الفنانة التشكيلية والناقدة آمنة النصيري لـ«النداء»: أرى نفسي كفنانة إنسان لا كفنانة أنثى.. والشعر أقرب الفنون إلى التشكيل

الفنانة التشكيلية والناقدة آمنة النصيري لـ«النداء»: أرى نفسي كفنانة إنسان لا كفنانة أنثى.. والشعر أقرب الفنون إلى التشكيل

 

قدمت فنانة التشكيل اليمنية آمنة النصيري في معرضها الأخير جديداً لافتاً وانتقالة نوعية في بنية اشتغالها الفني.
إذ عملت على الحالة اللونية وما فيها من تكثيف واظهار بروزات عن طريق التحكم في العجائن، وذلك بغرض كسر حدة السطح. ويترافق كل هذا مع التصور الذي كانت تستبقيه للصورة.
وعن معرضها الأخير (تحليق في فضاءات الروح)، قالت النصيري إن هذا المعرض شكل تحولاً وانعطافاً في تجربتها وكان ذلك على مستوى اللون وشكل المعالجة نفسها.
وهي أصبحت أكثر حرية في التعامل مع اللغة الملونة وأكثر شفافية كما وهناك المزيد من الاختزال داخل اللوحة. عن هذا التحول وأشياء فنية ونقدية أخرى التقى الزميل أمين الورافي من «النداء» آمنة النصيري وكانت هذه الحصيلة:

> تمكنت في تجربتك من بلورة طابعك الفني الذي صار يميز أعمالك، فهل هناك ملامح خاصة يمكن تحديدها لكل مرحلة أو معرض على حدة؟
– أعتقد أن اشتغالاتي التشكيلية حتى مع مرحلتها زمنياً فيها ملامح مشتركة عامة، مثل اهتماماتي باللغة اللونية سواء أكانت عبر إستخدام الدرجات الصارخة والحادة من اللون، أم تحولت إلى شفافية وضبابية وتعقيد اللون. كما أن الطرح الفلسفي والانتقال بالموضوعات والمضامين من وجودها الراهن والمؤقت إلى البعد الرمزي والمعاني الكلية، هذه سمات أرى أنها تظل موجودة في التجارب. إلا أن هناك بعض التحولات التي تميز مرحلة عن غيرها، وكذا إشتغالاتي على قضية ما من كل مرحلة. ففي معرض «كائنات»، تمثلت التجربة عالماً رحباً من مختلف الكائنات التي يتم استدعاؤها من الإرث الفني المحلي والإنساني عامة. وكذلك من الأسطورة، ومن المعطى الواقعي.. وبالطبع كانت لي رؤيتي الجمالية والفكرية التي أردتها من خلال هذه التجربة.
في المرحلة الحالية.. ربما لاحظ المشاهدون أن التكثيف اللوني والعجائن التي تصنع الغائر والبارز في الشكل والهيئات التحتية للأشكال المختلفة، هذا الطابع قد تراجع لأنني سعيت لتحقيق معالجة لونية مغايرة قاصرة على تشفيف اللون وإعتماد الدرجات والتراكيب الفنية التي تخدم الحالة المعبر عنها. وفي الأعمال نفسها بدلاً من زحام التفاصيل، أصبحت الفضاءات الملونة أكثر اتساعاً.. وهكذا. في مرحلة وسط بين هاتين التجربتين ظهرت الحروفية والآثار التي يخلفها القدم والأيدي على الجدران العتيقة.. وهنا حرصت على التقشف في اللون وفي التفاصيل أيضاً. كان موضوعي هو الأثر.. فحاولت التعبير عنه بشكل فني يناسبه.
وإن أردت الحقيقة، أنا الآن فقط أحاول استيعاب التجربة وتصنيفها بمنطق الناقد، وأجد صعوبة في التقاط التفاصيل والملامح كاملة؛ لسبب بسيط وهو أنني أثناء التجربة أعمل بتلقائية بالغة، وإن كنت بالفعل أضع لكل مجموعة من النصوص مشروعاً معين إلا أن كيفية صياغة الصورة مسألة غير محسومة ذهنياً.
> ما هو سر شفافية اللوحات، والصفاء الذي يُغلف أجواءها، ووضوح اللون إلى حد إعتماد الألوان الصريحة في بعض الأعمال التي تصبح ذات روح طفولية؟ هل تجدين تفسيراً لذلك؟
– الحالة اللونية التي أشتغل عليها غالباً هي جزء من المشروع الذي تقوم عليه التجربة. ولهذا عندما أختار تكثيف اللون والعجائن لصنع البروز في الأشكال وكسر حدة السطح يترافق ذلك مع التصور الذي أستبقيه للصور، ومع الفكرة عامة. صحيح أنها عند التنفيذ تختلف نوعاً ما؛ إذ يصعب تحقيق الصورة المتخيلة تماماً، لكن هناك مشروع ذهني -فني، ومتخيل يسبق العمل، وتكون التجربة موفقة عندما يشعر الفنان أنه تمكن ولو إلى حد معين من أن يعبر عمَّا تخيله وما شعر به على سطح اللوحة. لهذا فإن تحولي إلى هذه اللغة اللونية التي شاهدتموها؛ كان لتتناسب مع طبيعة الموضوع. فالمفهوم الذي دارت حوله الأعمال، وهو «التحليق في فضاءات الروح»، مفهوم مجرد وفيه احتمالات متنوعة متعلقة بالحرية بمعناها الفلسفي أيضاً، ولذا استخدمت عناصر بصرية ذات علاقة -من وجهة نظري- بالفكرة، أو لنقل أصبحت مفرداتي التعبيرية والرمزية عن الموضوع، مثل تطاير أوراق الشجر، وحركة أسراب الطيور.. بل وتحليق الاشياء والكائنات وإنتزاعها من ثقلها وقيودها المادية إلى فضاءات مجردة.
مع مثل هذا الموضوع لا بد أن يتمثل اللون حالات شفافة، ويتخلى عن قيمه الحسية وعن كثافته وحدَّته ليرتفع إلى مستوى يحتوي به الفكرة. وبطبيعة الحال اللون وحالاته هو تعبير مباشر أيضا عن حالة الفنان. فإن لم يعش أويعايش الفنان الموضوع بصدق، يصعب السيطرة على اللون فتنعكس حالة مفتعلة، أي إن العملية تحتاج إلى صدق داخلي، إلى جانب التقنية والإلمام التقني والأدائية المتمكنة. وهذا هو ما يجعل نفس الحالة الشفافة النقية من اللون والتي أشرت إليها: تبدو أحياناً حزينة وأحياناً مُبهجة وأحياناً غامضة… إلخ. أما عن الروح الطفولية التي تظهر في كثير من تجاربي وليس في هذه المرة فحسب، فأعتقد أنها مرتبطة بالداخل وباستدعائي بعضاً مني والذي لا أسمح بظهوره إلا على سطح اللوحة.

جنوسة الفن
> يرى البعض أن المرأة تغيب عن أعمالك، بمعنى أنك لا تعيرين قضية المرأة أو الجنوسة اهتماماً؟
– انشغلت في بداية تجربتي بقضية المرأة من حيث البعد الاجتماعي. وانشغلت بمعاناتي كمرأة داخل مجتمع مثقل بالهموم الاجتماعية.
ولكن فيما بعد اتسعت رؤيتي، وأعتقد أنني تجاوزت قضية الأنوثة والبعد الاجتماعي إلى ما هو أكثر شمولية، وأصبحت أرى نفسي كفنانة إنسان، لا كفنانة أنثى. ولا أؤمن على الإطلاق بأن تكرس المرأة تجربتها فقط بأن تدور حول نفسها. وأكثر الفنانات العربيات والكاتبات أيضاً آثرن الانسحاب إلى الداخل، بمعنى أنهن إكتفين بالتعبير عن إشكالاتهن الشخصية و أصبحت اللوحة أو القصيدة أو القصة عبارة عن حوار بينها وبين الرجل، واختصرت كل العالم في الرجل، «الآخر». وأرفض هذا المنطق النسوي. وإن كانت تجربتي فيها جانب من وجودي الأنثوي، ولكن في الأخير أنا أهتم بالقضية الإنسانية بعامة.
> هل يعني هذا أنك لا تؤمنين بوجود فن نسوي وفن ذكوري؟!
– طبعاً لا أؤمن على الإطلاق بتقسيم الفن وتصنيفه إعتماداً على الجنس (الذكورة والأنوثة) ونجد في كثير من لوحات الفنانين الذكور أنه إذا ما لم يوقع على اللوحة لاعتقدنا أن منتج اللوحة أنثى لكثرة ما في هذه اللوحات من الشفافية والروح التعبيرية العالية وتدفق المشاعر والرومانسية. والقضية ليست مرهونة بالنوع، ولكنها بالتركيبة الداخلية للإنسان، ولهذا السبب لا يمكن الاعتماد على هذه التصنيفات، وخاصة في الفن البصري.
> استوقف الزائرين لمعرضك الأخير أن عدداً من اللوحات تكرر فيها ظهور صورة لوجه يحمل ملامح أحالها البعض إلى التراث الفرعوني، علام يدل مثل هذا التكرار؟
– هذا الوجه يتكرر في بعض تجاربي، وبصورة أوسع في معرضي الأخير وإن كانت بداياته في معرض سابق، وبعض الناس يحاولون إحالة هذا الوجه إلى الحضارة الفرعونية وبعضهم إلى الفنون العراقية القديمة. و أعتقد أن هذا الوجه: العيون المتسعة، والأنف الحاد الواضح، هذه الملامح موجودة في التماثيل اليمنية القديمة. ولكننا لم نعتد على مشاهدة الوجه الجانبي في التماثيل اليمنية، فبمجرد أن نشاهد صورة جانبية نحيله مباشرة على الفن الفرعوني أو البابلي. هذا الكائن بالنسبة لي كائن مغيب النوع، غير مفهوم هل هو مذكر أم مؤنت. ولهذا نشاهد قراءات وإحالات نقدية مختلفة بالنسبة لهذا الوجه. وربما دلَّ تكراره في لوحاتي على ما يسمى بـ«البطل الملحمي».
> يقال، عادة: «الناقد فنان فاشل»، كيف استطعت تجاوز مثل هذه المقولة، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققه معرضك الأخير، والإهتمام الواسع الذي حظي به من قبل النقاد والإعلاميين؟
– هي ربما مسألة اشتغالات. الناقد يستغرق جل وقته للكتابة فيؤثر على مستوى إبداعه الفني. وبالمقابل قد ينشغل الناقد بالعمل الإبداعي وربما يتضاءل مستوى الكتابة لديه، ولكن القضية مرهونة هنا بالجهد الذي يبذله في هذا المجال. ولا أعتقد أن الكتابة النقدية أثرت على طبيعة العمل التشكيلي لديَّ لأنني أجد نفسي كفنانة ثم كناقدة، وأفصل تماماً الزمن الذي أكرسه للممارسة الإبداعية عن الزمن الذي أكرسه للممارسة النقدية، وأعي أن الفن التشكيلي بحاجة إلى بذلل مجهود غير عادي ومكثف. وفي نفس الوقت تحتاج الكتابة النقدية إلى الكثير من الدراسات والتأمل والإطلاع والمعرفة الموسوعية فأحاول أن أعطي كل مجال حقه ولا أدري إلى أي درجة أوفق.
أما مسألة أن المعرض الأخير حظي باهتمام إعلامي كبير، فأنا نفسي تفاجأت، وكان الأمر مدهشاً بالنسبة لي إلى حد كبير، وبالفعل حظي بتغطية وكتابات حتى من قبل الذين لم يكتبوا في الفن من قبل، وهي مسألة مشجعة جداً وربما هي إشارة إلى أن مساحة التشكيل يمكن أن تتسع إذا ما وجدت تجربة تستحق، أو جديرة بشد انتباه الآخرين.
> هل معنى هذا أن المعرض شكَّل تحولاً وانعطافاً في تجربتك؟
– بالفعل أنا أشعر أنه شهد تحولاً على مستوى اللون وشكل المعالجة نفسها. ربما أصبحت أكثر حرية في التعامل مع اللغة الملونة، وأكثر شفافية، وهناك المزيد من الإختزال داخل اللوحة.

محصلة حياة غنية
> هل تُصنفين فنك ضمن اتجاه معين؟ وماهي المؤثرات في تجربتك؟
– في النص الفني المعاصر سواءً أكان شعراً أم رواية أم لوحة، من الصعوبة وضع تصنيف بعينه، ذلك أن المدارس والقوالب التقليدية قد أسقطت، وسقطت الحواجز، ليس فقط بين المدرسة الفنية والأخرى، بل وبين الأنواع الفنية، لذا أصبحنا نجد النص المفتوح، ونجد الشعر في القصة، والموسيقى في التشكيل، والمقاربات المتنوعة بين فنون كثيرة. فقد صار الفنان يفتح محترفه لكل المصادر التي تخدمه للتعبير عن مشروعه الفني -الفكري. ولهذا السبب نحن نعتبر أن الفن المعاصر بكل أشكاله ونماذجه الحداثية يعتمد على التحرر من أية قولبة. وإن كان يسعى لهدم المدارس السابقة إلا أنه في الوقت نفسه يستلهم من كل الإرث الفني السابق ما يفيد المنتوج. فهو بمعنى مباشر: توليفة من كل الفنون. والحاسم في هذا الأمر هو رؤية الفنان «الفردية». فالفن اليوم لم يعد تلك العملية التي عُرفت في الماضي بأنها نتاج المجموع للتعبير عن المجموع، وإنما هو عملية تعبير فردية. وهذا ربما ما يبحث عنه كل واحد منا في تجربته: أن يحقق رؤية للعالم وللحياة ولمختلف القضايا، هذه الرؤية لا تخضع لأي سلطة خارجية، حتى سلطة الجماعة.
من كل هذه المقدمة وددت القول بأنني أنتمي لهذا الجيل ولهذه المعاصرة، وبالتالي لا أجد نفسي ضمن أي اتجاه.
أما عن المؤثرات فكل ما يحيط بي وكل الأحداث التي أعيشها وكل الفنون وكل القراءات، والذكريات، والأشخاص، والأشياء التي لا حياة لها، والكائنات الحية، جميع هذه مؤثرات. أقول ذلك بصدق وليس من باب الاستعارة. الفنان محصلة حياة غنية، ليس مجرد منهج فني أكاديمي وتواصل مع حركات الفن، وإن كانت هذه جزءاً من المحصلة. فمحترفه يختزل بداخله حياة بأكملها، بل حتى التفاصيل العابرة في الحياة تصير جزءاً من مادة الفنان. فالبيئة التي عشت فيها وسنوات الطفولة والسفر والدراسة في الخارج والخبرات الحياتية المختلفة، ودراسة الفلسفة واهتماماتي الاخرى وأحداث حياتي، وما أعيشه وما أشاهده في الخارج من حولي.. باختصار شديد هذه هي المؤثرات في فني.. وكثيراً ما تحضر في أعمالي بوعي وبدون وعي.
> أنا أعني التأثر بمدارس فنية عالمية أو فنانين؟
– مادمت ملحاً على المدارس التي تأثرت بها، فلا أجد أي تأثير واضح لأي مدرسة في تجربتي. لكنني أعتقد أنني أنتمي إلى تيار الفنون الحديثة والحداثة التي هي توليفة من كل المدارس السابقة.
> معرضك الأخير رغم أنه احتوى على مسحة تجريدية إلا أنه حافظ على النزعة التعبيرية التي تميز أعمالك.
– أنا ذكرت أن فيه اختزالاً أكثر من المعارض والتجارب السابقة. لكن المنحى التجريدي الذي ظهر في كثير من اللوحات. لقد كانت تجريدية خالصة، بمعنى أنها لم ترتبط بأي إشارات للواقع. لكن بعض اللوحات كانت تحمل السمة التجريدية مع السمة التعبيرية.
> هل توجد مرحلة، أو أعمال، تشعرين بعدم الرضا عنها؟ ولماذا؟
– هناك أعمال شعرت أنها لم تكن موفقة. وفي كثير من الأحيان يُقبل الناس على العمل الذي لا أُفضله. أما عن الرضى فهو عندي حالة مؤقتة تتلاشى بعد وقت قصير. إن لديَّ شعور متناقض، فأنا سعيدة بتجربتي حتى اليوم، ربما لأنها حققت لي الكثير من المتعة، إلا أنني لست راضية عما تحقق، ودوماً أثق في التجربة القادمة، ولهذا بعد كل تجربة، أبدأ بفقدان الشعور بالاطمئنان لما تحقق.
> يرى البعض صعوبة في المفاهيم النقدية التي تكتبين بها مقالاتك ودراساتك في قضايا الفن، فهل يواجه النقد المشكلات نفسها مع الجمهور العادي، ويعيش القطيعة نفسها؟ وهل توجد إمكانات أخرى لتبسيط الموضوعات حتى يستوعبها قارئ يمتلك ثقافة متواضعة، في مسائل الفن والجماليات تحديداً؟
– هناك مشكلتان متعلقتان بهذه القضية: إحداهما مرتبطة بالجمهور ووعيه المحدود جداً بالفنون. فالناس إن كانوا لا يدركون ماهية الفن واتجاهاته، ويستغربون كل ما هو حاصل، يصعب عليهم فهم ما يُكتب حوله. المشكلة الأخرى هي في طبيعة اللغة النقدية التي تختلف إلى حد كبير عن لغة الصحافة. فهي نوعاً ما متخصصة وتحتوي الكثير من المصطلحات. والقارئ العادي بحاجة إلى لغة مبسطة، لذا يجد مشكلة في فهمها. ولا أخفيك أنني عندما أكتب في الصحف المحلية أحاول أن أقلل من المصطلحات، وأسعى إلى جعل اللغة اكثر قرباً من القارئ، إلا أن البعض يجد فيها صعوبة أو غموضاً. وربما أنها قضية وقت؛ إذ أن الناس بحاجة إلى أن يعتادوا هذه الفنون، ويتداولوا ايضاً الكتابات حولها بشكل دائم، وعندها سيختلف الوضع.
> في أعمالك، وخاصة في معرضك الأخير، هناك توظيف للحرف العربي.. هل هو إعادة استلهام للحروفية مثلما عند بعض التشكيليين العرب؟ أم أن لديك توظيفاً ومفهوماً مُغايرين؟
– لست أصنف توظيف الحرف في أعمالي على أنه امتداد للتوجيه الذي أطلق عليه النقاد «الحروفية»، لعدة أسباب، أهمها أنني مع آخرين غيري لا أجد أن هذه المحاولات أنتجت فناً عربياً أو صيغة ذات خصوصية للتشكيل العربي، فجُل ما أنتج لا يخرج عن سياقات الفن التجريدي المعاصر. ولا أجد أن إضافة الحرف العربي إلى اللوحة قد أخرجها من إطار معطيات اللغة التجريدية المتداولة. ومن جهة أخرى حتى عندما أوظف الحرف في اللوحة، فإنني لا أهدف إلى إيجاد هذه الصيغة الحروفية.. بل إن ما أبحث عنه يكون غالباً متضمناً في سياق الموضوع عامة. لذلك يدخل الحرف ليس كأداة وحيدة في اللوحة ولكن كعنصر في الشكل فقط. ولا يكون الحرف هدفاً قائماً بذاته إنما تفصيل من تفاصيل الصورة يؤدي دوراً محدوداً. فالحرف جزء من الثقافة التي أنتمي إليها. لكن ثقافتي كفنانة ومخزوني الذهني والبصري يتجاوز الحرف إلى أشياء وعناصر كثيرة. والحرف العربي عندي ليس استعارة للتعبير عن الجغرافيا والانتماء الثقافي والعرقي فقط، هو أيضاً أوسع من ذلك بكثير، هو مفردة تتمثل أبعاداً ثرية: العقائدي والوجداني والانساني (على اعتبار أن الكتابة هي أيضاً الأثر الذي يختزل حياة الكائن زمنياً ومكانياً) وفي الوقت نفسه هي تحتمل ايضاً بعداً صوفياً وإن لم نعبر عنه مباشرة في النص، فهي مجردة إلى الحد الذي يسمح بتضمين مفاهيم صوفية. ومع ذلك فلم تكن الحروفية في اعمالي هدفاً بذاتها.. لكنها تظل جزءاً من اهتماماتي ومن اشتغالاتي.
ولا يفوتني التأكيد على ما للحرف العربي من حيوية وجمالية وهذا أحد العوامل التي تجذبني للكتابة. فأنا أوظف شكل الكتابة في لوحاتي، وأحرص على عدم ربطها بمعنى. أي توظيفها تقليدياً في نقل المعنى. فالمعنى الجديد الذي أبحث عنه يجسد الشكل وليس المضمون. لذا غالباً لا يوجد نص مرتبط بالحروف المرصوصة في التكوينات التي انفذها، لأنني أعمل على جانبها التشكيلي فحسب. وأجعله عنصراً من عناصر الصورة، كما ذكرت.

بين الواقع والخيال
> تحلق معظم تجاربك في عوالم الخيال، وتحملينها بروح الطفولة وكذا بقيم وجدانية عالية، هل تبتعدين عن الواقع كثيراً نتيجة هذه المعطيات؟ أم أن الواقع أحد مصادرك؟
– بالنسبة لي لا أهتم كثيراً بما إذا كانت التجربة التي أشتغل عليها ذات علاقة بالواقع أم أبتعدت عنه. ما يشغلني هو أن أشعر بأن الرؤية التي أعمل عليها تحققت.. وكلما تعقد الموضوع ابتعدت عن الواقع.. مثلما كان في لوحات المعرض الأخير عندما اشتغلت على طرح مجرد فكانت الصورة ايضاً مجردة. لكن يبقى بيني وبين الواقع خيط رفيع، فالزخرفات والبيوت الشبحية، وهيئات الناس والكائنات على ما فيها من تحوير ومن فانتازيا، في أحيان كثيرة تُبقي على هذه الصلة مع العالم الخارجي. لا أريد أن تفهم من ذلك أن غياب الواقع عن الشكل في أسلوبي معناه نفيه تماماً كمصدر للتجربة، أعتقد أنه حاضر بأشكال مختلفة، على سبيل المثال: لم أستطع تجاوز الأحداث المأساوية التي مرت بها لبنان وتمر بها العراق وكذا فلسطين، ومختلف الأحداث الأخرى الدامية في أماكن من العالم، وأنا أرسم تجربتي الأخيرة، فحضرت هذه الأحداث كجزء حيوي من مشروعي، إنما بصورة غير مباشرة؛ فالتفكير والاشتغال بالروح وبالانعتاق وبالحرية، لا يمكن أن يجعلك تمر عابراً أمام مآس كهذه.. وهي قريبة أيضاً من فكرة المعرض نفسها.
إن الواقع يمكن أن يدخل حتى في الصياغات المجردة.. لكنه يذوب في الصيغة التي يتصورها وينفذها الفنان.. ولهذا فإني لا أبتعد عن الواقع.. وفي الوقت ذاته لا أكرسه في أي نماذج بصورة مباشرة.

الوعي واللاوعي
> أشرت في أكثر من حوار إلى إستدعاء التاريخ واستلهام أشكال مختلفة من الموروث الإنساني عامة (…) فهل هذه المصادر تتطلب حضوراً كاملاً للوعي؟ ومن جهة أخرى، ألا يشكل هذا الثراء المعرفي قيوداً على حرية وصياغات الصورة عندك؟
– مرة أشار الصديق العزيز الناقد حاتم الصكر إلى أن «الحضور المعرفي في نصوصي يثقل النص». لكنني ما زلت أصر على أهمية المعرفة العميقة عند الفنان، وضرورة البحث النظري في شتى المعارف إلى جانب البحث التقني، لأن الفنان مثل الرائي، ينظر في عمق الظاهر، ويتجاوز حدود الرؤى الراهنة ومثل هذه المقدرة لا يمكن أن تتم بوعي متواضع ومحدود. كما أن الثقافة العميقة تفيد حتى على مستوى الإشتغال والممارسة الفنية، إذ لا تعارض بين الخبرتين، النظرية والعملية، والفنان يفيد من أي معرفة مهما قل شأنها.
ثانياً: ضرورة البحث المعرفي وسعة الحصيلة المعرفية لدى الفنان لا يعني حضورها وبوعي كامل أثناء الانتاج، فنحن نعلم أن عملية الابداع تتداخل فيها مصادر شتى ويشترك الوعي باللاوعي، ولهذا من الصعب ان يُعَقْلن الفنان الأمر كلية.. فكل ما يقوم به أنه يعيد استحضار بعض الأفكار داخل صياغته المتخيلة، وعندما يشتغل على النص تعود هذه الأفكار والصياغات المسبقة لتأخذ شكلاً آخر، يكون مرهوناً أحياناً بالحالة النفسية، وبعوامل أخرى وهكذا تكون العملية. لهذا عندما أتحدث عن بعض المصادر مثل التاريخ والحرف العربي والموروث البصري وغيرها فإنها بالطبع لا تحضر آلياً في تجربتي ولا تحمل الشكل ذاته أو المفهوم الذي لها في وجودها الموضوعي. أما عن تأثير الجانب المعرفي على حرية الفن وعلى الصياغة لديَّ، فربما في تجارب سابقة كنت أشعر بحضور مكثف للعناصر والتفاصيل داخل اللوحة، كما لو كنت أجدُّ للتعبير عن رؤية فكرية شديدة الإتساع.. إلا أنني مع الاشتغال بدأت أوجه الصورة نحو الاختزال، وإطلاق الحرية لخيالي لتحقيق اكبر قدر أستطيعه من القيم الفنية -الجمالية، في النص، حتى وإن ابتعدت عن الفكرة، أو غابت بعض دلالاتها وقد ساعدني في ذلك الاقتراب من الانساق التجريدية التي مكنتني من اختزال الكثير من القضايا.

الشعر والتشكيل
> شاركت بنصوص بصرية في كتاب «مقامات الدهشة» مع قصائد للشاعر أحمد العواضي، ما هو المشترك بين الشعر والتشكيل؟ أو ما الفرق بين الصورة الشعرية والصورة التشكيلية؟
– المشترك بين الشعر والتشكيل أشياء كثيرة، يكاد يكون الشعر أقرب الفنون إلى التشكيل لأنهما يشتركان في الصورة التي هي أساس القصيدة (الحديثة)، كما هي أساس النص البصري. وأيضاً الموسيقى الاثنان فيهما حالة من الموسيقى والإيقاع كذلك. حتى ما نسميها اليوم بالنصوص المفتوحة في الشعر، فيها أيضاً موسيقى.
والحالة الشعرية: نحن نتحدث في القصيدة عن الحالة الشعرية، ونتحدث في اللوحة عن الحالة الشعرية. فالمفردات الفنية والجمالية متكررة أو مشتركة، ولكن تختلف الآلية والتقنية والأدوات وهذا ما يجعل الشعر يشترك مع التشكيل دائماً.
> إذاً، هل نستطيع أن نتحدث عن قصيدة تشكيلية؟
– هذا السؤال واسع جداً، لكن سأحاول الإجابة عليه بكلمات مختصرة: لو قرأت «كتاب صنعاء» أو «كتاب القرية» للدكتور عبدالعزيز المقالح مثلاً، لتخيلت صوراً تشكيلية متكاملة (أو جداريات: شعرية، وتشكيلية) بالنسبة للفنان التشكيلي. بمجرد قراءة هذه الأعمال (الدواوين) يتخيل فوراً هذا العالم البصري المكتمل. وإذا قرأت البردوني تتزاحم الصور البصرية في قصائده. وعند ما تقرأ قصائد الصوفية وتشبيهاتهم أيضاً، ستجد عشرات الصور. هناك الكثير من التشكيل والتشكيل المتنوع بمدارسه المختلفة، ما بين سريالية البردوني وصوفية «كتاب صنعاء» للمقالح، وصوفية جلال الدين الرومي وابن عربي وغيرهم، وتجد أن هناك حالات متعددة ما بين التجريد والسوريالية والصوفية والرمزية والواقعية، إذن هناك حالات بصرية تشكيلية لا يمكن إغفالها أو المرور عابراً أمامها عند قراءتها.
> ما هي رؤيتك لبعض المدارس الفنية العالمية التي أثرت في الواقع التشكيلي في اليمن والعالم العربي كالتجريدية، السوريالية، التكعيبية، وفنون ما بعد الحداثة؟
– التجريدية اتجاه استطاع ان يختزل الفن في أكثر حالاته تجريدية. تمكنت هذه المدرسة حتى اليوم من الاستمرار وما زالت مؤثرة، وهي موجودة ضمن السياقات المعاصرة.
وارتبطت السوريالية إلى حد كبير بنتائج الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وجاءت نتيجة تراكم عالمي مشوه، شوهته الحرب ودمرته، فقامت هذه المدرسة كرد فعل للدمار الذي أصاب العالم، وللدمار الداخلي للانسان. وهي تعتمد على الاحلام واللاوعي والصور المشوهة، والداخل الإنساني، ولهذا كانت فيها حالة من الفنتازيا. لكن بمجرد إنتهاء آثار الحرب فقدت السوريالية أهميتها ومبررات وجودها.
ومن العجيب ان هذا التيار ما زال يلقى اهتماماً في عالمنا العربي من قبل بعض التشكيليين، ويحظى بشعبية لدى المتلقي العادي، الذي ما يزال يحيل أي لوحة غير مفهومة إلى السوريالية وهذا خطأ شائع. ولا تعجبني هذه المدرسة فناً وأشخاصاً.
أما التكعيبية فإنها اتجاه قام على اعتماد نظريات التحليل الهندسي للشكل. أي صياغة الشكل بمعايير هندسية تسمح بإنشاء منظور جديد للرؤية، تنطلق من فكرة أن رؤية العين المجردة للإنسان عاجزة عن رؤية الشكل من كل الإتجاهات فحاول الفن أن يقدم اللاممكن في هذه الحالات عن طريق تفكيك الشكل وإعادة بنائه وفق منظور هندسي ومنها جاء اسمها (التكعيبية) للمسحة الهندسية الموجودة في هذا الفن.
«براك» هو من بدأ هذا الاتجاه وتبعه مجموعة من الفنانين من ضمنهم بيكاسو، لكن الذي حظي بالشهرة وأبدع هو بيكاسو.
ويكثر الحديث في عالمنا العربي عن فنون ما بعد الحداثة كتنميط للحداثة نفسها، لا ما بعد الحداثة. والملفت للإنتباه أنها فنون لم يتم تداولها عملياً في الساحة التشكيلية بالذات، فما زال معظم التجارب السائدة عربياً ينتمي إلى الحداثة وليس إلى ما بعد الحداثة، وحتى في الثقافة العربية لما تعايش مرحلة ما بعد الحداثة حتى اليوم.
في الفن البصري، مثلاً، تحتل علامة ما بعد الحداثة نفي للإنسان كموضوع، وتحل محله المادة؛ ولذلك تجد في كثير من لوحات ما بعد الحداثة أن بالإمكان أن ترسم كرسياً أو علبة فول أو قطعة صابون وكمبيوتر وغيرها، يمكن أن تقدمه كبورتريه (صورة شخصية) بدلاً عن الكائن الإنساني. ويفترض أن تختزل كل القوانين السابقة.