إرادة النكوص – أحمد صالح غالب الفقيه

إرادة النكوص – أحمد صالح غالب الفقيه

منذ عودتها إلى الحياة بفضل البترودلار السعودي، جمعت صحيفة “الحياة” اللندنية منظري الانعزالية المارونية اللبنانية، الذين شكل سقوط الحلم الماروني بـ”أسرلة” لبنان صدمة مزلزلة لكياناتهم العقلية، وآخرين من منظري اليسار المتطرف التروتسكيين والماويين ومن لف لفهم، الذين شكل سقوط الإتحاد السوفييتي صدمة مماثلة لهم فانقلبوا إلى النقيض.
كتاباتهم التي تروج للأسرلة والأمركة، والمغلفة بمسحة حداثية خادعة ومزيفة، شكلت مستنقعا متح منه كثير من الاقلام الشابة في الصحافة اليمنية. ومعظم هذه الأقلام تمثل شخصيات (نفسانية) لنماذح متشابهة، يحتاج المرء إلى سبر أغوارها وصولا إلى (الدوافع) التي تقف وراء تمظهراتها في كتاباتهم.
أولا: هذه الوحدات النفسانية (كلها) مشدودة بغريزة قتالية، وحاجة ممضة إلى الإعتراف بها، تسعى إليه من خلال البحث عن تمجيد خيالي للأنا، وهي “أنا” تختلف وتتصادم وتتناقض مع ما هي عليه بالفعل بحكم الواقع والمولد والنشأة والبيئة.
وهي تصل في ذلك إلى مستويات متطرفة (فيتشية) تلامس عتبة التعري الفاضح في الشارع العام. هذا الدافع الأساسي المتمثل في البحث عن التقدير الذاتي (الذي يفصح عن نفسه بالسعي المحموم للظهور على أكثر ما يمكن من مساحات الصحف بالاستعراضية الفيتشية ذاتها) هو حالة انفعالية توجد وتصعد عقدة دونية إحتماعية.
ثانيا: عقدة أوديب وهي (كما أكد لي عالم نفساني متميز عرضت عليه نماذح من كتاباتهم) تؤدي إلى قيامهم بإسقاط كراهية الأب (لا شعوريا) على المجتمع، فيكتب أحدهم، على سبيل المثال، واصفا مجتمعه بأنه “مناخ اللاحياة المستمدة أسبابها من ثقافة الهلع والتخويف والتخوين والعتمة، ثقافة الوحل والطين والمستنقع وخرق السواد، ثقافة كاسيتات خطباء الجمعة ما بين صلاتي المغرب والعشاء. ثقافة الكبت والنميمة والحكايات المؤذية”… إلخ!!. ولكن الدافع الحراق هذا الى التقدير الذاتي (غير المشبع) والمتحد بعقدة أوديب، يتحول إلى شعور بالحاجة إلى الخلاص مماثل لكل الدعوات التي تنتظر مجيء مخلص ما، كما هو حال مجموعة صحيفة “الحياة” الذين وجدوا بغيتهم في بوش الابن لأنه تجسيد لأمانيهم. وقد تبعهم في ذلك مريدوهم هنا بسذاجة عجيبة (وهي سذاجة يكفي للبرء منها مقارنة خطاب بوش عشية غزو العراق، بأنه لا يحمل عداء للعراقيين الأذكياء المجدين ولكن لحكومتهم التي تعذبهم ويحتاجون إلى التحرر منها)، بخطاب نابليون بونابرت الموجه إلى المصريين غداة نزول قواته على الأراضي المصرية، كما أورده الجبرتي: “بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك في حكمه. من طرف الفرنساوية بونابرته المبني على اساس الحرية والتسوية، السيرعسكر الكبير أمر الجيوش الفرنساوية بونابرته يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد، الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية”. ثم يضيف قائلا: “إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من أيدي الظالمين وإنني اكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم”. ثم لم يلبث أن جعل الجامع الأزهر مربطا لخيله.
لقد كانت إستجابة العرب لتحدي الغزو الفرنسي لمصر شبيهة بإستجابة اليابانيين لسفينة القبطان بيري الحديدية ومدافعها القادمة من أمريكا. اليابانيون عملوا بجد على تعديل أنظمتهم لإستيعاب العلوم والحضارة الغربية، ونجحوا في جعل اليابان امبراطورية صناعية عسكرية كبيرة، على قدم المساواة مع الامبراطوريات الاستعمارية الغربية. وقد حاول محمد علي باشا -متبعا السبيل ذاته- اختراق قرون التخلف والانحطاط، واللحاق بركب الحضارة الغربية، لو لم يتم إجهاض مسعاه بالتدخل العسكري ثم بالاستعمار المباشر. نفس الامر حدث لمشروع جمال عبدالناصر.
وعلى الرغم من صحة ما قاله الدكتور أبو بكر السقاف في مقالته “ارادة النهضة” من أن “جزمنا بان انهيار حضارتنا كان من فعل الغرب، قول تنقصه البينة”(“الثوري”، 22 مارس)، إلا أنه صحيح بالقدر ذاته أن الغرب منعنا بالقوة المسلحة والجبروت العسكري من الخروج من حالة التخلف والإنحطاط، بل عمل حتى بعد الإستقلال على فرض حكام تابعين له أداموا تخلفنا، أما الذين خالفوا إرادته فقد حاصرهم وحاربهم وأسقطهم.
أعتقد أن الدكتور يدين لهؤلاء الشباب المستلبين (المارينز) الذين تحدثنا عنهم في صدر هذه المقالة بإيضاح ذلك بكل جزم وقوة، تماما كما أوضح في نهاية مقالته بأن “إرادة النهضة تضمن مقاومة الامبريالية” ولكن بحيث تتسق المقدمات مع النتيجة. ذلك أنه على الرغم من شطحاتهم تظهر فلتات أقلامهم أنهم في الجزء الأعمق من وجودهم ووجدانهم إنما يستمدون آمالهم وشجاعتهم (ككل المضطهدين) من الشعور بالخير والشر والمصلحة العامة والكرامة الانسانية وحب القريب، أي باختصار: مما هو – كما يبدو في كل عصر – شعور اخلاقي مشترك بين كل الناس.