محرقة الأطفال ومثقفي العكبار – يحيى سعيد السادة

محرقة الأطفال ومثقفي العكبار – يحيى سعيد السادة

السبت من كل أسبوع في مدينة إب هو يوم مختلف عن بقية الأيام لا أدري إن كان هذا الإختلاف في بقية المحافظات من حيث الإزدحام وتأجيل الناس أعمالهم ومشاكلهم ومناكافاتهم إلى هذا اليوم. حتى حالات المرض التي لا تستدعي التأخير أو التأجيل نجدها كذلك. حالات الاستنفار تعلن في العيادات والصيدليات والمستشفيات الخاصة وأقسام الشرطة والمحاكم ومكاتب الدولة والقطاع التجاري والمهني استعداداً لهذا اليوم فالكل يترقبه بفارغ الصبر وقد سن كلٌّ سكينه بإتقان. أول معاناة يلاقيها الوافد إلى هذه المدينة سواء من القرى أم من المحافظات الأخرى، التوقف عند المداخل وإذا ما قدر له الخروج منها فإنه لا يجد مسلكاً للوصول إلى غايته سوى أن يسلك احد شارعين إما شارع تعز وإما شارع العدين. هذان الشارعان مصدر حركة سكان المدينة التي يصل تعداد سكانها إلى أكثر من مائتي ألف نسمة ضف إليهم الوافدين من خارجها. لقد قدر لي أن أكون في هذا اليوم التعيس أحد الواقفين في شارع تعز إنتظاراً لوسيلة نقل.
الساعة الثانية عشرة ظهراً. الشمس عمودية. وجهتي وسط المدينة. الكل يزحف نحو هذا الاتجاه كالنمل في موسم الحصاد بما في ذلك فرق الشحت ومن كل الألوان إذ أصبحت هذه المهنة ظاهرة مألوفة في ظل تنامي الجوع والفقر وازدياد عدد العاطلين والمقعدين عن العمل لا سيما الأعداد الهائلة التي تنزح من القرى إلى المدينة طلباً للرزق أو المساعدة. لقد تردد الكثير في ممارسة مثل هكذا مهنة إلا أن الفاقة والعوز قد حرر الكثير من هؤلاء بكسر الحاجز النفسي بل وتخطاه البعض إلى أبعد من ذلك، كون تشبثهم بالحياة وأطفالهم هو الدافع الأساسي لخوض هذا المعترك غير المتكافئ بين إنسان يلهث وراء رغيف العيش وقلة يحصدون الملايين وهم على كراسيهم تحيط بهم أجهزة التكييف ووسائل الترفيه المتنوعة منطلقين من إدمانهم على السطو على كل شيء. هذا الإدمان الذي أفقد البعض آدميته وجرده من الإحساس والعاطفة حتى وإن رأى هؤلاء المحتاجين أو سمع بهم فإن رؤيته ضبابية وسمعه مشوش كونه أصبح مجرد وعاء إختلت فيه كل الحواس. إذ كلما تصلب الميسورون سواء كان مالهم حلالاً أم حراماً، تجاه هؤلاء المعدمين نجد أنفسنا أمام طرق وأساليب جديدة للشحت.
فلقد استوقفني كثير من المناظر المزعجة وبمرور الوقت تعودت عليها لقناعتي في الأخير أن استمرار حياة هؤلاء وأطفالهم تبرر ما يقومون به من عروض. إلا أن ما رأيته في هذا اليوم التعيس هو فوق طاقتي النفسية إذ أن المنظر مخيف ومقزز يسترعي إيقافه ووضع خط أحمر لهؤلاء يمنع عليهم تجاوزه. لقد رأيت اطفالاً محروقي الأوجه وكأنهم حديثي الخروج من الأفران. فجأة تذكرت ما قاله لي أحد الأصدقاء من أن دهانات توضع على الجلد ثم يوضع عليها مادة تسمى الجنشيان الأزرق وهو خاص بالحروق فينتج عن ذلك تشوه يبدو وكأنه احراق بالفعل. تمنيت صحة هذه الرواية كون البديل هو المخيف فيما إذا كان الآباء أو خاطفو الاطفال يقدمون على حرق هؤلاء الأبرياء بغية ا لكسب القذر. عندها تكون اللحظة مواتية لأن يجف الحبر ويتمرد القلم على عاشقة وتصبح الذاكرة بحيرة جافة.إذ لا يقوى الإنسان الذي تغلب على تكوينه العاطفة والأحاسيس والمشاعر على التعايش مع مثل هذا الإنحدار خاصة إذا ما تكررت هذه المناظر في كل خطوة يخطوها وفي أي اتجاه يسلكه. لقد دفع بي هذا المنظر إلى داخل أحد الباصات ويطلق عليه «العكبار» وكان مكتظاً. لا أحد شعر بدخولي بما في ذلك من قدر له أن أكون ملتصقاً به مستغلاً نصف مقعد. استعنت بقدمي اليمنى لاستند عليها محاولاً إزاحة هذا الجار بقدر الإمكان إلا أنه لم يتزحزح قيد أنملة إذ كان عليه الدور بالتنظير والتحليل لمختلف القضايا ومنها المحلية. لقد صور لنا الوضع الداخلي بأنه أمن وأمان وخير مستدام لا فقر ولا بطالة والكل ينعم بخيرات الوطن مبشراً الجميع بما فيهم السائق بالرخاء والرفاهية. إلتفت إليه ودققت النظر فيه وجدت النعمة غير بادية عليه. سكسوكته لا تتناسب مع شحوب وجهه، هندامه غير متجانس، ورباط عنقه بكل ألوان قوس قزح. رغم كل ذلك فقد شد انتباهي عندما تحدث عن النفط بأن خيره قد عم الناس جميعاً محدداً إنتاج اليمن من هذه المادة بمليار وسبعة ملايين برميل سنوياً. الححت عليه إعادة قراءة هذا الرقم كوني تذكرت هذه الكمية عندما كنت أراجع لإبني في مادة الجغرافيا الصف التاسع صفحة (55) وجدت هذا الرقم بالفعل مدون كتابة وليس رقماً بحيث تحفر هذه المعلومة في ذاكرة التلاميذ. حينها قلت لنفسي: هذا هو مؤلف الكتاب بشحمه ولحمه، ما لم فهو بلا شك كبير خبراء النفط في اليمن جاء إلى هذه المدينة متخفياً بهذه الثياب. نزعت الموبايل من غمده وبدأت أقسم الرقم على أيام السنة. كم سررت عندما رأيت الناتج اليومي من ثروتنا مليونين وسبعمائة وثمانية وخمسين ألفاً وتسعمائة وأربعة براميل يومياً. في هذه اللحظة عادت بي الذاكرة إلى قوافل المحتاجين ففرحت لهم كون هذا الناتج حتماً سيحل مشاكلهم ويعيدهم إلى وضعهم الإنساني.. إلا أن سعادتي لم تكتمل فما أن وصل العكبار إلى محطته الأخيرة وهممنا بالنزول إذا بالعالم الجيولوجي يصر على النزول أولاً وما إن وضع إحدى قدميه على الأرض حتى اختل توازنه فوقع على الأرض جثة هامدة. نزلنا جميعاً وتجمع الناس حوله ورششناه بالماء وما إن تحرك حتى نطق بصوت مرتجف أنه جائع ولا يجد ريالاً واحداً في جيبه!! عندها أيقنت أن هذا المسكين ليس بمسؤول بل مجرد ضحية هذا الرقم فلقد أحسن التنظير ولم يحسن القفز فوق هذه المعلومة كما يحسنها ابناؤنا في المدارس ومدرسوهم والقائمون على التعليم. فجميعهم يجيدون رياضة الوثب الطويل وإلا كان قد اختل توازنهم ووقعوا كما وقع هذا العالم.