السجن الكبير – محمد الغباري

السجن الكبير – محمد الغباري

بإصرار عجيب يواصل الزميل علي الضبيبي نضاله مع نزلاء السجن المركزي وقضاياهم بوتيرة مشابهة لمسار تتبعه قضية عمالة الأطفال.
ومع ندرة الجهد الصحفي الميداني في الصحافة المحلية فإن تحويل قضية المعسرين إلى قضية رأى عام وتشكيل هيئة للدفاع عن قضاياهم أمام تراخي الجهات المعنية انجاز مثير للإعجاب، إلا أن الإحباط ما زال سيد الموقف عندما لا يتمكن الزميل من تحقيق أمنيته بالإفراج عن عبده شوعي الذي يقبع في السجن منذ سبعة عشر عاماً. وقصة هذا الرجل تعود إلى بداية التسعينيات حيث أدين بتهمة التقطع، مع أن الشيخ الذي كان وراء هذه التهمة قد فارق الدينا منذ عدة سنوات، لكن النيابة تطالب منه دفع تعويض ومضبوطات لم ينص عليها الحكم.
أن تكون داخل سجن كبير كما هو الحال مع هذه البلاد التي لا تجد فيها غالبية عظمى من الناس ما يحتاجون إليه من الغذاء والدواء يصبح الحديث عن السجن الصغير أقل مأساة مما هو لدى البلدان الأخرى، لكن أن يفقد شوعي زوجته، وأن يحرم من رؤية أبنائه بسبب الفقر المدقع الذي تعيشه الأسرة وعدم قدرتها على تحمل نفقات السفر إلى صنعاء، فإن ذلك يبرز حجم المأساة وغياب العدالة وبشاعة المجتمع بأسره.
صدر في حق الرجل حكم إبتدائي ورُفض طلبه للاستئناف. ووكيل نيابة السجن الذي يعيش تفاصيل المأساة لا يمتلك حق انصاف آدمية شوعي، الذي ألف حياة السجن، بات يتلذذ بخدمة السجناء لتعويض حرمانه من حقه في الحياة مع عائلته.
وإذا كانت حالة شوعي هي تعبير صارخ عن حجم الظلم والمعاناة التي يتعرض لها الإنسان في هذه البلاد، فإن عشرات آخرين رُمي بهم خلف ذلك السور المرعب بسبب عجزهم عن تسديد مبالغ مالية حكم بها عليهم، بعضها لا يزيد عن مائة ألف، ومع ذلك فقد أمضوا في السجن أكثر من سنتين.
احدهم ألزم بإعادة مسدس ومبلغ أربعين ألف ريال وحكم عليه بالسجن ثلاث أشهر، وحتى الآن امضى في السجن عاماً ونصف، فلا هو خرج منه ليعمل ويعيد ما عليه، ولا كفته العقوبة شر تدمير حياته وأطفاله.
آخر أمضى في السجن أحد عشر عاماً بعد أن أدين بمبلغ أقل من مليون ريال، واليوم لم تكتف النيابة بهذه المدة ولا تحملت الخزينة العامة مسؤولية سداد ما عليه حتى يعود لممارسة حياته الطبيعية، وبات الآن يقف على أعتابٍ محطة الانتقال إلى عالم آخر أكثر حرية.
ضحايا غياب العدالة والفساد بالآلاف والإنغماس في القضايا السياسية جعل هؤلاء على هامش الإهتمامات مثلهم مثل قضايا التعليم والصحة والفقر والبطالة.
خلال الأشهر الخمسة الماضية تمكنت «النداء» من تحقيق نجاحات هامة في تبني قضايا السجناء، وهي مستمرة في إبراز معانات اللاجئين الصوماليين الذين يتعرضون أيضاً لإنتهاكات وممارسات غير قانونية.
ليس على صديقي إلا المثابرةً.
[email protected]