د. ياسين سعيد نعمان – المقاطع الرابع منْ: «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب»

د. ياسين سعيد نعمان – المقاطع الرابع منْ: «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب»

بعد وفاة والده، توقف عبد المرتجي عند اسئلة كثيرة، وراح يبحث عن إجابات لها بمفرده.
لقد رأى الأحوال تتغير غداة الحرب، ومعها الشعارات التي حافظت على شكلها الخارجي، لكن الحرب اكسبتها لوناً آخر كبقية الأشياء التي راحت تأخذ لون الحرب.
وكان أول ما لاحظه أن الجدار الحاجز بين الجماهير وزعامتها، والذي هدمته جحافل المتظاهرين يومي 9 و10 يونية، يعاد بناؤه تحت شعار «كل شيء من أجل المعركة».
وعندما استفسر من مثقف جهبذ كان يتردد على العمارة التي يحرسها، عما إذا كانت «كل شيء» هذه تشمل تأجيل النظر في موضوع الحريات والديمقراطية، نظر هذا إليه مندهشاً وأنَّبه قائلاً: «هل تعتقد أن هذا وقت مناسب للحديث عن موضوع شائك كهذا؟! ما يهمنا يا محترم في الوقت الحاضر هو استرداد ارضنا في سيناء وإعادة فتح القنال…» كان يتحدث وهو يمشي بعجلة نحو المصعد، لم يلق بالاً للحيرة التي ارتسمت على وجه عبدالمرتجي وهو يسمع هذه الإجابة.
لكن عبدالمرتجي وجد نفسه بعد فترة يسجل في مفكرته: «ليس للحرية أوان مناسب وأوان غير مناسب كما يدعي هذا المثقف المتعجرف. الحرية لن تمنعنا من استرداد سيناء، ولن تحول بيننا وبين الاستعداد للمعركة. لنبحث في اسباب الهزيمة لنسجل خطوة نحو النصر».
غير أنه لاحظ أن أنَّة الهزيمة كانت تستغرق الفضاء السياسي الذي راح يجعل الحريات والديمقراطية عملية ملحقة بعملية التحرير الكبرى لسيناء.
وبعد أن أيقن أن قضية الحريات والديمقراطية مؤجلة، وأن لا أحد مستعد لبحثها أو بحث علاقتها بالهزيمة أو النصر، راح يتأمل في حقيقة الثورات.
لاحظ أنها أحداث لا تُفهم بمعانيها المجردة عما يصاحبها من تغيرات جوهرية في واقع الحياة ومنها ما يتعلق بالإنسان ومكانته بين عناصر الحياة الأخرى.
فالحدث الذي يمكِّن الإنسان من السيطرة على مزيد من عناصر الحياة المحيطة به هو ثورة. والحدث الذي يهيئ الانسان مادياً وروحياً للإبداع ويوفر له شروط المبادرة ويحرره من الاستبداد هو ثورة. الثورة لابد أن تنجز مهمة تاريخية على صعيد الإرتقاء بالإنسان إلىمدى يقربه من النقطة التي تكون فيها ملكاته قادرة على الإستجابة لطموحه بصورة طبيعية.. بمعنى أنه لكي تكتسب الثورة مدلولها فلابد أن تتحرك بالإنسان إلى الأمام داخل عملية بنائية مترابطة الحلقات، فإن هدمت فهي لا تهدم سوى المعدات المغلقة التي تحتجز عقل الإنسان وحريته، ويكون ذلك إيذاناً بوضع الإنسان في مكانه الصحيح في عملية البناء الطويلة والمعقدة تلك.
والثورة لا تكتفي بقيادة ثورية لإنجاز مهماتها، بل لا بد لها من قاعدة اجتماعية واسعة. وهذه القاعدة الاجتماعية الواسعة هي أهم ما في العملية البنائية المعقدة، وهي لا تتشكل بصورة انتقائية أو عاطفية أو إرادوية، وإنما في غمار المنجز الملموس وعلى نحو يعكس الانتقال من الشعار، الذي يخاطب العاطفة، إلى المنشأة التي تؤمِّن لقمة العيش، وإلى الإطار القيمي والمؤسسي والقانوني والحقوقي الذي يحمي الحرية ويطلق المبادرة.
والثورة التي تحمي نفسها بقوائم طويلة من الممنوعات والمحرمات وقوائم العزل السياسي والإقصاء، لا تستطيع أن تجدد نفسها وخياراتها إلا في إطار ضيق بعد أن تتسلم الأجهزة أمرها وتقصيها عن قاعدتها الاجتماعية.
وبعد أن لاحظ عبدالمرتجي أن كل الثورات العربية قد أقصيت عن قاعدتها الاجتماعية، فبعضها أعيد انتاجه في صورة «دولة» أو «شبه دولة» تسيطر عليها الأجهزة القمعية، والبعض الآخر استهلكته الانقلابات العسكرية المتلاحقة، راح يتأمل في ظاهرة أخرى تتعلق بدور الثورة كهمزة وصل بين الأزمنة المتعاقبة: الماضي والحاضر والمستقبل. فهو يرى أنه يمكن لأي ثورة أن تدعي أنها بداية لعهد جديد، بينما الحقيقة هي أنها لا تستطيع أن تشكل قطيعة مع الماضي بصورة مطلقة طالما كان الانسان، الذي هو محورها ، هو المجسد الأول لتواصل حلقات التاريخ. فالمطربون مثلاً لا يفاخرون بشيء قدر مفاخرتهم بالأهرامات ومعابد فِيَلَة والتحنيط وما تحويه متاحفها وأوابدها من آثار، وبعد ذلك قناة السويس والأزهر والقناطر والقلعة والسد العالي، وفوق هذا و ذاك الأرض الزراعية المحيطة بالنيل والتي شكلت جهد الإنسان المصري عبر التاريخ، إلى الجامعات العربية وعمالقة الأدب والفن والموسيقى والثقافة ودعاة النهضة والزعامات السياسية التي خرجت من الوسط الشعبي، ومثلها في العراق واليمن وبلاد الشام والمغرب والجزيرة.
لا يمكن لأي ثورة أن تضع هذا المنجز الإنساني خارج الصورة. فالثورة الحقيقية هي تجميع أجزاء الصورة في حقب تاريخية مختلفة، لا بقصد عرضها كأيقونة للزينة، وإنما لتستلهم منها المعاني العظيمة لتواصل الأجيال.
الثورة هي أن تبعث في كل جزء من الصورة قوته الكامنة فيه باعتباره منجزاً لا يقف بتأثيره عند حدود الزمن الذي شهد ولادته، وإنما يمتد داخل ثقافة تتخطى هذه الحدود، وتكوِّن الشخصية التي يتوقف عليها توظيف هذه القوة الكامنة في خلق منجز جديد.
وراح، مع تكرار زيارة المثقف الجهبذ للعمارة التي يحرسها، يسأل نفسه عن أسباب الزيارات المتكررة. غير أن هذا الأخير وفَّر عليه مشقة البحث عن الإجابة، فقد أخذ يلقي عليه التحية بحرارة كلما رآه، ويبحث عنه بصمت إذا لم يكن موجوداً. راح يزيل الكُلفة ويتخلى عن عجرفته منذ اللقاء الأول بينهما.
ويشرح عبدالمرتجي ذلك بالقول:
«.. لكن طريقته التي اتسمت بقدر من الإبتذال جعلتني أُوجس خيفة منه، ومع ذلك فقد جاريته فيما كان يهدف إليه، متوخياً الحذر. كان حذري في محله. لم يكلفني الأمر كثيراً كي اكتشف نواياه، فقد كان يسكن في عمارتنا سياسي عربي هرب من بلده، وكان مستغرقاً في همومه لا أسمع منه غير «السلام عليكم» كلما رآني. صاحبنا المثقف هذا طلب مني مراقبته، ومعرفة من يزوره وفي أي شيء يتحدث مع زواره. وكانت بيده ملفوفة أنيقة قدمها إليَّ كعربون صداقة من سعادة «السفير»!! تذكرت أمي وخبرتي التي اكتسبتها من مراقبة أبي لصالحها. قلت للمثقف وهو يلحُّ علي بقبول الهدية:
لقد قمت بهذا العمل في يوم من الأيام لصالح أمي، وكان المراقب هو أبي المسكين، ولست مستعداً يا محترم لتكرار التجربة لصالح سفيرك المبجل، ثم ما شأنك أنت باهتمامات السفير إياه بشأن من يزور هذا الرجل وماذا يناقش؟
قال: هذا الرجل خطر على التضامن العربي، لقد فَرَّ من بلاده لأنه ضد التوجهات القومية للرئيس هناك، وهو يعمل علىإنشاء خلايا للإتصال بالعدو.
قلت له: وماهي معلوماتك أنت عن التوجهات القومية للرئيس هناك؟ وما صلتك بها حتى تتحمس لأذية هذا الرجل الذي طلب الأمان في بلدك؟! الذي أعرفه عنك أنك لست من أنصار التوجهات القومية. ألم تكتب مطالباً بفك الإرتباط بالعرب لأنهم على حد زعمك سبب تخلف مصر، فكيف حلت بك الغيرة على التضامن العربي هكذا فجأة؟!
لم يفقد الجواب، قفز على مواقفه المعروفة برشاقة، تحدث بإسهاب عن نقد الذات، ثم أحاط كتفي بذراعه اليمنى قائلاً: «السياسة يا سيدي لا تسير في خط مستقيم، وإلا لما سميت سياسة. ستفضل بواب طالما مخك مليان مبادئ».
ومنذ ذلك اليوم، يسجل عبدالمرتجي الكثير من الحوارات التي دارت بينه وبين ذلك السياسي العربي، الذي استمع كما يبدو بالصدفة إلى جانب من الحوار الذي دار بين المثقف وعبدالمرتجي، وكان ذلك سبباً في انفتاحه على عبدالمرتجي.
يقول عبدالمرتجي:
«بدأنا الحديث عن فلسطين، والذي قادنا بعد ذلك إلى سهوب السياسة العربية المقفرة إلا من بعض العشب اليابس المهيأ للإشتعال. وككل السياسيين كان عليه أن يخفي موقفه تحت لسان مدرَّب على المناورة بنصف الحقيقة وإخفاء النصف الثاني حتى يكتشف محدثه من كافة الجوانب. غير أن صاحبنا هذا لم يكن سياسياً محترفاً فقد كان الرأي في حديثه يسبق السياسة؛ الأمر الذي يجعل النقاش معه مفتوحاً وخاصة عندما دار الحديث حول الظروف التي أجبرته على مغادرة بلده.
فهو يعرض الحقيقة برؤية نقدية لأخطاء النخبة الحاكمة في بلده والتي كان هو جزءاً منها، ولا ينفي أن موقفه المتردد من الديمقراطية كان سبباً في حسم الصراع الداخلي لصالح الجناح غير الديمقراطي الذي راح يصفي معارضيه بوسائل مختلفة، تبدأ سياسية داخل قاعة الاجتماعات، وتنتهي بالإعدامات داخل المعتقلات، حتى وصل إليه الأمر في وقت كان يعتقد فيه أنه ممسك بالعصى من الوسط.
كان موقفه هذا مقبولاً عند «الزعيم» عندما كانت هناك حاجة لتحييد البعض في عملية الصراع التي قادها الزعيم للتخلص من مناوئيه من رفاق الأمس.
أما بعد أن فرغ هذا من تصفية خصومه وصفت له الأمور فلم يعد يقبل بأقل من «نعم» ممن حواليه.
لم يعد هؤلاء شركاء كما كانوا. لقد هبطت بهم قواعد اللعبة إلى مستوى أدنى من الشراكة. والتفت إليه هو بالذات وخصَّه باهتمام جعله أشبه بمن يتحرك وسط حقل من الألغام لا يدري متى ستنفجر فيه. وإذْ أخذ يقرِّعه إيذاناً بإطلاق صافرة نهايته، فقد أدرك صاحبنا أن أوان مغادرته قد أزف، وأن عليه أن يلحق برفاقه الذين خذلهم. وراح يستعرض رؤاه، فلم يجد فيها ما يعيب سوى أنها أهملت حقيقة نوايا الزعيم وخاصة في المرحلة المبكرة حينما لم تكن مخالبه قد نمت بما فيه الكفاية. «الرفاق المترددون والمحتارون هم الذين يصنعون الزعامات الفردية»، هكذا قال وهو يستعرض المراحل التي بدأت فيها الميول التسلطية تظهر في تصرفات «الزعيم»، وكيف تصدى لها البعض، وصمت عنها البعض الآخر بين مؤيد ومحايد. وعندما أراد أن يفضفض بمخاوفه لأحد رفاقه، لم يجد الشجاعة الكافية لذلك، فقد بات كل واحد منهم عيناً للزعيم على زملائه، أو هكذا خيِّل إليه».
 
المقطع الثالث
 
المقطع الثاني
 
المقطع الأول