ناصر.. والذكرى السابعة عشرة للوحدة – يحيى سعيد السادة

ناصر.. والذكرى السابعة عشرة للوحدة – يحيى سعيد السادة

كان إعلان الأخ الرئيس بإختيار محافظة حضرموت حاضنة للعيد الخامس عشر لذكرى تحقيق الوحدة بمثابة جرس تنبيه لكل قيادات المحافظات للتهيؤ والإستعداد لدورهم القادم من خلال إعداد الدراسات والتصاميم للمشاريع الهامة وذات الأولوية واختيار المواقع وحجزها وإعلان حالة الطوارى في صفوف المهندسين المختصين وإخراجهم من دائرة التسابق على تراخيص البناء ليوضعوا في إطارهم الطبيعي.
إذ لا شك في أن فكرة توأمة هذه الذكرى بعدد من المشاريع التنموية تنم عن ذكاء فطري وذلك بإلقاء الكرة في ملاعب المحافظات بحيث تتحمل قيادة كل محافظة مسؤوليتها إبتداء من هذا التوقيت، مفسحاً لتلك القيادات الوقت الكافي لإلتقاط تلك الإشارة والعمل على بلورتها وإستثمارها الإستثمار الأمثل. على اعتبار أن هذه الفرصة قد لاتتكرر إلا بعد أن تنال بقية المحافظات حصصها. لذا لا بد أن يؤخذ في الإعتبار عند الشروع في وضع أي خطة بهدف إقتناص هذه الفرصة السانحة، حجم المشروع ونوعيته ومدى سلامة الأوعية التي ستصب فيها الأموال بحيث لا نسمع عن أوعية مخرومة تتسرب منها تلك المخصصات مما يفقد أي مشروع خصائصه الفنية ويقصر من عمره الإفتراضي.
إن حدثاً بمثل هذا الحجم وبهذا البعد التاريخي لا بد وأن يقابل بمشاريع عملاقة تليق بهذه الذكرى وبمن أرسى قواعدها، إذ أن تعبيد شارع أو إقامة عمود أو رصف ممر أو وضع ماسورة مجاري هي أمور روتينية تقوم بها الدولة على مر السنين دون ربطها بأي مناسبة أو ضجيج إعلامي؛ كون مثل هذه المشاريع الصغيرة تقام حتى في دول القرن الإفريقي دون إثارة زوابع حولها. إذا ذكرى مثل هذه تمثل محطة هامة في تاريخ يمننا المعاصر والأمة العربية جديرةبأن يكون يوم عيدها مقروناً بأهم المشاريع حجماً وجمالاً وتكلفة وعمراً إفتراضياً يواكب هذا الحدث على مر السنين.
كم كنت أتمنى أن نحتفي بهذه الذكرى التي تحتضنها محافظة إب ومياه الجداول في فصل الصيف تشق طريقها نحو السدود الضخمة إذ أن سمات هذه المحافظة وفي هذا الفصل بالذات تهطل الأمطار الغزيرة التي تنتهي في مصبات البحار دون الاستفادة منها في ري الأرض ليتضاعف المحصول وتبقى الأرض مخضرة على مدار العام. ولإقامة مثل هذه الحواجز المائية فإن مواقع طبيعية قريبة من المدينة مهيئة لمثل هذه المشاريع، وعلى سبيل المثال لا الحصر موقع المندم على طريق ميتم، وموقع وادي الجنات في منطقة السحول – حسب رأي بعض المهندسين. فمثل هذه المشاريع التاريخية والمنتجة في ذات الوقت كون خيرها سينعكس على الأرض والإنسان هي التي يجب أن نتغنى بها. فتأريخ تشيدها وإنجازها سيرتبط حتماً بالحقبة السياسية التي نعيشها. فالسد العالي مثلاً مرتبط تاريخه وإنجازه بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر، رغم تبدل الأسماء والإتجاهات بعد رحيله.
كنت أتمنى أيضاً معاودة سماع ضجيج جنازير المعدات الضخمة وهي تناطح الصخر في جبل بعدان. هذا المشروع العملاق غير مكتل حتى لآن، كان مجرد حلم حوله المرحوم يحيى محمد المتوكل عام 87م عندما كان محافظ المحافظة آنذاك، إلى واقع بإمكانيات ذاتية وبتكلفة رقمية بسيطة لاتذكر، ليعلمنا درساً بأن الإرادة واليد النظيفة وحدهما قادرتان على تفتيت الصخر وصهر الحديد.
كنت أتمنى، وهي أمنية الجميع، أن نحتفي بهذه الذكرى وقد شيد على أنقاض ما يسمى بمستشفى ناصر (وهذا الزعيم براء منه) مبنى يليق بهذا الاسم وبمكانة هذا الزعيم وتأريخه النضالي إذ أن إلصاق هذا الإسم بهذا المبني الآيل للسقوط في أي لحظة على رؤوس المرضى المنكوبين سلفاً هو نكران للجميل والتضحية التي قدمها أبناء مصر في سبيل إرساء دعائم الثورة. فجمال عبدالناصر لا تقوى على حمل اسمه غير المشاريع العملاقة. كثورة يوليو وثورات التحرر على امتداد العالم. حركة عدم الإنحياز، السد العالي، بحيرة ناصر، تأميم قناة السويس، مجمع حلوان للحديد والصلب، مواجهة العدوان الثلاث، وعشرات العشرات من المشاريع التي يصعب حصرها. نقول لمن يراهنون على امتداد عمر هذا المكان: أنتم مخطئون. فلقد توقف التاريخ عند بوابة هذا المبنى منذ زمن، مدركاً، أكثر منكم، أن هذا البناء الهش هو في حالة إحتضار، كما أن من يفتي بترميمه هو كمن يشير على إمراءة عجوز في لحظات عمرها الأخير بأنها إذا أرادت أن تعود إلى ريعان شبابها ونظارتها ما عليها إلى أن تحسن وضع المكياج على وجهها وتكثر من أحمر الشفاه.
علينا أن نستشعر المسؤولية في هذا الأمر وذلك بمباشرة الهدم والشروع في البناء على أحدث التصاميم بحيث يستغل الموقع في بناء عدة طوابق لا تقل عن الستة مع تجهيزه بأحدث المعدات والأجهزة الطبية كون مهمة هذا المستشفي مستقبلاً ومسؤولية كادره هي بحجم الكثافة السكانيةلهذه المحافظة والتي زادت بمعدل 400٪ عما كانت عليه بداية الستينات فترة الشروع في بنائه.
كما يراعى عند إعادة البناء تخصيص ملحق يستوعب اكثر من ثلاجة لاستقبال جثث المرحلين إلى العالم الآخر؛ نتيجة الهوس في القتل والقتل المضاد فضلاً عن الحوادث المرور اليومية. إن هذا الموقع الفريد والمتميز عن بقية الروابي والتلال المتناثرة حول المدينةيذكرني بموقع فنار الأسكندرية والتي حلت محله قلعة «قيايتباي» حالياً حيث كان هذا الفنار ملهماً ومرشداً للكثير من السفن الضالة في البحر وعلى مسافة عشرات الأميال. وسيكون هذا المبنى المتربع على هذه التلة الرافعة مرشداً لزوار هذه المدينة القادمين من كل الإتجاهات.
أمنية أخيرة: لو تعطى هذه المحافظة فرصة أخرى تحتفي بهذا لحدث العظيم على طريقتها بحيث تكون قد أنجزت مثل هذه المشاريع إلى جانب مشروع الحديقة التي طال انتظارها والتي إن تحققت ستخفف عنا عبء التفكير المتواصل في اراضي الأوقاف وأملاك الدولة المتاجر بها والتي لو استغلت في مثل هكذا مشاريع لأطلق على إب: «الفيحاء».