خارج السجن.. داخل الجسد(2-3) – منصور راجح

خارج السجن.. داخل الجسد(2-3) – منصور راجح

5

التاسع من فبراير، آخر السجن أول المنفى، أين أنت يا وطن الشوق المبرّح والسجن الطويل؟  تتصاعد حمى السؤال. ما معنى أن يلج المرء حرية المنفى؟ لا تجيب. من الآن سوف تغدو كائنا من سؤال، أو تتحول، أو ينبوعا يتدفق بالأسئلة في حين أن اللحظة لا تحتمل أكثر من سؤال وحيد “مالعمل” تتذكر كتاب لينين بهذا العنوان، وتتذكر بأنك ستوغل في حريتك الافتراضية إلى أن تجد جوابا على سؤالك. ما هو المهم الآن. تخاف الإجابة خوفك من الأسر. قد تتخلص من السجن لكن ما السبيل للخلاص من الأسر. أنت لا تعرف كيف، على الأقل في هذه اللحظة، بيد أن مستقبليك سعداء. اذا، لابد من السعادة وإن طال المكوث في المطار. ثمة صحافة. الصحافة هنا سيدة المشهد وعليك أن تتحدث. تنطلق في الحديث كأنك كنت صامتا طوال حياتك. الأسئلة لا تنتهي وعليك أن تجيب، أن تظل أسيرا إلى أن تغادر.
يصدمك جمال المدينة عند عبور الطريق من المطار الى البيت الذي سوف تسكن فيه. ها أنت تصل إلى البيت الذي قضيت فيه أول شهرين قبل ان تنتقل الى آخر فثالث حيث تكتب هذه الكلمات. مرت سنوات أعجف من السنوات التي سبقتها، ومع ذلك ما تزال تتملكك القناعة نفسها، قناعة أبو عادل:
والليل مهما يطول مده مع جزره
لابد له من صباح ابيض من البلُّور(2)
طبعا، أنت لا تدري كم سوف تعيش هنا، ربما بقية عمرك. ليس هذا هو المهم على أي حال، المهم هو: كيف تعيش. ما الذي يعطي للحياة معناها. لا يوجد مكان جميل وآخر قبيح، نحن من يعطي المكان هويته ومعناه وجماله، لكنها المدينة تبدو جميلة شئت ام ابيت.
 وأخيرا ها أنت في بيت يسمى بيتك. بيت صغير. أي معنى ومن سيفهم معنى أن يكون لواحد مثلك بيت، حمام، غرفة نوم، صالة جلوس واستقبال. ولا في الأحلام. السؤال الذي يجوس خلال دماغك: ما الذي سوف تعمله في هذا البيت؟ ما الذي سوف ترسمه على الجدران؟ تكتب؟ أي ذكريات سوف تتبرعم في هذا البيت؟
إنه يومك الأول خارج السجن والوطن. الساعة العاشرة والنصف. يجيء الأصدقاء دفعة واحدة. هي المرة الاولى تقابلهم بدون شروط العسكر , يبدو ان عليك ان تستعيد قدرتك على الحياة بدون عسكر , يغشاك تعب لا راحة منه. كأن كل ما أصابك قد كمن فيك، وهاهو ينفجر في هذا التعب المتفق من أعماقك ومن جميع أعضاء جسدك. المدينة هادئة وادعة، تقول لنفسك وتجول عيناك في زوايا البيت وامرأتك، في أية زاوية يكون الصهيل.

6

تشعر بخفة غير عادية، تتحسس وزنك الذي كان قبل أن تستحمم فلا تجده؛ كنت قد عدت من عند الحلاق حينما دخلت الحمام لتعرض نفسك لدش ساخن طويل تخرج على إثره مجدداً إلى… البدلة، لباس جديد من أصغر قطعة حتى الشال الذي ستطويه حول عنقك. وهذا الإحساس بالخفة إلى الحد الذي تسرع معه إلي حيث تحتل المرآة مساحة ما من جدار الغرفة التي حللت فيها في البيت “الموقوف” على أمثالك. خارجا من سجنك الطويل، لم تعد تتذكر كم قبعت فيه، وأمام المرآة، الطامة، تصعق وأنت لا تكاد تتعرف على نفسك. تصيح ببطء أولا ثم بصوت عال: ضيعت وزني، ضيعت وزني ياناس، ضيعت نفسي؟، واقفاً ببلاهة أمام المرآة، ونفسك “الضائعة” أين عساها تكون سقطت منك؟! أين يمكن أن تجدها! قرع خفيف على الباب. زوجتك تتأملك مبتسمة. تفاجئها بالسؤال عن نفسك. لا تفهم للوهلة الاولى. تضحك وأنت تنهي إليها خبر فقدانك نفسك، ثم يداخلها الخوف متسائلة عما إذا كنت قد فقدت اتزانك. هذا ما تخمنه وهي تهرول خارجة قبل أن تعود ومعها صديقة، تتأملانك من رأسك حتى أخمض قدميك، وتتضاحكان فيما تقف أنت مشدوهاً بينهما وبين المرآة التي لا تستطيع النظر فيها وتكتشف عبرها ضياع نفسك. تتبادل المرأتان نظرات غير مفهومة، وتتندر الصديقة ضاحكة قائلة: “ابحث عنها في جيبك”. ترد تكرر الإجابةعلى السؤال الغريب: “ابحث عنها في جيبك. ربما تكون وضعتها فيه ونسيت” تطلق ليديك العنان لا شعوريا لتجوبان خلال جيوب “البدلة”. لكن الثياب جديدة أخرجتها للتو من أغلفتها. تكلم نفسك بصوت مسموع يحضهما على مزيد من التعليقات الظريفة: “ابحث في جيوب الثياب القديمة – ما كنت تلبسه قبل هذه البدلة – تهرع إلي حيث كنت قد كومت أطمار السجن البالية. تفتش جيوبها بكل دقة وصولا إلي المكتوب الذي كنت قد وضعته في إحدى الجيوب السرية لمعطفك البالي والقديم قدم مكوثك في السجن. تخرجه، تبدأ بقراءته فتحس بتيار يسري في كيانك ينعشك. تقترب بالمكتوب من عينيك بنشاط وجذل. يزداد إحساسك بتدفق التيار في خلاياك، يتراكم داخلك، يعيد إلى ذهنك لحظة شعرت فيها بالخفة، واقفا أمام المرآة ببلاهة – وكأنك أضعت نفسك. تيار المكتوب يجري فيك. تحس بالامتلاء يعاود التسرب إلى كيانك. تتحول إلى وضع الجلوس، شيئا فشيئا، حتى استوائك واقفا. قطرات كثيرة وحارة من العرق تنهمر من كل أنحاء جسدك. المرأتان واقفتان تحدقان فيك: “كأنك مستحي، هه، مالك؟” لا تجيب. أحمد يدلف قادما من مكمن ما من مكامن الذاكرة – باسماً. آثار التعب والعجلة بادية عليه. عندما علم بخروجك من السجن جاء للتو جاء على عجل، يستغرب ما يرى ويسمع قبل أن يجلجل بضحكة طويلة، عيناه مفتوحتان على اتساعهما عليك. “أنت الآن هنا. استيقظ، مالك، الحمد لله على السلامة”. ما يزال الحياء مستوليا عليك فيما تيار المشاعر بكليته يتدفق فيك وكأن نفسك شعرت بفقدان ذاتها. ها هي تعود إليك لتكتشف أن لحظة من لحظات الزمن تحررت من سياقها مرحلة من حياتك. ها هي تحلق لا تدري متى ستهبط بك على مكتوب من علو خمسة عشر عاما.

7

يحتل المدينة صمت القبور. تحاول الخروج – إلى أي مكان – فتعود هارباً من وحشة إقفار “المدينة” والصمت الذي يرين عليها إلى حيث تجد الزوجة مشغولة بأمر ما. تحاول الاتصال فتنتهي المكالمة دائما ً – عن هذا الحزن الذي تحس به يأكلك من الداخل. يبدو أن عليك أن تفهم أن أحداً لا ولم يعد ينتظر إيابك. والظاهر أن عليك أن تبدأ حياتك من جديد. ينبغي أن تمتلك الشجاعة لأتخاذ قرار أن تبدأ حياتك من جديد ” وكأنك يا بو زيد ما غزيت “. محاولة أخرى وتعود منها – المكالمة – إلى حيث تجد الزوجة منفعلة. تهرب إلى الكتابة. تكتب: “امتلاك إرادة الحياة المشتركة. ها ما يجب أن يكون قرارنا! لا أحد غيرنا على استعداد لأن يتقاسم معنا الهم، فعلى ماذا نراهن؟ يجب أن نراهن فقط على قوانا الذاتية وعلى مستقبلنا الذي يجب أن يرتبط من الان فصاعدا…. “حلوة: فصاعدا”، تذكرك بالذي كنت قد نسيت!، تتوقف عن الكتابة لتواصلها في وقت لاحق. تكتب: “الحياة وامتلاك إرادة ممارستها من جديد لم يعد يعني أن ثمة إطارا اجتماعيا من نوع ما يستوعبها، حتى الوطن. أصبحت الحياة بالنسبة لك ممارسة ينفتح أفقها متسعاً ليشمل العالم كله أو يضيق إذ يضيق إلي وحشة الموت البطيء داخل “ذاتكـ” وهي تستحيل قبرا عليك أن تقاومة بامتلاك إرادة أن تحيا من جديد “لولا أن هاجس السؤال لا يريد أن يتركك وكأن عيك أن تواصل الحياة داخل السؤال، السؤال فحسب. تكتب:
ما الذي أتى بك إلى هنا؟
ما الذي حملك على الرحيل الى أقاصي الأرض؟
ما الذي خلفته؟
ما الذي ستستقبله؟
وما الذي سوف يأتي من جديد؟
تتحسس البدلة منتبها الى كونها جديدة، جديدة وكبيرة أكثر مما ينبغي. وتتذكر قسطنطين كفافي، كأن عينه كانت عليك مصوبة وهو يكتب: “ستؤدي بك السبل دائما الى هذه المدينة فلا تأملن في فرار، إذ ليس لك من سفينة، ولا من طريق. وكما خربت حياتك هناك، فهي خراب أنى ذهبت”.
عندما جاؤوك كان كل همك قد اختزل إلى العثور على مكان، و”لحظة أمان”. قلت حينها سأرقص “وغني لك تمام، يا راعية، في عيد ميلادك، مخاضك الجديد. هذا مخاض ثانِي”.

8

عندما جاؤوك كان كل أملك قد اختزل إلى العثور على مكان، و “لحظة صداقة “، قلت في حينها “أريد أن أجلس…ها مع أناس أثق بهم، ويبادلونني الثقة نفسها، نتجاذب أطراف الحب والصراحة، ونخوض في أشواق توحدنا، وهموم تشوينا معاً في تنور الوطن.
وسرعان ما تكونت لديك صورة وردية عن أن مكانا بعيدا تأوي إليه بحلمك، غنيا بما ينبئ به من استقلال عن أي ارتهان لقوى الظلام التي تتربص بك، جميلا بناسه الوادعين اللطاف، وإنسانية تضج بالمعنى، ونسيج نظام مفارق لأي نظام.
كنت متعباً -عندما جاؤوك- وما كان يمكنك أن تتخيل إلا أن ذلك المكان بعيد جميل بطبيعته وناسه الوادعين اللطيفين. قلت لنفسك: “هذه محطة مهمة لتجديد الطاقة، وقد تكون قاعدة متينة لحياة جديدة متصلة بالعالم انطلاقا من مكان بعيد، هادئ، جميل بناس طيبين، وكأن هذا المكان في ما وراء الحلم.
عندما احتفلوا بوصولك قال كبيرهم: انتظرناك طويلاً، ولم يكن بمقدورك أن تفهم –حينها– لماذا انتظروك. كان لابد أن يمر وقت قبل أن تعرف. لكنك سرعان ما تذكرت لحظة جاؤوا ليعتقلوك أول مرة قبل سنين طويلة ولم يكن قد مضى على عرسك أكثر من يوم، تثاقلت في الخروج إليهم، خافوا، انتشروا، وقبل أن يتموا انتشارهم فاجأتهم بالخروج مبتسماً وأنت تتمتم “اعتقدت أنكم جئتم للتهنئة بالعرس”…قف مكانك… ارفع يديك… تفتيش سريع وغليظ وقد أصبحت محاطاً بهم…، ثم إلى السيارة التي ستقلكم إلى هناك، إلى حيث كان يجلس خلف الطاولة في المكتب الفخم، ألقى عليك نظرة يبدو أنه امتهنها، وربما تدرب علي أدائها قبل أن يلقوا بك أمامه ليتطلع فيك قبل أن يقول: “انتظرناك طويلاً”، ثم وبلهجة المنتصر وعيناه ما تزالان مصوبتان نحوك: كنا متأكدين بأنك “يا طير لابد واقع في الشبكـ”. لم ينتظروا. ربطوا عينيك بعصابة وقيدوك بمرود حديدي لتبدأ أولى جلسات التعذيب، لا تحب أن تتذكرها لولا أنها تلح على ذاكرتك بأكثر مما يلح على خاطرك سؤال اللحظة الراهنة مقطوعاً بسؤال يلج الآن دولاب تفكيرك حول معنى انتظارهم وما العلاقة بين الانتظارين! لا بد من مرور وقت ضروري قبل أن تعرف. تقول لنفسك وتواصل السير. الحلم. الشعر. والشارع أمامك فارغ، لا أحد هناك،
 الطقس بارد.
 لا أحد.
 في المساء ترجو الصباح….
 وفي الصباح تحث الخطى عائداً إلى تحت الغطاء الثقيل

9

يبدأ المنفى بالحساب. بالأحرى، يبدأ بالسؤال: ما ذا عليك أن تعمل؟ بل ما الذي ينبغي أن تعمل؟ تستحم، تأكل ما تيسر. على عجل ترتدي ملابسك وتخرج…… يقابلك الشارع بفراغه، الطقس ببرودته. ثمة أشجار، ثمة من يمشي بتؤدة أو على عجل، سيارات تمشي مسرعة. تتذكر كيف كان صوت السيارات المارة في الجوار يفجر فيك بركان حنين، هناك حيث كنت في الزنزانة الرطبة الموحشة. كان صوت السيارات هو الصوت الوحيد الذي يذكرك بأن الحياة تجري بدونك، أنت الذي استيقظت للتو من نوم عميق – ربما غيبوبة – بعد ليل طويل من التعذيب والتحقيق الذي كان في كل ليلة لا ينتهي بشيء سوى أن جولة جديدة لابد أن تبدأ في المساء القادم. ها هي السيارات في الخارج تجري، والناس أيضا، وأنت تنتبه على من ينظر إليك باستغراب وأنت تحث الخطى في الشارع الطويل النظيف المرتب، والمقفر. تقف. تتذكر بأن عليك أن تمشي على مهل، بطريقة مهيبة، خليقة بمنفي يبدأ يومه بالسؤال، السؤال المضني: إلى أين؟ وما الذي ينبغي أن تعمل…أو لا تعمل؟ , تتحسس جيوبك وكأنك تتحسس جراحا غائرة فيك، وتتذكر بأن الممكن محسوب بدقة لإبقائك على قيد الحياة. تواصل حساب البارحة: كم أنفقت، وكم يبقى. كم عليك أن تقطع هذا الشارع كل شهر، وكم عليك أن تنتظر حتى تمسك بصورة ذهنية أو واقعية تصلح مطلعا لقصيدة أو خامة لقصة أو مقالة يمكنك كتابتها! , تواصل الحساب والسؤال والمشي والتذكر والتوقع ومراقبة ذاتك في عيون الآخرين وفي ميزان ما ينبغي “لملعون” مثلك أن يعمله أو لا يعمله. تتذكر كيف كنت حراً في أكثر الزنازين رطوبة ووحشة، وكيف أنك توشك أن تضيّع هذه الحرية وقد أصبحت مالكها كما يقال، وأسيرها كما تقول لنفسك في أحيان كثيرة، هل هناك بالفعل حرية؟! تتساءل في نفسك وأنت تمر أمام “الدائرة…”، أو وأنت تبحث في جيوبك عما يكفي لاحتياجات الأسبوع القادم، أو الذي سيأتي بعده. تواصل الحساب، تواصل السؤال، تواصل السير في شارع عفاد الطويل، الشارع الذي يوغل فيك كالخنجر.

10

تسير كأنك لست الذي يسير. داخلك مشانق، عسس تجوب، جلسات تحقيق وتعذيب تأسست داخلك وكأنها باتت جوهر بنيتك، خوف، خوف، خوف من الآتي لا تعرف كنهه، وخوف من الماضي وقد تحول داخلك إلى أشباح لكل منها لغة. يتمدد داخلك كون من لغة. صوت الجلاد ما زال يرن في أعماقك، ينافس مداعبة أمك للطفل الذي كنته قبل أن تتخطفك المدينة بسطحها الغريب عن هويتك، غريب عن شجيرات روحك، مخيف مرعب كغول تاه في كل براري الارض بحثا عن ما ومن يتقمصه قبل أن يحط الرحال فيك، جوعاً إلى ما لن تجد ما تقتات به حتى ولو فضلة من طعام، عطشاً إلى ما لن تجد ما يبلل جفاف روحك منه حتى ولو شتيمة قذرة.
تسير وكأنك لست من يسير، داخلك مذاهب وطوائف، رجال ونساء، سادة وسفلة، وصراع غوغاء يحتدم أحيانا حتى لا تكاد تسمع شيئاً من فرط ضوضائه، ويخفت أحيانا أخرى حتى حدود التلاشي فلا تعود تسمع سوى شخير القائد الاعلى للقوات المسلحة.
تسير وكأنك لست أنت من يسير بل “داويه وهدار”، ما عساك تعمل بكل هذا الصراخ المتفجر داخلك؟ إلى أين تتجه؟ من أين تنطلق؟، بل إلى اين ينطلق بك كل هذا الصراخ: عربات، باعة متجولون، سوقه، سماسرة، قضاة، جلادون، مخبرون، حزبيون، سيّاح، مشردون. إلى أين تسير أو يسير بك كل هذا؟ تلفونات، لقاءات، مقابلات، تلفزيونات، حروب، حملات صليبية، جهاد في سبيل الله، في سبيلك، ضدك، من دون أن تدري. وتدري. أوراق نقد في الجيوب كأنها من جلود أناس تعرفهم، تجلهم أو تمقتهم. أناس تحبهم حتى البكاء على هذه الحالة التي باعدت بينكم، قاربت بين ما لا يقترب من بعضه البعض، وتداهمك بعنف يثير في داخلك الإحساس بالحاجة إلى الصمت، تلح كأنها تريد منك التحول إلى حجر.
تقف فتتورم، كيف حدث ذلك؟ تكتشف أن عمليات التمثيل الغذائي والفكري مع وقوفك صارت في ذاتها ذاتك. تتبادل ذاتك والمواد. تقف فتصير طفيلياً رخوا. رخاوة تدفعك إلي حيث تصبح هلام في حاجة إلي من يحملك. لا ينبغي لشيء أن يوقفك – هكذا تقول لنفسك او في نفسك – ومع ذلك فكل شيء يحملك، يتقاذفك. تصير ريشة في مهب الريح. كأنك محتاجا إلي ما يوقفك. تقف. تسير. تسلم نفسك للمجرى أم تطير هكذا تتساءل في نفسك – ومع ذلك تسير في كل موقف خطير وكأنك لست من يسير. داخلك جنون. تتعارك مع طابور من السفلة. كأنك بهم سيجهزون عليك بعد قليل.

11

انتظار. ها هو العمل من أجل الخلاص يصبح ديدن حياتك، دون أن تعرف ماهية هذا الخلاص ماهية أو من ماذا وكيف.
– مشكلة!
تتساءل: أثمة خلاص؟… ومم؟… ولا تكف عن التساؤل. أسئلة تصطدم وأنت تبحث عن إجابات في وجه جدار صلب، شاهق، طويل، عريض، ها هي زنزانتك المرة تتحجر في ناظريك وكأنها فيك يتأبد!
كأن العمل من أجل الخلاص هو الخلاص ذاته: تقول لنفسك وتواصل المشي في المتاهة/ السجن، المتاهة/ الزنزانة الحفرة، المتاهة/الحرية، المتاهة/ الخلاص غير الممكن إلا في ما تأتيه وتعمله في سبيله دون أن تصل، دون نتيجة، أو ربما بلغت نتيجة غير مقدر لك إدراكها، نتيجة تنتظر شخصا آخر من جيل آخر يكتشفها فيما أتيته أنت وعملته دون طائل، كما تفعل الآن.
وكأن عليك فقط أن تعمل من أجل خلاص يحررك من إدمان الانتظار والعمل من أجل خلاص أصبح ديدن حياتك وطاقة حركتك اليومية من لحظة الاستيقاظ على السؤال إلى أن تنام على أمل أن تستيقظ صباح يوم آخر لتواصل المشوار، مشوار البحث عن خلاص تحتاج إلى من يحررك من إلحاحه اليومي، الإلحاح الأعمى، الإلحاح الوجع، الإلحاح الذي يحيلك لقمة في فم وحش الموطن الخرافي الذي لا يرحم.

* شاعر يمني – النرويج

– هامش:
(2) أبو عادل شاعر شعبي ممن شاركوا في الدفاع عن الجمهورية في اليمن وكان من جرحى التصدي لحصار صنعاء الذي تواصل سبعين يوما، من 30 نوفمبر 1967 حتى 8 فبراير 1968، وهذا البيت من قصيدة شعبية اشتهرت في تلك الأيام.