خارج السجن.. داخل الجسد(3-3) – منصور راجح*

خارج السجن.. داخل الجسد(3-3) – منصور راجح*

عبده سعيد، بائع القات داخل سجن تعز، أكثر حرية منك، لأنه ما تساءل في أي يوم عن الحرية، أو معنى الخلاص، ولأنه وهذا هو المهم ما افتقدهما. ما يزال يعيش في الحالة الطبيعية، أما أنت فعليك أن تجيب على الأسئلة، وتعمل حساباً لكل شيء، من الطريقة التي تمشي بها، تأكل وتتكلم، إلى ما تفكر به الآن وأنت وحدك، بل إلى هذا الذي تكتبه. فأيا كان موضوعه، أسلوب كتابته، أنت متهم به والبقية أنت تعرفها، وتعرف أنك ما خرجت من سجن هذا الخلاص الذي تفكر به أو فيه.
هو ذا السجن يتحول إلى حالة تأكلك من أول ما تفتح عينيك في الصباح متسائلا، إلى أن تغمضهما لتنام على أمل أن تستيقظ صباح اليوم التالي في حالة أحسن.
ما الفرق بين السجن والمنفى؟
ما الفرق بين المنفى والعبودية؟
ما الفرق بين العبودية والحرية حينما تتجرد متحولة إلى فكرة تدمن تقليبها في سياقات وعي متعب؟
هو الخلاص غير الممكن إلا فيما تأتيه وتعمله دون أن تعرف ماهية هذا الخلاص أو من؟ ماذا؟ وكيف؟ اللعنة!

12

العالم من حولك ممتلئ بجعجعات “السيد الرئيس”، قعقعة السلاح. وثمة من يقترح منح طوني بلير جائزة نوبل للسلام. تبتسم فينظر إليك أحد المارة نظرة حادة ويواصل المذيع تفصيل ما يحدث في أفغانستان. يبث التلفاز وقائع الحرب “على الإرهاب”. ملايين البشر يتشردون تحت القصف. تتحسس وجودك وتتذكر سنوات الجوع، وأن عليك أن لا تبقى جائعا هكذا. تتحاشى السير في الاتجاه الذي يؤدي إلي مطعم تنبعث منه روائح شهية. تنعطف باتجاه الشارع المؤدي إلى البيت، ثمة مكتبة على الطريق. ضمن الكتب الكثيرة المعلقة في واجهتها رواية “الجوع” لهامسون. لم يعد لها ذلك البريق أو التأثير. فقد جعت وتشردت أكثر منه، “وما فيش حد أحسن من حد”، تقول في نفسك وتستعجل إلى حيث عليك أن تأكل. تتذكر آخر مرة كنت مع “العنصري”. قال: هنا الكل يأكل. قلت له: كل من على البسيطة يأكل، لماذا عليك أن تردد على مسامعي هذه الجملة، دائماً، وكأن الآخرين في بقية أنحاء المعمورة يعيشون على الهواء؟! يكفهر وجهه ويواصل اجترار وهمه في أنه يعيش في ازهى ايامه، وبأنه الافضل مستدلا على ذلك بوجودك هنا. تتحسس هذا الوجود وكأن الطائرة المغيرة على افغانستان سوف تقصفك للتو بواحد من صواريخها، يسبق قصفها الذعر، ذعرك. تنتفض هاربا فتصطدم بحديد الباص الذي ستأخذه إلى البيت. ثمة من يتحدث بهمس عن آخر أخبار ممثلة الإغرء المشهورة، عجوز تصلح هندامها بندم على ما مضى من عمر، لا تدري لماذا تتداعى دائما خواطرك هكذا بسلاسة داخل وسائل المواصلات. كان أول ما تعمله في السابق حينما تصل إلى البيت كتابة هذه الخواطر، أو ما فكرت فيه. أما الآن فلم يعد لديك من الدوافع ما يكفي للكتابة، وإن فعلت فكمن يبصق أو يتبوّل. ترى كم من الأوراق قد قطعتها؟ وماذا لو نشرت كل ما كتبته حتى الآن؟ طُز!
القصف على رؤوس الأفغان وكرامتك مستمر. وبيانات سليمان أبو الغيث تتابع مستعدية الشيعة والشيوعين، اليهود والنصارى، الهندوس والأنظمة العربية، البوذيين والدعري، وكأن كاتب هذه البيانات هو جورج دبليو بوش المنادي بالجبهة العالمية الموحدة لمحاربة الإرهاب. ها هو ذا يملأ العالم بما يحاول من خلاله أن يتجاوز نقيصة كونه أول رئيس لأمريكا يصبح كذلك بقرار محكمة ويقدم لوسائل الإعلام مادة تتلقفها كما يتلقف كلبٌ جائع عظمة. تتخيل أن كلبا أجربا يتهالك على عظمة، وتتذكر الاقتراح سالف الذكر باستغراب كيف فات صاحب الاقتراح إضافة جورج بوش إلى قائمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للسلام!؟ تبكي فتسألك زوجتك عن سبب بكائك فتجيبها بأن طبيخها يذكرك بأيام السجن حينما كنت تأكل الكُدم “بزيت السيارات” (بتصرف من تعبير الممثل الساخر سمير غانم)، كان “الفقي” يسمي الكُدم حجارة السجيل. تتذكر كيف أنها تأخرت مرة لأكثر من أربعة أيام وكانت الحرب على أشدها. أوشك المسجونون أثناءها أن يأكلوا ثيابهم البالية. لم يصدر عن أي منهم شيئاً. ابتلعوا جوعهم مثلما سبق لهم أن ابتلعوا حاجات كثيرة. وفي اليوم الرابع أتت الكدم. كان الوقت ليلا وكانت الساعة حوالي الثانية بعد منتصف الليل. كان الواحد منهم ينتفض من بين اطماره أو من غياهب نومه ليتسلم ثلاث كدم ويبدأ على الفور التهامها الواحدة بعد الأخرى، حتى إذا أتى عليها عاد إلى النوم. يومها ذبحك اليأس. قلت: لا فائدة. ويومها – كما ستفهم لاحقا – فقط بدأت تتقبل في داخلك عوامل نضوج وبرود قرار طردك من “الوطن” الذي سيتخذ في وقت لاحق وينفذ في 7/2/1998 م. كانت الحرب بين الطرفين على أشدها. وكنتم في السجن جميعا مادة للقتل في أية لحظة. وما أن انقشع غبارها حتى بدأت حرب الشماتة. حينها أعدت قراءة قصيدة محمود درويش “انا آت إلى ظل عينيكـ” بجد هذه المرة، لتكتشف للمرة الأولى ما كان عليك أن لا تتأخر في اكتشافه: “مسافة ما بين السافل والنجمة”. ولم يكن الأمر مجرد قصيدة لسعدي يوسف، فسرعان ما دُعيتْ إلى غرفة الزيارة ولم تكن الحرب قد توقفت تماما، تباعاً كانتا هناك: أمك وزوجتك، مرهقتان صحيح، لكنهما ما فقدتا إيمانهما بحقك في الحياة. بدأت حبيبتك متوجعة، لكنها سرعان ما عادت إلى معدنها بمجرد أن جلست إليك، وتفسيرك لما حدث، وتوضيحك كونك وقضيتك تنتميان إلى أفق وحقل آخرين مختلفين تماما. قبل ذلك بأيام معدودة كان سيموند عثمان قد جاء لزيارتك وكانت طبول الحرب ما تزال تقرع. تحدثتما لفترة قصيرة. كان يبدو حزيناً، ربما أن حزنك هو الذي رأيته على تقاسيم وجهه. كان يرافقه عراقي آخر يعمل مع منظمة العفو الدولية. قلت لهما إن الحزب لم يهزم، وأنه كمشروع ورؤية ما يزال ضروريا. وها هو اليوم جورج بوش الابن بما يحدثه من قتل ودمار في العالم يؤكد ضرورة وجود حل لكل هذا الموت والتدمير الذي يحل بالعالم بفعل هذا النظام المتوحش.
لقد حُفرت مجار كثيرة في جسد “قضيتكـ” لم تعد تتذكر منها سوى مجرى الدمع. ها هو محفور بعمق في وجوه من يحبونك وتحبهم، وفي وجهك.
ما يزال أوار الحرب مستمرا، وما يزال التلفزيون يبث وقائعها وحماسة جورج بوش الابن لما يقوم به شارون بوصف ذلك القتل دفاعا عن النفس، ضد الفلسطيني الأعزل. ما تزال جائعا، بلا ظهر، تقولها وتتمدد على السرير ناسياً الجوع وقد طواه طبيخ الزوجة كما تطوي الذكريات، أو كما تطوي الطائرات سماء افغانستان، مخلفة على الأرض الدمار ومادة لوسائل الإعلام تقضي على آخر أمل لك بأغنية لفيروز تساعدك على أن ترتقي بجراحك إلى مصاف اخر غير مصاف الطائرات. ها هي تواصل دك بيوت الفلاحين في افغانستان وأشجار الزيتون في أرض الأنبياء كما يدك “السوسيالـ” كرامتك كل يوم. على ذكر السوسيال، ماذا قالوا لك آخر مرة، تسألك زوجتك وكأنها انتزعتك من نعاس حام. فترد عليها: أولم تجدي غير هذا الوقت لتسأليني يا امرأة؟ طار النعاس. عليك أن تستمع إلى آخر الأخبار. تلعب قليلا مع طفلك الذي أتى متأخراً إلى هذه الدنيا عشرين عاماً، ثم إلى حيث ستكتب بعضا من هذا الذي تكتبه علك تخفف عن نفسك قليلا من عناء السوسيال، يائسا، متشككاً من أن لما تكتب قيمة أو أن هناك من سيقرأ. لم يعد أحد يهتم بقراءة شيء من قبيل ما تكتب. غرق الناس بين الأشياء وفيها ومن أجلها وبقيت وحدك سائرا بما تحمله إلى حيث لا تدري، يتجسد أحياناً على هيئة كتاب لن يجد من يقرأه، وأحيانا يفجر فيك انفعالات تدفعك للمشي كالمُضَيَّع، وأحيانا كالتائه، تارة كالمخدر وثالثة ورابعة. صاروخ آخر يسقط “خطأ” على قرية افغانية، يقول المذيع، فتوقف الكتابة وتهرع إلى ناحية التلفزيون لترى العار مجسدا هناك على هيئة ما يحدث “للناس” في تلك البلاد وفي فلسطين ولك. تغيّر المحطة إلى أخرى تبث وقائع حملة تبرعات للشعب الأفغاني الشقيق فتتذكر وقت كان التلفزيون يسود أمسيات الشطر الثالث (كما كنت تسمي السجن) مثبتا في الباحة يلتف حوله أغلب المساجين يصغون إليه بتركيز، والمذيع بهيئته النمطية جالس كالملك يعدد أسماء المتبرعين لبنجلادش، من فلان بن فلان كذا، من الهيئة الفلانية كذا، من الوزارة الفلانية كذا، وكانت قد تعرضت كما تتذكر لكارثة طبيعية أو ما أشبه، وهاهم اليوم يتبرعون لأفغانستان وهم كلهم مشاركون في الحرب التي تشن هناك. ما أشبه الليلة بالبارحة، وما اشبه هذه الحروب بالكوارث الطبيعية لولا أنها تتم بقرار “أناس” يتولون إدارتها. ما يزال التلفزيون في مكانه، ألم نتفق على نقله إلى الزاوية الاخرى؟ تقول زوجتك. تنتبه إلى انك تجلس في نفس الزاوية. آسف. كأنني نسيت. سأفعل الآن. يقول ابنك: لا. ثم ما معناه أنه يريد أن يرى فلم كرتون؟ تحول المحطة مسافة ثمانية وعشرين ساعة بالطائرة، ثمة محطة تعرض مشكلة اللاجئين على السفينة التي رفضت استراليا استقبالهم. تتحسس وضعك وكأنك تنتبه لأول مرة لمعنى كونك لاجئا. تتذكر كل ما جرى قبل أن يوافقوا على منح ابنك وضعك (لاجئ) ثم تتساءل، بمرارة، عن معنى اللجوء حينما يتعلق الامر بمولود هنا، أو كيف يمكن تفسير وضع يولد الانسان فيه لاجئا. عليكم الانتظار طويلا قبل أن يُحسم طبيعة وضعكم بما فيكم المولود هنا (ابنك) على أي حال سيخفف منظر اللاجئين الافغان الذي تبثه كل شاشات التفلزة في العالم قليلا من إحساسك بالمرارة، غير تفكيرك بالمناضل السياسي الذي لم يعد يعنيه في الحياة شيء قدر أن يحافظ على حضور في “الهامش المتاح”، أو الضعيف أبو محمد الذي ما وجد مكانا يعبد الله فيه سوى النرويج وكأن البلاد العربية والاسلامية خالية من المساجد. لا ترى الاول الا منكبا يكر داخل الهامش المتاح وكأن اختلال الكون او اتزانه معقود على ما يكره. يقول الضعيف ويقفل عائدا إلي زاويته المعتادة في جامع الملا جاتا، تاركا إياك ومعك العالم كله لجعجعات “السيد الرئيس” وأزيز الطائرات المحلقة على شاشات التلفاز. قعقعة السلاح وخمسة آلاف ورقة بعث بها اليك كاتب مذكرات -تحجم عن ذكر اسمه تجنباً للإحراج- كدفعة أولى من مذكراته العاكف على كتابتها ويطلب منك قراءتها بالحاح يصل حد الرجاء، كأنه مسكون بإحساس أن أحدا لن يقرأها، ينتقل إليك على شكل إحساس ضرورة مواساته إلى درجة تجد نفسك عندها منكبا على القراءة وكأن اختلال الكون أو اتزانه معقود على قراءتك مذكرات القائد السياسي (سابقاً). تتذكر كم كتبت وتمتعض وأنت تتنبَّه إلى أن أفق الحرية كان الأفق الوحيد أمامك، تعذيب… إذلال… انتظار الموت… صحيح، على أن أفق الحرية كان الوحيد المفتوح أمامك ولو على شكل موت. تبدى لك الموت هناك أفقا للحرية كبيرا، وكبيرا جدا، أما هنا فتصاب بالرعب من فكرة الموت، لا لانها مرعبة، بل وأنت تتخيل نفسك في مقبرة من هذه المنتشرة لا تربطك أية علاقة بأي ممن يرقد طي ترابها. تتساءل: أين بالضبط يقبرون كل هؤلاء القتلى في أفغانستان وفلسطين؟ تتساءل: تُرى أين بالتحديد تم دفن أبيك وقبله جدتك في المقبرة التي تحتل مدخل قريتكم؟ ينفجر في داخلك حزن مهول وأنت تتذكر جدتك التي ماتت قهرا وأباك الذي….. قتلوه، تتساءل: لماذا لم أمت؟ كم يبدو الموت عزيزا عليك، وكم كان مرعبا قولهم وكنت ما تزال في أوج حيويتك: سنجعلك تتمنى الموت فلا تلاقيه. كانت سنوات من الوحشة الصرفة، أقل منها التعذيب والجوع والعري والمرض وظلم ذوي القربى. كانت سنوات من الوحشة أقل منها هذا الذي يجري في فلسطين وافغانستان. كانت سنوات من الوحشة. تتنبه إلى آلام أسنانك تضغط على وجهك الذي تكاد تقاسيمه أن تتيبس من فرط الانفعال والوجع، وتتذكر أن عليك أن تهدأ. حاول أن تهدأ لتفهم على الأقل ما تقرأ من مذكرات القائد السياسي (سابقاً) أو نصيحته لك بان تبذل ما تستطيع من جهد لكي لا تفقد حضورك هناك. سألته يومها: ما معنى حضور؟ ارتبك ولم يرد. تتساءل: وهل لمثلك أن يفقد حضوره؟ وتواصل القراءة. تواصل العيش على أمل أن تعود يوما. على أمل أن لا تدفن يوما في واحدة من هذه المقابر الغريبة. قد تحتمل هذا المنفى حيا، لكن هل تحتمله جثة هامدة؟ تتخيل نفسك جثة في مقبرة غريبة، وتموت لتحيا في محاولة ما تبذلها كي لا تفقد حضورك هناك. تكتب ثم تقطع ما كتبت وأنت تكتشف بأنك لا تفهم بالفعل معنى أن تحافظ على حضور هناك. تتخيل هذا “الحضور” نفقا مظلما وتتخيل مئات دخلوه مدفوعين بإلحاح الحاجة إلى تسجيل الحضور ولكنهم لم يعودوا منها أبداً. تكتب قائلا لنفسك: فلأجرب. تقرأ ما كتبت، تخاف. تصاب بالرعب من كمية الألم في داخلك فتقطّع ما كتبت، متذكرا كيف أنهم ذات عُمر قطعوا أحلامك، جسدك، أسرتك، بمثل ما يفعلون اليوم بوطنك. كم انسحقت ذات عمر تحت وطأة نظرات أبوك الزائغة، وكم تخاف اليوم هنا من أن يقرا أحدهم لأمك ما ينم عن ألمك. تكتب وتقطع ما كتبت، تخاف أن يقرأه ذات يوم “عدو” فيشمت أو صديق فيموت. تتذكر الموت وتتساءل: هل لمثلك أن لا يعود أو أن يفقد حضوره هناك حيث أزقة قريتك، المدن التي انتميت إليها في شبابك؟ تتذكر أهلك ورفاقك، أصدقاءك. تتذكر حتى الجلادين وتتساءل: أيمكن لبلد وهبته عمرك أن يفعل ما فعل بك؟ اذا، ليس وطناً، ولا جدير بأن تعيش على أمل أن تعود إليه. وهذه المشاعر والأحاسيس كيف ستتصرف بها. حتى هذه المشاعر والأحاسيس ليست لك، بل له. تتذكر كيف كانت ديوك القرية ودجاجاتها كل يقفل عائدا إلى بيته “كنه” عندما يحين المغيب في قريتك، وتتساءل: عندما يحين مغيب العمر إلى أين يا ترى سأقفل عائداً؟ تجفل ومنظر المقبرة التي عليك أن تقطعها أحيانا في الطريق من أو إلى البيت الذي تقطنه يدهمك صاعدا من مكمن من مكامن الخوف التي تحتل روحك فتنحني كأنك تتحاشى أن تصدمك واحدة من الطائرات المحلقة فوق افغانستان ومستوى رأسك. تتهالك فيساعدك أحد المارة ضاحكا على النهوض، أو تتكئ على جراحك لتجرجرك إلى أمام التلفاز. “سَكِّتْ طوني بلير”، تصيح الزوجة من مخدعها. تغلق التلفزيون. تطفئ الأنوار. تنام. ترى في ما يرى النائم صدام حسين يصلي، يسلم، هوذا يستل عصى كمن يمتشق سيفاً، يمد العصى إلى حيث ينقر على واحدة من نوافذ البيت الابيض، يسمع صوت من داخل البيت الابيض كالدوي: يا شيبوب شد الأبجر، ينفتح باب البيت الابيض ليندفع من خلاله عنتر بن شداد على أبجره مسرعاً يتبعه كولن باول يجري بأقصى ما يستطيع من قوة. تنفتح نافذة أخرى ويطل منها علي مقلى، غاضباً، يسب ويلعن من يوقظه من نومه. تحاول أن تستجمع قواك لتلم بأطراف المشهد فتسقط من على الأريكة. تلم جسدك تحاول الوقوف بصعوبة، وبشكل آلي تتحرك إلى غرفة النوم. عليك أن تستيقظ باكرا وتسرع إلى عند الحجي ليفسر لك الحلم. سيقول لك: لن يطول الوقت على “معركة الحواسم”. تلم الأوراق التي تكتب فيها هذا الكلام. ترميها في أقرب سلة مهملات وكأنك حسمت الأمر وقررت أن تخرج من دوائر الأوراق والحبر الأسود وغثاء السياسة والكتابة في عالم مشحون بقعقعات السلاح وجعجعة السيد الرئيس. ثمة من يطالب بترشيح مترجم قناة الجزيرة لجائزة نوبل. تبتسم فيلقي عليك مذيع نشرة الأخبار نظرة اشمئزاز لن تعيرها اهتماما لأنك قد حسمت أمرك بالاتجاه إلى مخدعك لتنام، أو أن عليك فقط أن تتابع ما يجري وحيداً، كأنك خارج الجغرافيا والتاريخ، آدم لكن لا لحم على ضلعك الأيسر يكفي لإنتاج حواء. تأخذك العزة بالجرح. تتصل هاتفيا بصبحي، يجيبك مرسيل “زعموا أن صباحا”. تنام إلى أن يكون.

13

تستيقظ داخل ذاتك. تسحب نفسك إلى حيث تتوسم عرض جسدك على الماء. أثمة فائدة لجسد هدّه التعب؟!  تتمطى تحت الماء المنهمر متذكرا ذات العيون. ما تزال النظرات كالسكاكين مصوبة نحوها. لماذا تراهم يحدقون فيك؟ لفترة طويلة ظننت ذلك فُضولا. تلاحظ غلاف قطعة صابون مُلقاة حيث هي منذ لاتدري كم من الوقت. وكنت قد قرأت اسم الجثال على دفتر قديم مرمي حيث لابد أن تلاحظه. الرسائل التي تصلك على شكل أحلام يقصها عليك آخرون. وتلك القضايا والقصص التي يحكيها البعض لتسمعها وفيها الكثير مما هو في الأصل غمز عليك أو تهديد أو إثارة. أشباه أهلك، ورق اللعب (الكوتشينة) الأبيض والأسود، الدائرة والرقم خمسة، الرقم ثلاثة، حكايات الأرقام كلها. محاولات لإثارتك، لجعلك تخرج عن طورك. اتصال المرجاني والغريب لزرع الشك في جدار علاقتك بمن تحب، وأثناء كل ذلك، قبله وبعده، تراك وحيدا، تتمطى نافضا عن عينيك النعاس كمن يحاول أن يعاود النوم أو يطير. 
*
وحيدا تلوك العمر، تتحاشى النظر في عيون الآخرين. لا تتذكر شيئا، أو تحاول أن تبدو ساهما لا تفكّر في شيء. كأنك حجر ملقى في خبت أو جذع شجرة قديم مرمي دون أمل في أن يحتاجه أحد في أي يوم آت.
*
وحيدا تمشي ضد تيار المخبرين والجنود العاطلين عن العمل، يملأون وقتهم الفارغ بالحرب على الشعب. تدس أنفك في الهواء كأنما تطارد رائحة ما. عيناك مشرئبتان كأنك تحدق في مرايا ما يجيء، رافضا قبول ملامح وجهك في مرايا الواقع المفروض بصلادة الدبابة. تنخر رأسك حاجة لمعرفة نفسك بمنطق ما يجيء. تحاول أن تصوغ مراياك. ترفض كما لو كنت وحيدا في رفضك وسط كون من القبول والاستكانة.    
تعود الآن وحيدا إلى حيث شاهدناك قبل ساعة تستقبل يوما جديدا نافضا عن عينيك النعاس كمن يحاول أن يعاود النوم أو أن يطير. تتمدد في مكانك العتيق. ثمة إزعاج مفتعل. تنهض. تعاود الخروج والتمشي في “العالم” على الرغم من حدة إحساسك بالعزلة. يتغلغل فيك هيجان يمخر في صميم ذاتك. تفكر وتفكر. تمشي وتمشي. كأنك “المعزول الوحيد” كأن “النظام العالمي الجديد” أقل وطأة على غيرك. كأنك فيه.
*
وحيدا تفتش عن زميل، عمن يفهمك، أو على اقل تقدير ينصت إليك، تفكر جيدا أثناء التفكير، كم تحتاج لمن ينصت إليك، وحيدا في ركام هائل من الرضى، وكأنك الوحيد الذي يتوضأ بماء العمر من نجاسة هذا الكون أو يبول على أشاوس عهد الضرابين، مراحيض المرحلة، يكتبون اسم كل من يجلس اليك بشكل واضح في مكان لافت وكأنهم يبلغونك عن وجودهم وعن اجتهادهم في الرصد، مثل اجتهادك في أن تكون نفسك، انت الذي ينتبذ الان مكانا ما في زاوية ما من زوايا المرحلة ليتوضا بشيء ما من ما العمر او يبول.
*
تتمشى في مدار الحلم بحثا عن حل ممكن لمعضلات العولمة، عن أساليب أنجع للتصدي لطوفان الرعب، ثمة فسحة من هدوء يمكن أن تفكر فيها بشكل أقرب ما يكون إلى الصحة، علك تنجح في إحداث تواصل ما مع ما يجيء. تبصر ذاتك أوضح مما هي عليه وهم أضعف مما هم عليه وأقل قدرة على المقاومة إذا عرفت من أين تؤكل الكتف. تتذكر العظمة. فقط عظمة كانت نصيبك من لحم آخر عيد. تحاول أن تبتسم. غصة. مر زمن لم تذق فيه طعم اللحم خلا لحم عمرك المأكول في أشداق السلطة الجاثمة عليك منذ أن فتحت عينيك على الدنيا وهم يأكلونك وطعم أكلهم إياك في فمك كطعم الدم. كأنهم يأكلونك بفمك، فيما تقوله وتسمعه، تحسه أو تدركه. عمرك طاحونة تأتي عليك. يأكلونك بفمك. طعم لاذع، مُر، طعم وجودك بين من لا يفهمك. تتذكر النبي سليمان وحكاية الهدهد. تحاول أن تغني وهم يحدقون فيك. تستحي. ما تزال تستحي. تحس بالأمل ما دمت لا تزال تستحي. ثمة أمل إذا. أوحدك ما تزال تستحي؟ في الحياء ملمح إنساني مفقود في وجه المرحلة، “عصر يتدثّر بالوقاحة”، تقول لنفسك وتحاول أن تعود إلى النوم. عبثا تحاول. فالإزعاج على أشده من حولك وداخلك. جعجعة “السيد الرئيس”، شبكة الانترنت، والفضائيات، طوفان الذاكرة، القلق. تتذكر الرقم خمسة مرسوما بين الفخذين، متشكلا على هيئة دائرة من بياض الكلسون في سواد الثياب، أبيض وأسود. تبكي. تبكي وأنت تتذكر حكايات الأحلام الليلية وقصص رؤيا المنامات مشحونة بالرموز والرسائل. تتذكر عمرو بن معدي كرب الزبيدي، وتتذكر أنك تحاول أن تنام دون جدوى. فثمة “فيروسات البريد الإلكتروني”، وطوفان الذاكرة، والشمس الغائرة في كبدك تعلن موعد وجبة الغذاء. تتذكر هناك وكيف كان يعقبها وقت القات. تتذكر كيف يلوكون ذواتهم مع تلك الاغصان الخضراء، بعضها ينعش وبعضها الآخر يثير القرف. يجمع بينها إثارة الرغبة الجنسية والحاجة للسجائر. تتعجب من أمر السجائر، كلهم يدخنونها كأنهم يمارسون بتدخينها رياضة “يوجا من نوع خاص”، مثلما يمكن التخمين مع ما يحدث أثناء مضغ القات. تركيز عند حركة المضغ، “يوجا” ينسون أنفسهم داخلها، داخل الضلال العظيم للفراغ، والرنين المتصل للانفجار الأزلي، أصل درب التبانة كما يقولون. هذه المجرة التي لا تساوي نقطة في بحر الفراغ المهيمن عليّ وفي عقل القوة الغاشمة. بعد أن ينتهوا من مضغ القات، تتذكر كيف كنت تستقبل أكثر من واحد، يسقطون عليك إفرازات كلامهم على شكل حذلقات. جماعة متذاكين، تسميهم المبرمجين. ما أن تتذكرهم أو يلتفون من حولك حتى تفر إلى النوم. تحاول أن تعود إلى النوم. تنام وأنا أراك في ما يرى النائم: أعمى.

* شاعر يمني – النرويج