السكان يجهلون خطورتها والجهات المعنية تتجاهل .. المقيمون قرب خطوط الضغط العالي معرضون لأمراض خطيرة من بينها السرطان

السكان يجهلون خطورتها والجهات المعنية تتجاهل .. المقيمون قرب خطوط الضغط العالي معرضون لأمراض خطيرة من بينها السرطان

– عبدالكريم سلام

إنه أمر مثير للدهشة عندما يطالعك منظر لجماعة من المزارعين، شباباً وشيوخاً وأطفالاً ونساء بعضهن حوامل، كلهم مطمئنون لجلوسهم تحت برج من أبراج الضغط الكهربائي العالي، التي تمر وسط المزارع والحقول، دون أن يفطنوا إلى مخاطرها على صحتهم.
في كثير من القرى وحقولها تحولت تلك الأبراج إلى خيم أو “دُشَم” حراسة بلف أركارنها الأربعة وسقفها بطرابيل وتحولت إلى اماكن إقامة دائمة لهؤلاء القرويين الذين لا يدركون من الساعات الطويلة التي يقضونها تحت تلك الأبراج سوى ما يقولون إنها أصوات هادرة تنساب مع التيار الكهربائي الذي يعرفون جيداً أو كما يقال لهم أنه ينتقل عبر تلك الأسلاك. أما خطر التلوث الكهرومغناطيسي الذي يتعرضون له فلا يعلمون عنه شيئا.
يقول عبد الغني الكبسي وهو يشاهد جماعة من الفلاحين والفلاحات يقضون قيلولتهم في قاع جهران تحت أحد الأبراج تحول إلى “دشمة” حراسة: “إنهم لا يدركون المخاطر التي تحيق بهم ولا وزارة ومؤسسة الكهرباء أو حتى وزارة وهيئة البيئة. ليس هناك ما يؤكد انتباههم للمخاطر الصحية التي تتهدد مثل هؤلاء الناس”. ويسترسل الكبسي قائلا: “الكهرباء لدينا تتنصل من مسؤوليتها عن الأضرار التي تلحقها بالأجهزة الكهربائية للمواطنين جراء الإطفاءات والإشعالات المفاجئة المتكررة دونما احترام لمشاعر الناس أو مراعاة. فما بالنا بحياتهم التي تعتبر باهضة الكلفة من وجهة نظر المكهرب اليمني!”.
الأدهى من ذلك أن الخطر لا يتهدد مثل هؤلاء وحدهم في الريف بل أصبحت العديد من المنازل والأحياء السكانية في الكثير من المدن في مرمى خطر التلوث الكهرومغناطيسي دون اكتراث من أحد إما جهلا وإما تجاهلا للآثار الصحية التي تسبهها خطوط الضغط العالي على الإنسان والحيوان.
 وفقا للعديد من الدراسات والأبحاث التي أجريت في كثير من بلدان العالم اتضح ان التلوث الكهرومغناطيسي المنبعث من أسلاك الكهرباء ذات الضغط العالي يسبب امراضا خطيرة على السكان القريبين منها. وخلصت دراسة مشتركة أعدها معهد بحوث السرطان البريطاني والمعهد القومي الأمريكي للسرطان ومعهد كارولينسكاي السويدي، إلى وجود خطورة كبيرة على الإنسان إذا ما تعرض أو سكن بالقرب من اسلاك الكهرباء أو أبراج الاتصالات أو محولات الطاقة الكهربائية. وأثبتت الدراسة وجود علاقة بين التلوث الكهرومغناطيسي وإصابة العديد من الأطفال بسرطان الدم والعديد من الأمراض. وأكدت أن التعرض للتيار الكهرومغناطيسي العالي يضاعف من إمكانية حدوث سرطان الدم لاسيما لدى الأطفال. وينبغي، بحسب الدراسات، تركـ«50» متراً حول خطوط الضغط الكهربائي العالي كمنطقة خالية. وجاء في دراسة لوكالة أبحاث السرطان العالمية تردد الموجات الناتجة من خطوط الضغط العالي قد تكون مسرطنة في بعض الظروف الخاصة المتمثلة في تكرار التعرض المباشر لها.
 وانتهى باحثون في معهد بحوث أمراض العيون بالقاهرة مؤخرا إلى أن خطوط الضغط العالي للكهرباء تؤثر على المواد البروتينية في عدسة العين، فتسهم في حدوث التهابات مزمنة. ويلتقي العلماء الذين انتدبوا لدراسة وبحث هذه المسألة على أنه ليس من شك في أن الأشعة الكهرومغناطيسية تؤثر على الإنسان جسديا وعقليا ونفسيا. وخلصوا إلى رصد جملة من الأمراض الناتجة عن التعرض للتلوث الكهرومغناطيسية، وهي: أمراض القلب، التأثير على صحة الأجنة وتشوههم، سرطان الثدي، تدمير البناء الكيميائي لخلايا الجسم، تكسير حمض DNA مما ينتج عنه تدمير الخلايا وذلك يعتبر سببا كافيا للإصابة بالسرطان، تعطيل وظائف الخلايا، اضطراب إفراز الأنزيمات في الجسم، اضطراب الدماغ، الخمول والكسل وعدم الرغبة في العمل، اضطراب معدلات الكالسيوم، الشرود، والهذيان.
 ومع أن الكثير من البلدان التي تولي أهمية كبيرة لحياة مواطنيها فرضت مواصفات دقيقة حماية للسكان، إلا أن اليمن لم تعر الأمر أهمية، وكثير من السكان يرزحون تحت مخاطر التلوث وعلى مقربة منه مخالفة للمعايير والمواصفات. فمثلا: المواصفات «الألمانية» تحدد الحرم الصحي بـ«1275» متراً، والمواصفات «الروسية» تحدده ب «20» مترا، وعلماء الوبائيات حددوا عام 2001م الوقاية من مخاطر خطوط الضغط والمحولات الكهربائية بـ«50» متراً، وفي الكويت بالمسافة ذاتها و(25) متراً في السودان. أما في اليمن فلم يلتفت للأمر على الإطلاق لا المعنيون بالأمر، ولا الذين يعيشون على مقربة من جحيم هذه الخطوط التي تفتك بحياتهم دون أن يشعروا أو يحركوا ساكنا إما لجهلهم بما تسببه لهم من أمراض وإما لتجاهل السلطات لدورها في الحفاظ على الصحة العامة.