قصائد للراحل الشاعر الكبير محمد حسين هيثم

قصائد للراحل الشاعر الكبير محمد حسين هيثم

عبدالعليم إذا مات

مات عبدالعليم
وعبدالعليم إذا مات
وفي أي وقت
يموت بحرفنة
ويموت كما يحلم أو يشتهي
الميتون
يموت كثيراً
كثيراً
يفيض من الموت
يمتد موتاً
من المهد شرقاً
إلى الغرب من يومه المرتقب.

***

عبدالعليم إذا مات
يرتد منصعقاً
لا يصدق حشد عزاءاته
كان عبد العليم
يصدق ريبته وحدها
كان يتبع خط توجسه
ويذوب أيامه في الظلال
ويمشي وحيداً
وإن صادفته المدينة في قلبها
ذات وهج
زوى وجهه
وانزوى
واحتجب.

***

عبدالعليم إذا مات
ينهض أعداؤه في الكمائن، يأتون من
غيبه
كان يحصي المذلات
أعداؤه ثلة:
رجل غامض في الجريدة
والعسكري
وهذا الغراب الذي فوق ناصية البيت
بقال حارته
بائع اللحم
والعابر المتلفت
وابن المؤجر في أول الشهر
ثم المؤجر في كل رشفة ماء
وذو الراحة المستطيلة
والجار
والمخبر العسلي
وهذا المدير الخشب.

***

عبدالعليم الذي مات
منفرداً
ومديداً
كان يحلم أن سوف يحلم
أن نساءً…
وأن نهوداً…
وأن مناطق معشبة بالتوقد.
يحلم أن سوف يحلم
وأن…
وأن…
وتخرج أحلامه في الصباح
وتجلس في الباص
ترسل بعض الدخان هنا أو هنالك
ترتاب من حلم جالس وحده قربها
ثم تنزل نحو الوظيفة
أو تتمشى هنالك بين الفتارين
تبتاع أو تكتري وهمها
تنثني في الأزقة
ناشدةً لفتة شردت
شرفة أفلتت آهة
وإذا فاجأته امرأة بين أحلامه
امرأة من عقيق ونار
وسارت تضج بكل حنين النساء إلى
يومه
كان ينسل في أفق ممعن في الهرب.

***

عبدالعليم إذا مات
يجمع كل بنيه الذين سيحلم
أن سوف يأتون من صلبه
بعد موت طويل
كان يجمعهم حول جثمانه
ويوزع ثروته بينهم:
كل موت تكدس
أو كل رعب
وما جمعته يداه من الريب
أوهامه كلها
والتوجس
كوم الهواجس
ثم يموت كما قد تدرب منذ طفولته
هكذا
دونما
ضجة
أو
سبب.

***

وعبدالعليم عليم بكل أصول الضيافة
حتى إذا مات
يحمل قهوته
ويوزعها بيديه
ويعزي المعزين
ثم يهيئ أكفانه
ويسير مع النعش
في أول الصف
يمشي ثقيل الصدى
صامتا
ويحوقل
يذرف أوقاته كلها
دفقة، دفقة
ثم من فتحة القبر ينزل
معتذراً
أنه يشغل الآخرين بأوهامه
ويسبب للناس هذا التعب.

 

 
 
هذه الرأس‏
 

هذه الرأس‏
طارئة‏
لا معنى لها‏.
هذه الرأس‏
ثمرة‏
أم طائر‏
أم طبق معدني‏
أم قصيدة نثر‏؟
هذه الرأس‏
لا أعرف حتى كيف تستخدم‏
غير أنني كل يوم‏
أطور طرقاً للحفاظ عليها‏.
هذه الرأس‏
رأسي‏
ولقد استحققتها بجدارة‏
لم يقل لي أحد لماذا..
لكني أستحقها فعلاً‏
لأنها رأسي‏
وعليَّ أن أقطع بها‏
أطول مسافة ممكنة‏
أن أمضي بها بعيداً‏
قبل أن تسقط من تلقاء نفسها‏.
هذه الرأس‏
قد أحصد من جرائها جوائز كثيرة:‏
< سلة كبيرة من الأحفاد‏
< وشاحاً مطرزاً بالحكمة‏
< سوارين ذهبيين من الطمأنينة‏
< نظارات للتذكير بالأذنين‏
< عصا لممارسة التعثر بإتقان‏
< طقماً صالحاً لعدم المضغ‏
< بروستاتا أسطورية‏
للعب البنج بونج مع الجدران‏.
قد أحصد هذا كله وأكثر‏
إذا عبرت برأسي سبعين شمساً فقط‏
ربما تنتهي صلاحيتي عندئذ‏
ربما لا أكون هنا أو هناك‏.
ولكن – يا للمجد‏!
أكون قد عبرتُ‏
عبرتُ مع الكثرة‏
عبرت مع الجموع‏
ولم أنخدع بالاستثنائيين‏
أولئك الذين لا تهمهم رؤوسهم‏
ولا يستحقونها‏
مثلما أستحق رأسي‏.
هذه الرأس‏
أطور كل يوم‏
طرقاً للحفاظ عليها‏
فأنا لا أرفعها مطلقاً‏
ولا أتطلع إلى السقف والجبل‏
لئلا يكتشفها أحدهم‏
وحين أنام‏
أسد بإحكام كل منافذها وشقوقها‏
للتخلص من الأحلام والبعوض‏
وأغطيها بكل ما تقع عليه يدي‏
بالقبعات والكوافي والشماغات‏
بالخرق والقراطيس والجرائد‏
بالتمائم والبخور والأحذية
خوفاً من الشمس والبرد والحسد‏
وأغمدها بقوة بين كتفي‏
وأرفع ياقتي‏
حتى‏
لا تسقط‏
مني
في‏
الزحام‏
بسبب صفعةٍ خاطئة‏
من شرطي‏
تأخر راتبه الشهري‏.
هذه الرأس‏
أستحقها بجدارة‏
وأطور كل يوم‏
طرقاً للحفاظ عليها‏
رغم ذلك‏
من يضمن لي‏
أن أحدهم لن يأخذها:‏
لمزاجه‏
أو لإكمال مجموعته‏
أو لمجرد الترويح عن النفس‏
أو للتغيير فقط‏
أو حتى من باب الاحتياط‏؟
من يضمن لي‏
أن أحدهم‏
لن يفكر بإعجاب:‏
يا لهذه الرأس‏!
يجب أن نرفعها‏
أن نعلقها عالياً‏
عالياً جداً‏
ليراها الجميع‏؟!

 
 
أين تمضي بأيامنا يا غزال؟
 

الذين أتوا خلسةً
هربوا في الكلام غزالاً صغيراً
ومروا ظلالاً
إلى طللٍ في الفواصلِ
كانت منازلهم
حرقةً في التشابيهِ
ريحاً على الرفِّ
أبكوا
بكوا
ثم مالوا
إلى غيبهم
وأناخوا قليلاً
وقالوا:
ألا
أين تمضي بأيامنا
يا غزالُ؟

***

والذين ترنح فيهم صباحُ
أفاقوا على أرقٍ
جالس عند أرجلهم
جففوا نومهم
علقوه على مشهد جانبي
وشدوا الستائر
كيف تراخى المدى
وارتخت في الظلامِ
شموسٌ مسننةٌ
وذئابٌ
طيوفٌ
سعالى
وماء أجاجٌ؟
وثم غزالٌُ صغيرُ
غزالٌ يجوس بأيامهم
رمموا ماءهم
واستطالوا
على حافةٍ من نعاسٍ
وقالوا:
إلى أين تمضي بأيامنا.. يا غزالُ؟

***

والذين يبللهم ندم عالق بين أسمائهم
ساورتهم حروبٌ معلبةٌ
فاستداروا إلى بدئهم
واستعادوا غزالاً صغيراً وبحراً
وساروا خفافاً إلى يومهم
يشبهون الكنايات
يشتبهون على الطير
لكنهم بللٌ شاخصٌ
بللٌ في الطوالع
مادت بهم نجمة
فاستمالوا
إلى ندم عالق بين أسمائهم،
جمرةً
واستقالوا
وأدوا غزالاً
وقالوا:
إذن، أين تمضي بأيامنا يا غزالُ؟

***
 
والذين…

 الذين…
    الذين…

***

يا غزالُ
نحبك
ننزف أيامنا في خطاك
ونكبر في طرقاتك
نهرم فيكَ
وتبقى غزالاً صغيراً
وتمضي بأيامنا
أين تمضي بأيامنا يا غزالُ؟