في هجاء الإحتياج لمناضل، وربما في وصف الإحتياج له!! – ماجد المذحجي

في هجاء الإحتياج لمناضل، وربما في وصف الإحتياج له!! – ماجد المذحجي

لفترة طويلة نسبياً من حياتي الشخصية، استهلكني تضخم نموذج المناضل، وتلك المجموعة المتناظرة من التوصيفات، والإحالات، التي تستمد حضورها من قيمته البلاغية المتعالية، ومن تمدده الصوتي، والتي تجد تكثيفاً لها بشكل ما في كلمات مثل: الثوري، والمتمرد، والبطل، والرمز (الوطني، أو القومي، أو الديني، أو الأُممي). بكل الشغف الذي تثيره مُطلقات ” رومانسية ” حرضها هذا النموذج لديّ، واستولى بها على تقيمي النظري للأشياء، وطبيعة انفعالي بها. مُعزِّزاً بشكل حاد، تعاطفاً مسبقاً، وتلقائياً، مع كل ما ينتمي لحقل هذه القيمة ” النضالية “، من مفردات، وأفكار، ومواقف، وتجارب!. وهو تعاطف ينشط بشكل أساسي – وشبه دائم – على حساب الفعالية النقدية للفرد، ويُفرمل أي انتباه، أو تفكير مُستقل، ومتخفف من ثقله؟!.
تغذى هذا النموذج في تجربتي الشخصية -وبشكل ما لدى تجارب الكثيرين، ممن نتشارك في ذات حقول الاهتمام والرغبات- على احتياجي الصامت لتفصيلين: الفرد الايجابي المُبادر تجاه الواقع، وغير المستسلم لرداءته، والملتزم بالسعي لتغييره. وتطابق هذا الفرد مع قيم: الوطنية، والشرف، والنزاهة، والإنكار للذات!. وهما تفصيلان ينتميان بشكل كبير، إلى المآثر القصصية المتواترة، عن الأبطال التاريخين للذاكرة الجماعية، التي يتم سردها، وتثبيتها في وعي الأفراد، عبر مرويات، تاريخية، ودينية، وشعبية، ورسمية متكررة، تم التعاقد على صوابها وحقيقتها، وتم الإجماع القطعي على ضرورتها، وأهمية تعميمها، لتتحول إلى قيمه مرجعية لهم، رغم تعاليها عن واقعهم!. بالإضافة إلى تغذي هذا المناضل على ما أسلفت. اتسعت دائرة التخييل، والتعاطف الشخصية، التي تحمي قيمة هذا المناضل، و” تُزينه ” بالنسبة لي، بالإتصال النظري والشخصي مع تجربة اليسار، والتصاقها الحميم بفكرة الثورة، ونموذج التضحية، والتمرد على القيم المحافظة. وتعزيز اليسار لقيمته النظرية، برأسمال رمزي مهم، صاغه بشكل أساسي ” مناضلون ” مسلحون، دفعوا ” دمهم ” لتأكيد هذه الرمزية، ويبدو أبرزهم هنا، وأكثرهم إلحاحاً كنموذج لذلك “جيفارا”. ولكن بالطبع لا يمكن تجاوز مناضلين ” مدنيين “، لم يستخدموا ” البندقية “، ولكنهم ” بذلوا ” الدم، مثل فرج الله الحلو، والمهدي بن بركة، ومحجوب. بالإضافة إلى تميز جملة ” اليسار ” النضالية بأنها غير عنيفة كلياً، أو مستنده بالخالص إلى تعبيرات القوة، حيث عُمم عن اليسار كثيراً فكرة كونه حاضناً للتعبيرات الثقافية ” النخبوية “، ذات الطابع المغامر والمتمرد على القوالب والصيغ السائده. وهذا شأن كان يؤكد عليه، بالإنتماء الكثيف من المثقفين، والفنانين، والمبدعين من كل المستويات له: (مارسيل خليفة، سميح شقير، احمد قعبور، مظفر النواب، صادق جلال العظم، الطيب تيزيني، حسين مروة، مهدي عامل، محمود أمين العالم، سمير أمين، الشيخ إمام، احمد فؤاد نجم، صنع الله إبراهيم، قاسم حداد، فالح عبد الجبار، أميل حبيبي، سعدالله ونوس… الخ). وهو شأن رتب تصور شائع بشكل ما – وفي العالم العربي تحديداً – عن ضرورة كون المثقف يسارياً!. أو أن يكون انتمى لخيارات اليسار، وموقفه السياسي، و الإجتماعي، والثقافي لفترة من حياته؟!. ويحضر هذا الانطباع بشكل ملح، حين يتم تلقي مثقف ذو نبرة اعتراضية واضحة، نافره عن الإجماعات العامه، والسلطوية، ومسكونة بمطلبية تغيرية، حتى وإن كانت غير واقعية في بعض الأحيان، او في الأغلب منها!. حيث يتبادر الشك مباشرة لدى الكثيرين بأنه ذو خلفية، أو هوى يساري؟. وان كان المثقف ذو المزاج الليبرالي حالياً، الذي لم يشكل ارثاً سابقاً في الذاكرة الجماعية، بدأ يُزاحم ” اليساري ” في هذا التوقع، ويفكك احتكاره لهذا الموقف النقدي من المجتمع، والأفكار، والسياسة. رغم أن أي اقتران قد يحصل بين أي مُثقف والانتماء النظري لليبرالية، ومايستدعيه ذلك الإنتماء من تمايز في المواقف، وطبيعة الرأي في الأحداث، عن ماهو مُعتاد، يخفض من قيمته بالنسبة للطبقة السياسية والثقافية، التي يحتكرها اليساريون، والقوميون، والاسلاميون. وبشكل اقل بالنسبة للعموم. بل و يُشكل مُبرراً مُلحاً في بعض الاحيان – في حال الاختلاف حول الاولويات الوطنية مع ” المثقف الليبرالي ” – لاتهامه ب ” العماله “، والتواطؤ مع ” الاستعمار ” و” الامبريالية “؟!، بشكل تعميمي فاسد، مبني على الذعر الأعمى والمرضي من ” الغرب “.
ومما ساهم في تعزيز ” وصالي ” الحميم مع نموذج المناضل، وأفكار الثورة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وغيرها. أنني انتمي إلى آخر جيل على علاقة – ولو كانت واهنة، ومليئة في بعض مستوياتها بالإرتياب – مع حقب المشاريع الكلية، والنظريات الكبرى والجماعية، والنضال الثوري، والتضامن الأممي بين ” المستضعفين “، التي استولت على ثلاثة أرباع القرن الماضي. رغم أننا بالطبع، نعتبر ضمن الحاضرين على أنقاضها تماماً، بالمعنى الحقيقي والزمني، حيث كنا شهود عيان على تفكك الاتحاد السوفيتي، وانهيار المعسكر الشرقي ومنظومته الاشتراكية، وعلى أفكار صادمة مثل ” نهاية التاريخ “، وتزعز نموذج الدولة القومية، وتلاشي حدودها، ورأينا الحضور الاجنبي المسلح والكثيف في المنطقة العربية، في حرب الخليج الثانية 1991م، وفي السنوات التالية لها، بشكل مُعلن لأول مرة، منذ نهاية حقبة الغستقلال في عقد الستينات، و، و، و.. الخ!. إلا أن حضوره الرمزي (أي المناضل) كان مازال فاعلاً في الكثير من التفاصيل على المستوى النفسي واليومي. حيث كنا قريبين من التجربة الشخصية المباشرة – ذات البعد النضالي، بحسها الإعتراضي والبلاغي والرومانسي العالي – لجيلين، أو ثلاثة أجيال سبقونا، وتفاعلوا مع هذه المشاريع والنظريات بحدة. بكل ما يتركه ضغط هذه التجربة من إرث عاطفي، وذكريات متباينة عنها، ومواقف سلبية وإيجابية. وبنموذجهم الشخصي والنفسي الملفت، والمتغاير عن قياس اجتماعي موحد لنموذج الفرد، وبتباينات محدودة فيه!. وطبعاً، بكل الإغراء ” النضالي ” المحبب فيه لنا، خصوصاً في فترة المراهقة المليئة بالاندفاع، والمشدوهة أمام فكرة المغامرة، والإعتراض على المجتمع، والأسرة، والتدين، والتربية المحافظة. وهو الشأن الذي ضغط بشكل كبير على تصورنا ” الذهني ” للفرد الذي نريد أن نكونه. وساهم أيضاً، وبشكل كبير، في صياغة موقفنا من العالم، ونمط تفكيرنا، وأشكال استجاباتنا، وطبيعة المفاضلات والإختيارات التي كنا نجريها. ورتب لاحقاً انتماء سياسياً – عاطفياً وليس تنظيمياً، فلم نمتلك الجرأة على ذلك في أول الأمر، نتيجة العديد من العوامل الأسرية والعامة! – محكوماً بضرورة الانتماء للحزب الأكثر ” ازدحاماً ” بالمناضلين، والذي يسوق نفسه بشكل غير مُعلن اعتماداً على هذا الرأسمال المغري لفكرة النضال، والذي يحتكر الحق فيه، وفي قيمته الأخلاقية في المجال الرمزي، والمجال السياسي (يُمكن استحضار الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، كأبرز فاعلين يتنافسان على استثمار النضال، وأدبياته، ورمزيته في المجال العام،استناداً إلى تجربتهم ” التاريخية ” في العمل السياسي، والأيديولوجي، والثقافي، ضمن نشاطهم في مواجهة السلطة في شمال اليمن قبل الوحدة -بالطبع ليس الحزب الاشتراكي بمجمله، بل تحديداً الامتدادات التنظيمية السرية منه في الشمال- والتي تضمنت تعميداً للنضالية بضريبة الدم. (وهي ضريبة شديدة الفعالية في تعزيز قيمة نضالهم، وتأكيد مصداقيته).
هذا الانتماء العاطفي للسياسي، وغير الملتزم تنظيمياً في الكثير من الأحيان، كان في أحد مستوياته رغبة في الانتماء لأب أيديولوجي خيّر، وإيجابي، ومتعاطف مع نزقنا وتمردنا، يُحرر الفرد ” المراهق ” الذي كنا، من ” كراهيته ” للأب البيولوجي، المحافظ والمهزوم في تجربته السياسية أو الحياتية، والذي قمع نزقنا واعتراضاتنا، سواء بالرعب الذي يحمله من السياسة، أم لتفضيلات براجماتيه دائمة الإلحاح عليه، وطويلة الأمد، ربما يُفسد هذا النزق، والتمرد غير ” العاقل ” حدوثها، وبالتالي التكسب منها؟!. ولهذا سيصبح نموذج الأب الإيديولوجي ” المناضل ” في الحزب، ذلك الأب الذي لم ترعبه السياسة، أو تهزمه ضريبتها الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية – في مستوى ما فقط لم تُرعبه، وليس بشكل مُطلق، فمامن فرد في هذا المجتمع لم يُصبه شيء من الذعر، ويُفسد اطمئنانه، بسبب المطرقه الأمنيه المتوحشه، التي هشمت الصيغة الوطنية في الجنوب والشمال، خصوصاً في عقدي السبعينات والثمانينات – والذي كنا مأسورين بنموذجه. هو تعويض عن الأب البيولوجي الذي حاصر شغبنا، وحيويتنا، وحرس علاقتنا معه بحذره، وتقريعه القاسي المتواصل. كما أن إعادة إنتاجه للمؤسسة والفرد الأمني اللذين قمعاه، والتسلط الاجتماعي المحافظ الذي حاصره سابقاً، وأفسدا تطلعاته حينها، واحتكاره القطعي أيضاً لفكرة الصواب، وهو الإحتكار المحمي في جزء منه بالتأديب والقمع النفسي المتكرر في مواجهتنا، خربت علاقتنا معه، وعززت ذعرنا منه، ونفورنا من تقييماته، وعواطفه في بعض الأحيان!.
كان الأب البيولوجي أباً مُنفراً ومتسلطاً (بالنسبة لتلك المرحلة من المراهقة)، استعار الكثير من الأدوات القمعية للسلطة في إطار ما يظنها التربية الأسلم لنا، وتناغم بذلك مع كل ما كنا نظنه سلبياً، او هو كذلك بالفعل سلبي، ولم يستطع في الكثير من الأحيان تفهم احتياجاتنا البسيطه، أو الإنصات لها، كان مسكوناً بالصرامه، وبضرورة أن نتخلص من ” سذاجتنا “، و” بلاهتنا “، وهو شأن سحقنا بالمعنى النفسي، وجعلنا هشين وضعفاء، مُربكين أمام الحياة، وخائفين منها، وهو أمر على نحو ما، وخارج إرادة هذا الاب البيولوجي، عزز من ولعنا بفكرة المناضل، واحتياجنا لها، لترميم ضعفنا بها، وتجاوز الواقع المحاصرين بإحساسنا بالهشاشة أمامه، نحو ذلك الرمز المطلق و ” السوبر ” الذي يُمثله المناضل والثوري!
[email protected]