بينما الرجال أكثر تعرضاً، والأطفال أشد تأثراً.. اللثام يقي النساء الرصاص – بشرى العنسي

بينما الرجال أكثر تعرضاً، والأطفال أشد تأثراً.. اللثام يقي النساء الرصاص – بشرى العنسي

المشقة والعناء والتعب، أشعة الشمس الحارقة، الضغط النفسي، الإزدحام… كل هذه أمور نعاني منها كل يوم، أثناء خروجنا من منازلنا للعمل، أياً كان هذا العمل، حتى اعتدنا تلك الأشياء وأصبحت روتيناً يومياً، دون أن نعلم بأننا نتعرض لما هو أشد وأفظع من ذلك كله، نتعرض لشيء خفي يتسلل عبر أنوفنا مع الهواء الذي نستنشقه ليستقر في دمائنا وأدمغتنا مسبباً ما لا تحمد عقباه.
نتائج إحصائية لمسح تحليل عينات من الدم لمجموعة من أفراد المجتمع اليمني، نفذته وزارة المياه والبيئة، والهيئة العامة لحماية البيئة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والصندوق الاجتماعي للتنمية؛ أظهرت أن متوسط تركز مادة الرصاص الناتجة عن احتراق وقود المركبات، في دماء السائقين، هو الأعلى، وذلك بسبب طول فترة تعرض هذه الشريحة من المجتمع للهواء الملوث بالرصاص وعوادم السيارات، واستنشاقهم له، حيث بلغ أعلى قيمة (8.5 ميكرو غرام/ ديسيليتر) وهذا المتوسط يدل على خطورة الوضع الحالي حسب ما جاء في النتائج الإحصائية للمسح؛ إذ أن أعلى قيمة تقترب من درجة السمية هي 10 ميكرو غرام ديسيليتر رغم أنه لا توجد نسبة معينة لتحديد درجة الخطورة فأي نسبة مهما كانت صغيرة تشكل خطراً على جسم الانسان.
وأوضحت نتائج المسح كذلك أن المتوسط عند رجال المرور قريب منه عند السائقين، لنفس السبب السابق. في حين يختلف المتوسط عند بقية الفئات من فئة إلى أخرى حسب الحالة والمهنة.
أما فيما يتعلق بالنتائج حسب نوع أفراد العينة فقد تبين أن الذكور أكثر تأثراً من الإناث وهذا مرده إلى أن الذكور يقضون وقتاً اطول في الشارع على عكس الاناث اللاتي يقضين معظم الوقت إما في المنزل وإما في المدارس أو مقرات العمل بعيداً عن تأثيرات الشارع، إضافة إلى استخدام غالبية الإناث للثام، الأمر الذي يقلل من استنشاق الهواء الملوث حيث يعمل اللثام كفلتر، فبلغت نسبة الرصاص لدى الرجال (4.5) ميكرو غرام/ ديسيلتر، و(2.2) لدى الإناث.
من ناحية أخرى اتضح أن الاطفال دون الحادية عشرة هم أكثر تأثراً بمادة الرصاص بسبب أن الاطفال الصغار يمضون أكثر وقتهم في الشارع في اللعب أو شراء الحاجات للمنزل وهم أكثر التصاقاً بالأرض، الأمر الذي يجعلهم أكثر تأثراً من خلال مص الأصابع أو الأكل دون الغسل الجيد للأيدي.
وحذرت النتائج من أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه فإن احتمال اصابة الاطفال بالحالة العصبية وانخفاض الذكاء لديهم سوف يزداد وكذلك المواليد الجدد سوف يكون التأثير عليهم أكبر من خلال الإصابة قبل الولادة وبعدها، حيث أشارت دراسات عديدة إلى أن كل ميكرو غرام/ ديسيليتر من الرصاص يؤدي إلى انخفاض (7) درجات في معدل الذكاء عند الأطفال.
وتأتي خطورة الرصاص كونه يتراكم في دم الإنسان ودماغه فيؤثر على المخ والجهاز العصبي ويسبب التخلف العقلي عند الاطفال ويؤثر على جهاز المناعة وقد يصل الأمر إلى الإصابة بالسرطان.
النتائج الإحصائية السابقة أخذت لعينات دم عشوائية من شرائح المجتمع وهم: (125) طالباً وطالبة تحت (19) عاماً، (104) من رجال المرور، (75) سائق حافلة، (7) من مرضى السرطان، (15) من مرضى الفشل الكلوي، (6) مدرسين، (5) مسؤولين بينهم وزير المياه والبيئة.
وقد أخذت تلك العينات من أمانة العاصمة كونها تمثل أكبر المدن اليمنية بالإضافة إلى ما فيها من ازدحام السيارات، حيث يتواجد فيها ما يزيد عن 50٪ من اجمالي السيارات في الجمهورية بسبب الكثافة السكانية، وهناك عدد كبير من السيارات القديمة التي ما زالت تعمل في صنعاء. ومن المتوقع ان تنفذ دراسات مماثلة في المناطق الريفية وبقية المدن اليمنية.

وضع المصافي اليمنية
معروف لدى الكثيرين أن في اليمن مصفاتين حكوميتين: مصفاة عدن -طاقتها التشغيلية (90) ألف برميل في اليوم وهي قديمة جداً (1954)، ومصفاة مأرب. ويقدر استهلاك الجازولين في اليمن ب(90) ألف طن متري في الشهر (80 ألف طن من مصفاة عدن وتحتوي على مادة الرصاص، وعشرة آلاف طن من مصفاة مأرب ولا تحتوي على الرصاص إطلاقاً).
الرقم الأوكتاني للجازولين المنتج من المصفاتين لا يتجاوز (83)، في حين يعتبر الرقم الأوكتاني فائق الجودة (98)، حيث يسبب وقود السيارات (الجازولين) ذو الرقم الأوكتاني المنخفض غازات سامة وخطيرة نتيجة لعدم احتراق الوقود كلياً في المحرك. وكبدائل عملية للحصول على جازولين بدون رصاص لا بد من إضافة وحدات جديدة في مصفاتي عدن ومأرب (التكسير الهيدروجيني، أو التكسير الحفزي) وهو ما يكلف (250) مليون دولار، وتحديث وحدة التهذيب الموجودة في المصفاتين وتكلف كل وحدة من 20-40 مليون دولار، إضافة إلى ضرورة تحديث مصفاة عدن وتوسيع مصفاة مارب.
ويُعتقد أن استيراد كميات من البنزين الخالي من الرصاص وخلطه مع المنتجات المحلية المحتوية على الرصاص حتى الوصول إلى الحدود المسموح بها عالمياً هو الحل الأمثل حالياً لحل مشكلة الرصاص في الوقود في اليمن.
كل ذلك جاء في الأوراق التي طرحت في المؤتمر الوطني الخاص بوضع الاطار العام الأولي لإستراتيجية إحلال البنزين الخالي من الرصاص في الجمهورية اليمنية بحلول عام 2008م، والذي انعقد في صنعاء الأسبوع الماضي بحضور وزيري: المياه والبيئة، والتخطيط والتعاون الدولي، ورئيس الهيئة العامة لحماية البيئة، ونائب المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لغرب آسيا، وعدد من الخبراء الدوليين وممثلي منظمات محلية ودولية، ورئيس الغرفة التجارية، وأعضاء من مجلس النواب، وعدد من المختصين.
عبدالرحمن فضل الإرياني -وزير المياه والبيئة- ناشد في كلمته، وزارة النفط والمعادن، تحمل مسؤوليتها لوقف تسمم أطفالنا، وإحلال الوقود الخالي من الرصاص خصوصاً أن التكلفة ليست عالية مقارنة بالتكلفة التي تسببها الأضرار الصحية والبيئية حيث تقدر الفاتورة الصحية السنوية لتلوث الهواء في اليمن ب(100) مليون دولار. وأشار إلى عدم وجود توعية بالموضوع خصوصاً لدى اصحاب القرار: «أنا لم أكن اعرف بحجم المشكلة إلا قبل ثلاثة أشهر فقط. لذلك فإن التوعية ضرورية لتعريف الآخرين بخطورة الوضع».
عبدالكريم الأرحبي، وزير التخطيط والتعاون الدولي، ركز أيضاً على جانب التوعية، وقال إن كثيراً من زملائه في الحكومة غير واعين بتلك القضية، لأنه لا توجد توعية كافية لمتخذي القرار حول خطورة المسألة. وأضاف أن المبادرة هذه جاءت متأخرة. ووعد بتبني الموضوع بجهده وبمحاولة إقناع زملائه في الحكومة لتبني الموضوع أيضاً.
في حين اشار باسل اليوسفي -من برنامج الأمم المتحدة- إلى أن عدد الوفيات يتجاوز المليون نسمة سنوياً بسبب التلوث الناتج عن النقل والمواصلات. وأن 90-95٪ من الوقود المستخدم حالياً في العالم هو وقود خال من الرصاص. وتمنى أن يتمكن اليمن بحلول 2008 من استخدام الوقود النظيف.
[email protected]om