مريض نفسياً يحرق المصلين وبينهم أبوه وشقيقاه.. أنين الغرفة رقم (2)

مريض نفسياً يحرق المصلين وبينهم أبوه وشقيقاه.. أنين الغرفة رقم (2)

– بشير السيد:
لم يتبق من العم محمد صالح سعد الله سوى الأنين، وصوت بعثره الألم ورجفة الجسد المحروق.
ملامحه فقد اختفت، وحل محلها شيء آخر، هو من صنع ألسنة اللهب التي اندلعت أثناء ما كان يؤدي صلاة الجمعة الماضية في مسجد بيت العامرية في منطقة سدادة محافظة عمران، هو وسبعون مصلياً تقريباً.
هو الآن يستلقي على أحد أسرة العناية المركزة في قسم الحروق بالمستشفى الجمهوري بأمانة العاصمة. لكنه لا يعلم من الذي قام بهذه الجريمة. «ما احنا دارين من هو. احنا كنا نصلي في الركعة الثانية وكان الإمام يقرأ (قل هو الله أحد) وما درينا إلا والنار تحرقنا من ورانا».
العم محمد، 55 عاماً، كان يصلي في الصف قبل الأخير، فنال الجزء الأكبر من الحروق مقارنة ببقية الضحايا ال(33) ودرجة الحروق فيه وصلت إلى (55) درجة، وبحسب الأطباء فإنها نسبة خطرة.
يروي العم محمد، وبصوته المتبعثر: «ما درينا إلا وأداتنا (ملابسنا) تولع والنار من تحت اقدامنا ومن فوقنا ومن قدامنا ومن ورانا. النار داخل وخارج، كنا نجري بين النار. هربنا من الموت. لكن الله شينتقم منه، أمره إلى الله، احنا قاصدين الله وكنا نعبده». بعدها ضاع صوته تماماً وأصبح وجودي في جواره غير مرغوب. لقد شعرت أن جراحه تعيق مواصلة الحديث معه.
العم محمد وثمانية آخرون نقلوا إلى المستشفى الجمهوري بأمانة العاصمة لخطورة حالتهم فيما البقية يتلقون اسعافاتهم الأولية في محافظة عمران.
حالة الثمانية الأشخاص أيضاً خطيرة ولكن ليست بحجم خطورة حالة العم محمد. هم يحتلون الغرفة رقم (2) في الطابق الخامس من المستشفى الجمهوري قسم المجارحة رجال، وهي الغرفة التي عُرفت منذ مساء الجمعة بمصدر الانين الذي يدوي في طواريد الطابق الخامس. النار التهمت وجوههم وأطرافهم، وتقودك ملامحهم إلى أفلام الرعب واستحضار شخصياتها من اقسام الحروق.
في الغرفة رقم (2) ستدرك أن حريق مسجد بيت العامرية لم يكن وراءه عناصر اجرامية متطرفة وارهابية، كما نشر في صحيفة «الثورة» في عددها السبت الماضي في الصفحة الأولى. فالضحايا مزارعون: رجالاً وأطفالاً.
الجاني قبض عليه مساء يوم الحادث (الجمعة).
وبحسب مصادر أمنية في البحث الجنائي بعمران فإن تحقيقات البحث أظهرت أنه يعاني من حالة نفسية، واعترف بأنه الفاعل، وقال في المحاضر إنه جاء إلى المسجد وبحوزته عشرين لتراً من البترول وأثناء صلاة الجمعة صب البترول على ارضية المسجد خلف الصف الأخير للمصلين وأشعل النار ولاذ بالفرار.
وأوضح المصدر الأمني أن كلام الجاني جاء مطابقاً لأقوال الشاهدة الوحيدة وهي زوجة شقيقه.
الغريب في الأمر أن والد الجاني، وهو شيخ في العقد السابع من عمره، وابناه (شقيقيْ الجاني) كانوا ضمن المصلين ولقوا نصيبهم من الحروق.
الأب الذي التقته «النداء» في الغرفة (2) لم يتكلم وكان الأنين تعبيراً عن شدة الألم المنبعث من قدميه المحروقتين.
المصدر الأمني أفاد أيضاً بأن الجاني اعترف بأنه فرّ بعد جريمته إلى قرية أخرى ولكن سرعان ما عاد ليشارك في إسعاف الجرحى بعد أن أخمدت النيران في المسجد، ليعاود الفرار في المساء إلى مديرية مجاورة لمديريته (السودة) وحينها كانت الاجهزة الامنية قد تعرفت عليه.
أحد الأهالي وجاء زائراً لنازلي الغرفة (2) في الطابق الخامس للمستشفى الجمهوري، قال: «الجاني يدعي أنه مصاب بحالة نفسية منذ شهر ونصف لكن مظهره وحديثه لا يدل على ذلك».
لا تستطيع أن تغادر الغرفة (2) بسهولة؛ جميع الجرحى يرغبون في التحدث إلى الصحافة والجميع يصف الفاعل بالمجرم. وكان علي عبدالله، 45 عاماً، أكثرهم حزناً: «معي ثمانية اطفال، أصغرهم: يسرى- اربع سنوات. ما بش احد يرعاهم. أمهم ماتت قبل ثلاثة أعوام».