الجوف محافظة الثارات.. معاقين، يتامى، وأرامل

الجوف محافظة الثارات.. معاقين، يتامى، وأرامل

– الجوف – مبخوت محمد
بقدر من الحظ فإن فاطمة (11 عاماً) لم تمت، قدر لها أن تعيش. لكن من غير المحتمل ان تنسى ذلك اليوم عندما كانت ووالدها في إحدى أسواق مديريتها، «خب» – الجوف، عندما أصابتها رصاصة في ذراعها الأيسر، انطلقت أثناء اشتباك قبيلتين متنازعتين على خلفية ثارات.
اسمها الآن ضمن كشوفات جمعية المعاقين، فعند تلقيها العلاج كسرت ذراعها عن طريق الخطأ تقول فاطمة: «ليس لدينا مشكلة مع أحد». بيد أنها ولدت في محافظة، هي الأكثر قتالاً بسبب الثارات.
فاطمة ليست الوحيدة التي تتحرج أثناء مشاهدة إعاقتها، هناك في جمعية المعاقين، رتل هائل من البشر، لا ذنب لهم سوى وجودهم في اللحظة الخطأ والمكان الخطأ.
يستند (ص. ع)(18 عاماً) على عكاز عند ذهابه إلى المدرسة إضافة إلى رجل صناعية هو في الصف الأول الثانوي، يحكي أنه أصيب بعيار ناري في قدمه اليمنى قبل 12 عاماً بالقرب من منزلهم أثناء عودته من المدرسة إثر اشتباك بالأعيرة النارية بين قبلتين: «لم أتمكن من الهروب». ظل خمسة أشهر يتلقى العلاج ثم قرر الأطباء بتر ساقه من الركبة.
أنت في الجوف: أنت في محافظة الثأر بحكم تركيبتها القبلية، هي المرتبطة دائماً بهذه المشكلة التي يصعب حصر ضحاياها حتى على جهات الاختصاص، المكتفية بتقييد البلاغات فقط، وليس على سبيل الحصر فإن العام 2006 حصدت فيه نزاعات الثأر 87 قتيلاً و 103 جرحى، غالبيته عن طريق الخطأ، وتشريد مئات الأسر منها 34 اسرة شردت في معارك الثأر بين قبيلتي همدان والشولان.
وهما قبيلتان ضمن عشرات قبائل الجوف المرتبطة بمشاكل الثأر ومنها «ذو محمد، وذو حسين وبني نوف، الأشراف، ووائلة».
مظاهر الخراب والدمار والدماء غدت مشاهد مألوفة في المحافظة، الشيخ صالح عبدالله (ذو محمد – برط العنان)، قال: «الثارات أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من الأهالي إلى خارج المحافظة ومنهم إلى خارج الوطن وخلفت الظاهرة أيتاماً وأرامل وضحايا لأبسط الأسباب» وحمَّل الجهل وغياب الأمن مسؤولية ما يحدث، كما وانتقد بعض الأعراف القبلية المؤيدة للأخذ بالثأر.
ووفق مصادر في دار الأيتام فإن عدد الأيتام وصل إلى (426) يتيماً ثلثهم تيتموا جراء مواجهات الثأر.
«علي العمس» المدير التنفيذي لمنظمة السلم الإجتماعي، المنظمة المهتمة بمعالجة قضايا الثأر، قال: «إن عملنا يشمل عدداً من المحافظات التي تنتشر فيها ظاهرة الثأر ونصدر بيانات لوقف القتال كما نقوم بنشر الوعي وتعريف القبائل ومشائخها بأضرار هذه الظاهرة».
وأفاد بأن المنظمة لا تعلم بشأن دور أجهزة الضبط، مؤكداً أن اشتباكات قبلية بالآليات والقذائف الصغيرة تتم بالقرب من المعسكرات، ولكن هذه الجهات لا تتحرك وقال إن هذه النزاعات تطال النساء والأطفال وتدفع إلى تصحر الأراضي الزراعية، مستشهداً بأن العام 2006 شهد رحيل 67 أسرة من المحافظة. وإن حركة التعليم تتوقف أثناء نزاعات الثأر ويضطر الطلاب إلى البقاء في منازلهم، فيما المدرسون يسافرون إلى محافظاتهم ولا يعودون إلا عند استلام رواتبهم.
لكن الأهالي أفادوا لـ«النداء» أنهم لا يعلمون بشأن لجنة معالجة ظاهرة الثأر «ص. ع». أحد المدرسين في مديرية الغيل أفاد أنه أمضى خمسة شهور في محافظة تعز وعند نهاية كل شهر يعود إلى المحافظة لاستلام راتبه؛ فالمدرسة مهجورة منذ عام جراء نزاعات الثأر.
«يحيى احمد» عضو المجلس المحلي لمديرية برط المراشي، قال: «إن نزاعات الثأر مستمرة في المديرية بشكل يومي وأن الحلول التي تبذل ليست مثمرة إنها اشبه بالمهد». مشيراً إلى أن غياب المشاريع التنموية في المديرية أسهم في بقاء السلاح بين الأهالي والتمسك بالأعراف القبلية وتحديداً تلك التي تؤيد الأخذ بالثأر، خصوصاً أن الاجهزة الضبطية والقضائية لا تعمل بشكل جيد.
أما الأمين العام لمديرية الحزم فأعاد استمرار نزاعات الثار إلى انتشار البطالة والفقر بين الشباب وتسربهم من المدارس وغياب الأمن والقضاء، إضافة إلى عدم وجود تواصل بين اللجان ذات العلاقة بقضايا الثأر، والمجالس المحلية. وقال: «هذه اللجان لم تقدم شيئاً ولم نسمع عنها حتى في وسائل الإعلام».
ويشكو عبد الصمد محمد، أحد مدرسي مدرسة الحصن من استمرار سقوط القذائف بجوار المدرسة، مبيناً أن «جزءاً من المدرسة دمر جرَّاء سقوط القذائف في الصيف الماضي. وغادر السكان من المنطقة ولم نقدر نخرج من المدرسة إلا بصعوبة وانتقلنا إلى المدينة حتى هدأت المواجهات بين قبائل همدان وشولان».
قتلي ومصابون ودمار ونزوح، مشاهد تواصل حضورها منذ سنوات في محافظة الجوف، وأيتام يومياً يتم ضمهم إلى رفاقهم، وأرامل؛ إنها صورة مأساوية.
الأرملة « ج. أ»(52 عاماً) تعول منذ خمس سنوات 12 فرداً منذ قتل زوجها على مقربة من منزله أثناء عودته من مهمة عمل تقول: «لم يكن يعلم (زوجها) بأن حرباً اشتعلت بين قبيلته وقبيلة أخرى، عندما كان غائباً خارج المحافظة، وأني لم استطيع إبلاغه لأخذ حذره».
فعند عودته قتل في كمين نصبه أبناء القبيلة الأخرى لإبن عمه ولكنهم اكتفوا به.
هي تقوم الآن مقام الأب والأم وتأمل أن يكمل أبناؤها تعليمهم، لكنها خائفة على ولديها الكبيرين (شابان) واللذين بدآ يفكران بأخذ الثأر لوالدهم المقتول.