حضرت اللجنة، وغاب المستشار الثقافي محاكمة غيابيّة تفضي إلى النسيان! – مروان الغفوري

حضرت اللجنة، وغاب المستشار الثقافي محاكمة غيابيّة تفضي إلى النسيان! – مروان الغفوري

وصلت إلى القاهرة، منتصف الأسبوع الماضي،اللجنة المكلفة بالتحقيق مع المستشار الثقافي اليمني في مصر، بخصوص الشكوى المنشورة في صحيفة “النداء” بتاريخ 20/12/2006م. يترأس اللجنة مدير عام البعثات، وبعضوية كلّ من: مدير البعثات السابق، ومدير عام الرقابة والتفتيش في زارة التعليم العالي. وفي اجتماعها بالدارسين في الجامعات والمعاهد المصريّة، في نادي الشباب اليمني، عرضت اللجنة نسخة من صحيفة “النداء”، متضمّنة نص الشكوى المرفوعة إلى وزير التعليم العالي، ورئاسة الجمهورية، وجهات أخرى حقوقيّة وإنسانيّة. والأسماء الموقعة عليها، وعددها 133. وقد أصر رئيس اللجنة، في بداية اللقاء المفتوح مع الطلبة مساء الخميس الماضي، على عدم السماح لأي طالب أو باحث لم يرد اسمُه في الصحيفة، بالتدخل. مبرّراً موقفه بأنه يعمل وفقاً لتعليمات الوزير. بيد أنه عاد فسمح للجميع، مشمولين بالتوقيع وغير موقّعين على الشكوى، بالحديث.. متسبّباً في فتح نافورة من الشكاوى، جعلت من المشاكل المنشورة في الصحيفة تبدو كما لو كانت خدمة من فئة الخمسة نجوم، مقارنة بما تسمعه اللجنةُ، الآن، دون رقابة ولا وسيط ثالث.
في المحاكمة العلنيّة، تلك، سيطر الطلبة على مجريات اللقاء تماماً وأجبروا اللجنة على تدوين كل ما يسمعونه، بنصّه، واصفين ما يحدث لهم بأنه هولوكوست من النوع المسكوت عنه، وأن المسؤولين عليهم هُناك في مصر ليسوا إلا نازيين صغاراً، طبقاً لأحد الحاضرين بصوت خفيض ومهتز.
وفي يوم سابق للقائها الموسّع بالطلبة، اجتمعت اللجنة بالمستشار الثقافي ومساعده المالي للتحقيق معهما حول ما جاء في البيان المنشور في صحيفة النداء.وفي حين اكتفت اللجنة بإبلاغ الطلبة والدارسين رفض الملحقية الثقافية لجملة وتفاصيل ما ورد في بيان الشكوى، وإصرار المستشار الثقافي على تفسير القضية بالمكيدة السياسيّة، فإن أعضاء في اللجنة استنكروا إصرار المستشار الثقافي على الابتعاد عن الحديث التفصيلي في مواد البيان واكتفائه باتّهام طلبة، وصفهم بأنهم من ناشطي اللقاء المشترك، بالوقوف خلف هذه “المكِيدة السياسية”.. وفي ختام أول لقاءاتها، اتفقت اللجنة والطلبة الحاضِرون، على لقاء ثانٍ، مساء الأحد، شريطة أن يحضر المستشار الثقافي لكي يبدو اللقاء أكثر معقولية، ولئلا يكتفي المستشار بمعرفة ما يدور عن طريق بعض المتطوّعين من الكتبة، وحسب. بيدَ أنّ اللجنة حضرت مساء الأحد، في غياب المستشار الثقافي. وفي أول مداخلة حادة، علّق أحد طلبة الدراسة العُليا، على هذا الغياب غير المبرر وغير المُعتذر عنه، بأنّه تأكيد عملي على صحّة ما جاء في الشكوى. وختم كلامه بالقول: “هكذا يتعاملون معَنا، و دائماً بهكذا استعلاء وإهمال يردّون على مشاكلنا وطلباتنا”. وتالياً لهذه المداخلة تفاقمت خلافات ومشادات بين الطرفين، اللجنة والطلبة.. وبدورهم، وصف الطلبة لجنة التحقيق بأنّها تبدو كفريق وساطات لا تعرف، بالتحديد، مهمّتها الحقيقيّة. وبعد سؤال مباشر تقدّم به أحد الدارسين، وهو عضو هيئة التدريس في جامعة صنعاء، إلى اللجنة: هل بعد سماع المشاكل سيطّلع الطلبة على ما تم حلّه وما تم ترحيله إلى الداخل؟ أم أن القضية ستدخل في ملفّات، ومنها إلى سنوات؟ ولم ترُد اللجنة على أسئلة شبيهة، بغير القول بأنهم سيرفعون توصياتهم إلى الوزارة التي بدورها ستتعب قلبها في متابعة التوصيات وعمل اللازم. الإجابة التي رآها الطلبة مائعةً، كون اللجنة في الأساس تشكّلت بعد أربعة أشهر من نشر الشكوى عبر صحيفة “النداء”. المعنى الذي يشي بعدم جديّة هذه الاستجابة. وأن تأخير البتّ فيها بهذه الصورة، وموقف المستشار الثقافي منها ورفضه حضور اللقاءات المفتوحة، ينبئ بفشل المهمة برمّتها. فهو، أي المستشار، يتحدّث لمقرّبيه عن كونه الرجل المسنود بأكثر من جهة عُليا، وأن اعتماده على نظرية المكيدة السياسيّة يدفع بجهات نافذة في الداخل إلى الوقوف في صفّه بحماس. هذا فضلاً عن نجاحه في استقطاب مجاميع من الطلبة، يقولون إنهم يمثلون الحزب الحاكم، للوقوف معه ورفع بيانات مضادة لشكاوى الطلبة إلى الداخل، وللجنة التحقيق كذلك، بأن الوضع عال العال، وكلّه تمام يا فندم.. مقابل تزكيات إكرامية يرفعها المستشار، من جهته، إلى الداخل مطالباً قيادات عُليا في الحزب الحاكم بالوقوف مع “سين” ضد “صاد” في انتخابات فرع المؤتمر في مصر. ويبدو أن نظرية كرة النار، وثقافة شيلني وأشيلك، ستتسببان – كالعادة – في تمييع المشكلة الحقيقية التي يعانيها مئات الطلبة في مصر، لدرجة سمحت لكثير منهم بوصفها بالمحرقة، والهولوكوست.
جدير بالذكر، بالمناسبة، أن روايات كثيرة، يتم تداولها علناً، تتحدّث عن شكل ما من أشكال الحرب الباردة، بين السفير اليمني في مصر، والمستشار الثقافي، تجري معادلاتها تحت طاولة الدبلوماسية الناعمة. كما يمكن تفسير هكذا صراعات، لم تعُد باردة ولا هي تكهّنات في حقيقة الأمر، بتجاهل المستشار الثقافي، المستمر، لمشاكل الطلبة على الصعيد الإنساني والدراسي، وحتى الأمني والمعيشي. الأمر الذي يضطرهم إلى التكدّس على باب السفارة، محدثين درجةً (ما) من الإزعاج الخشن لوجدان سفير مشغول بتحويل السفارة إلى منتدى للثقافة البرجوازيّة، وتبادل الإصدارات الإبداعية – فخمة الطباعة. وإذا كان شيءٌ ما بمقدوره أن يؤيد رواية الصّراع هذه فهو تلك الانشقاقات والتربيطات التي أفرزت مواقف متناقضة لقيادات فرع المؤتمر تُجاه شكوى الطلبة ضد المستشار الثقافي.. وفي المشهد الكلّي للحكاية يبدو الطلبة المساكين، المشمولون بالمشكلة وغير المستفيدين من أدوار الفيد العُليا فيها، يبدون كأحصنة طروادة يعْبر عليهم أمراء حرب المصالح، وحسب. وكان كثير منهم ندموا على حضورِهم مرّتين للقاء اللجنة، دون طائل، بالقول: “يا قلبي لا تتعب قلبكـ”.

– القاهرة