبل العلاني، فعندما يجدن الحبة المضيئة يصرخن فرحات بصرخة تشبه صرخة أرشيميدس: “وجدتها.. وجدتها” هذه اللقية/الكنز علامة الغياب أو الإغماء الجماعي.

* أجزاء من بحث مقدم لمنح اليونسكو/سوزان مبارك/ الصداقة اليابانية المصرية لتمكين النساء في دراسات السلام وشؤون المرأة – (دورة 2005-2006)

– هوامش ومراجع الفصل الثاني:
(14) حادثة أدم، وهي حكاية شهيرة راح ضحيتها العديد من طالبات كلية الطب، حيث قام المدعو، مع كثير من المتنفذين، بقتل بعض الطالبات في مشرحة كلية الطب، ثم التصرف بجثثهن، وقد كتبت الكاتبة مقالاً بعنوان “وما خفي بان” في صحيفة الوحدوي إبان تلك الحادثة/ الجريمة. 
(15) تهجير الأثوار: تقليد يمني عند القبائل، حيث يقوم المتشاكلون بذبح الثيران، لإحلال السلام والوفاق بينهما.
(16) التيجان في ملوك حمير، لوهب بن منبه، تحقيق ونشر مركز الدراسات والبحوث اليمني. 
(17) الجنبية: الخنجر الذي يتباهى به اليمنيون، ويفاخرون به كعلامة للرجولة، والشرف، والقوة. والسماطة: هي عمامة صغيرة يضعها اليمنيون على رؤؤسهم.
(18) حكاية البروكست : الحكاية والتأويل، عبد الفتاح كليطو ص21 دارتوبقال للنشر الطبعة الأولى. 
(19) الدودحية: حادثة وقعت في أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم في وادي بنا في اليمن، أحبت الفتاة ابن عمها، وحملت سفاحاُ، ثم أصدر بحقها حكم التعزير، وقضى بأن يجولوا (يدردحوا) بها المدن والأرياف، فيرجمها الناس، حتى تكون عبرة. 
(20) المرأة اليمنية في الدراسات الغربية ص92 المعهد الأمريكي للدرسات اليمنية، ترجمة أحمد جراجات، مراجعة وتحرير : لوسين تامينيان.
(21) أروى عثمان، عمود “فوق الهامش” صحيفة الثقافية. 
(22) هدى الصدة، المرأة وسلطة الكلمة، بلا رقم عن أبحاث المرأة العربية في مواجهة العصر، دار المرأة العربية – نور. 
(23) آسيا جبار، أخبار الأدب العدد 626 ترجمة عن لوفيجارو 10/7/2005.
(24) صبري حافظ، ورقة عمل بعنوان “صورة الرجل في روايات المرأة العربية” ص213 عن أبحاث المرأة العربية في مواجهة العصر، دار المرأة العربية – نور.
(25) صبري حافظ نفس المصدر ص212.
(26) نبيلة الزبير، شاعرة من اليمن. 
(27) المصدر نفسه.
(28) خالد آغه، اللغة السيرة المفتوحة للنصوص المغلقة، الجزء الأول 1980.
(29) المرأة العربية في مواجهة العصر ص216.
(30) المجذوب: هو الرجل الذي يعمل في مقامات/ أضرحة أولياء الله الصالحين، ويؤدي حركات بهلوانية سحرية، كأكل الجمر، والطعن، والمشي على النار، وعندما كان النساء يقمن بالزيارة، كانت كل واحدة تحمل حبوباً مختلفة، وكلها تجمع في كيس واحد، وقيل هذا التعبير للإنسان الذي يخلط كل شيء، ولا يستطيع فرز الأشياء.. 

[email protected]