عن الذين قتلوا الاخلاق اليمنية جهراً!! – فؤاد راشد

عن الذين قتلوا الاخلاق اليمنية جهراً!! – فؤاد راشد

ماذا يجري في اليمن؟
بماذا نفسر ارتفاع منسوب الانتهاكات التي تطال الكتاب والصحافيين والناشطين السياسيين بتلك الضراوة التي تتبدى في أعلى صورها هذه الأيام؟
وماذا يعني هذا القتل اليومي للأبرياء،وبتلك الصورة الإجرامية التي يهتز لها عرش الرحمن في حوادث لا تستدعي كل هذا العنف،وكل هذا البطش؟
وماذا تعني حالات الاعتداءات الآثمه التي يتعرض لها المواطنون العزل من السلاح،والعزل من الانتماء القبلي فيهجَّرون من ديارهم عنوة وكمداً وقهراً؟
وماذا يعني أن أفراداً من قبيلة واحدة هي سنحان يستطيعون ان يفعلوا ما يشاؤون دون أن يحاسبهم أحد؟
ومتى تنتهي هذه الحرب الرمادية في صعدة؟ولماذا اندلعت في الأصل، وما موجبها؟
اسئلة متعددة تطرح نفسها على اليمنيين والمتابعين للشأن اليمني في ظل الاحداث الدراماتيكية التي تشهدها مناطق اليمن كافة، فلا يكاد يمر يوم بسلام على هذا البلد الذي لم يعد سعيداً،والذي ربما لم يكن سعيداً في يوم من الايام سوى في الاحلام والاوهام،وكتابات الرحالة المنافقيبن والمؤرخين المشعوذين،وربما سبأ في موقع آخر.
يمكن ان نقول بشأن مايتعرض له الصحفيون والكتاب انه نتاج طبيعي لغضب السلطة تجاههم، ونفاذ صبرها الذي بلغ حد عدم احتمالها للمزيد من آراء الكتاب غير المقيدة والتي تتجاوز حدود المتاح، وتبرمها من اتساع حرية الرأي والرأي الآخر،ولم يعد بوسعها الصمت عن دوشة الصحافيين، وثقل دمهم، فأذنت لجلاوزتها وفتواتها ممن قيل فيهم. يحسبون “القتل مغنم” بتلقين كل هؤلاء الخارجين عن السيطرة دروس الأدب والاحترام، وسقف أصول التعامل مع رموز الدولة بما تستوجبه الأعراف العربية الاصيلة بعيدا عن مفاهيم الديموقراطية الغربية الدخيلة.
واحدث عمليات التأديب الطازجة كانت مطلع الأسبوع الماضي حينما تعرض الدكتور، عبدالله الفقيه استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، وأحد كتاب صحيفة الوسط لإطلاق ناربغرض استهداف حياته امام زوجته وأطفاله،وهذا مايعيد الى أذهاننا عمليات مشابهة وإن تنوعت اساليبها تعرض لها كتاب عديدون ومفكرون على درجة عالية من الثباث العلمي والمعرفي،ولعلنا مازلنا نتذكر العمليه البلطجية الشهيرة التي تعرض لها الدكتور ابوبكر السقاف عميد شجرة [السقاقيف] المثمرة.
لا بأس.. هذا ما يمكن ان نفهمه باعتباره تعليلاً منطقياً مقارباً للعقل يفسر حالة “السعار” التي أصيبت بها السلطة ’ وانعكست في تعاملها مع كتاب الرأي والصحافيين والناشطين السياسيين. ضاقت السلطة بأصحاب الرأي، وبلغ ضيقها اشده فشذت عن التعامل القويم معهم، واستخدمت كافة أسلحتها بلا هواده في مواجهة حملة اقلام واصحاب رأي في حرب لا تقل استبسالا عن حربها الدائرة في صعدة.
وفي واقع الأمر حينما نصور السلطة بأنها ضاقت من انشطة الصحافيين، وحرية الكتّاب فكأنما نقول إن هذه السلطة ربما قد رضت في يوم من الأيام عنهم، وهذا غير صحيح البتة!
لم ترض السلطة طوال السبعة عشر عاماً عن صحفي واحد او كاتب واحد لم يدر في فلكها، إنما هادنت في فترات تطلبت الظروف الدولية ذلك، وصبرت على مضض، وربما تشن حربها الواسعة هذه الأيام بإعتبار ان الناس منشغلين بتتبع أحداث صعدة، ولما ألفته وعرف عنها من خوضها وفتحها لجبهات متعددة في حرب واحدة.
أعود وأقول لا بأس.. يمكن لنا ان نطمئن لمثل هذا التفسير كتعليل صائب لهذه الظاهرة (ظاهرة الأعتداءات المتعددة الموجهة على الصحافيين والكتّاب والناشطين السياسين) وهو الأقرب لكل ذي بصيرة – في اعتقادي – والذي سيصل اليه كل متابع محايد لمجرياتها، لكن بماذا يمكن ان نفسر ما يجري في الضفة الأخرى؟
اعني ذلك القتل العمدي والوحشي لأبرياء لم يقترفوا ذنبا، وذلك التهجير القسري لجماعات بشرية ينتمون لهذه الأرض من مواطنهم دون ارتكابهم جريرة،
ماذا فعل أهالي الجعاشن المنتمون للمؤتمر الشعبي العام، والذين صوتوا في الانتخابات الرئاسية والمحلية، التي جرت في العشرين من سبتمبر الماضي، لرئيس المؤتمر الأخ علي عبد الله صالح حتى يفعل بهم شاعر الرئيس كل تلك الافاعيل، ويرحلهم من مساكنهم وديارهم في عز النهار.
كنت اظن انهم يربضون على بحيرة نفطية، وأن الأمر ابعد من حاجة الشيخ لثلاثة ملايين ريال او خمسة او ستة – لا اتذكر حجم المبلغ الذي يطلبه منهم كضريبة بقاء – وان كل تلك المسرحية هدفها إخلاء الارض من السكان تمهيدا لشفط النفط من المنطقة باعتبار ان الشركة ومعداتها في حالة تأهب لتنفيذ العملية بأسرع وقت.
ضربة معلم! ولأنني لم اتصور أن هناك من يجروء على تهجير أسر بحالها لسبب تافه كالذي أذيع في الاخبار، بيد ان ما أذيع هو الحق، وأن ما ظننته هو الباطل، فهاهم الاهالي بأطفالهم وعجائزهم وأبقارهم ومواشيهم يعودون الى “قراهم” بعد أن تدخلت الدولة تحت تأثير الرأي العام، ولكنهم يُمنعوا الآن من الماء.
تصوروا!!
منعوا المياه عنهم رغم انهم عادوا بوجه الدولة، ولو عادوا بوجه الشيخ لكان الأمر آخر، الدولة هنا.. دولة الشيخ.
هذا يحدث في اب الخضراء بعيداً عما يحدث في صنعاء المليحة، حد قول البردوني العظيم، لكن عشاقها اليوم كثر، واشد بطشاً وإيلاماً من السل والجرب.
ربما يحكي للبردوني عن عشاق صنعاء الجدد حينما يلتقيه قتيل الأخلاق اليمنية دون منازع الشاب منصور الشهاري، الذي لاقى حتفه دفاعاً عن اعراضنا عندما حاول ان يمنع مستهترين (من سنحان) من التحرش بطالبات مدرسة “شهداء السبعين!!!”.
اطلقوا النار عليه كما يطلقوا النار على كلب او حشرة ازعجتهم بصوتها، لم تأخذهم فيه شفقة، ولم يتحرك فيهم عرق “رجولة” لإنقاذه، بل اطلقوا النار على الساحة كلها فأصابوا، ضمن من اصابوا، حفيد الرئيس اليمني السابق عبد الله السلال.
لقد قتلوا الثورة في الاصل، واكثر ما آلمني ذلك الذي تحدث باسم القصر الجمهوري وهو يلتقي بجموع الناس الذين ساروا يجوبون شوارع صنعاء لإلقاء القبض على القتلة عندما اكد لهم بأن الرئيس وجه وزارة الداخلية بضبط الجناة.
هل تحتاج الداخلية في بلد محترم الى توجيه رئاسي لإلقاء القبض على قاتل؟!

نحن لسنا في بلد يُحترم!
هذا مما لا شك فيه فلا السلطة تحترمه ولا المواطنون يعملون على عزته فينفضون عن أنفسهم غبار الذل والإنصياع المميت، ولا الخارج يحترمه: “ومن يهن يسهل الهوان عليه”. هذا واقع الحال بدون رتوش ولا مساحيق خادعة، وهذا هو الذي دفع بآل عواض لأن يحاصروا سنحان ثأراً لمقتل ابنهم طه العواضي، ولم ينتظروا السلطة حتى تقبض على الجناة رغم امهالها اسبوعاً كاملاً لذلك.
ربما كان في مخيلتهم العديد من القضايا المشابهة (قضايا القتل العمد) التي تنتهي بعقد صلح ودفع دية او تذويب مع مرور الزمن، او الدفع في حال الضغط الشعبي بجناة كومبارس كما حدث في قضية الحامدي الشهيرة.
الى أين سيقود قبيلة سنحان المتفرعنة على طول وعرض البلاد أشرارها الذين يستقوون بإمكانات السلطة ويوجهونها نحو تنفيذ نزواتهم الشيطانية المتصادمة مع مصالح السلطة ذاتها، لو يفقهون؟ والى أين سيقود السلطة مشايخها الطامعين في الجاه والمال على حساب المثل والقيم والاخلاق؟
التاريخ يؤكد، على لسان عالم الاجتماع الكبير والمؤرخ الفذ ابن خلدون، فناء الدول التي تقوم، وتمضي في نهجها واداء حكمها على العصبية المقيتة وإن طال مكثوها، وأسهب بأسلوب علمي ورشيق في شرح أسباب التهاوي ومؤشراته، التي نرى كثيراً من معالمها اليوم في النظام القائم على أرضية رخوة ما تنفك ان تطيح به، وما اشبه الليلة بالبارحة.