حروفهم تلمع كعيونِ الحِجاب – أنسي الحاج

حروفهم تلمع كعيونِ الحِجاب – أنسي الحاج

لو كنتَ قاتلاً. لو كنتِ قاتلة. لو في فيلم سينمائي لكان الشرح أسهل. القَتْل العابر للعتاب. بلا دم ولا جثث. بلا وجوه تنحفر في ذاكرة الندم. قَتْلٌ يَنْسى. ينسى سَلَفاً. تجريد مُطْلَق.
حدّقْ إليَّ، أنتَ لستَ الشيطان. لو كنت الشيطان لعرفتَ كيف تَمرّ. أنت صورة مقلّدة له على أساس افتراضٍ أحمق وبلا روح. مثل كلّ تقليد. لا نعرف شيئاً. ما نعرفه كان يتحرَّش بنا لنعرفه قبل أن ننتبه له بآلاف السنين. وحين ننتبه يكون قد جَفَّ. حدّق إليه، هل تَحْسبه طريدة؟ هل تحسب ذاتك الصيّاد الفارس المستجمّ المتريّض على دم الغزال؟ لو نقلنا حالة البراءة الذبيحة من البشر إلى الحيوانات أننزل أم نصعد؟ منظر الغزال المُحاصَر أشد إيلاماً من منظر الإنسان المحاصَر؟ نعم، إذا حاصرني الشيطان. لا، إذا حاصرني الصيّاد. يظل لدى البريء قدرة على الدفاع ضد الشيطان، ومرّات بالشيطنة. ماذا تفعل الغزالة المحاصَرة إذا كان صيّادها بلا إحساس؟ كل عَتَب عينيها الدامغ يضيع هباء. الجمال فاشل أمام الإنسان الخنزير، الإنسان الضبع. الإنسان الخنزير الضبع هازم كلّ شيء. جَمال الغزال ودموع عينيه وارتجاف جسده، هذه تُوسّع ضحكة الصيّاد. الإنسان الشرّير عالة على الشيطان. الشيطان لا يُضحكه استسلام الغزالة. لا يَسْهُل تخيّله يَنْحطّ إلى دَرَك افتراس مَنْ لا يستطيع الدفاع. الشيطان، أضعف شيطان يبحث عمّن يصارعه. وفي حالات التأزّم الأقصى أو النشوة القصوى يبحث عمّن يَغْلبه.
لا تَسلْ ما سبب هذه الكلمة. لا نعرف شيئاً. البريء لا يعرف شيئاً. الشيطان أيضاً لا يعرف شيئاً.

يكتب ماهر شرف الدين حبّه وفجائعه بقَدْر واحد من الشهيّة. وعيه يختار من لا وعيه، يقظته تأخذ نومه من يده أَخْذ الأب بيد الابن. يكتب امرأته بفرحة الفرحين بالمولود. إقبال شَلّاليّ، بين إبحار في التغزّل الجسدي وإمعانٍ جَسَديّ في التغزّل. الشَبَق يحتفل تحت قبّة العبادة. شعر يتنقّل بين المرثية والتهليل. كتاب «العروس» يعانق العروس ويواجه الموت.
استوقفني ماهر شرف الدين من أول كتابة قرأتُها له. التركيز الحاد. الانطباع الهارب عادةً، ممسوكاً حيّاً. المُبْهم محسوساً، مُبَلْوَراً بوهج. الظلمة مُنَصَّعَة. الضحيّة منتقمة بدم القول.
هؤلاء الآتون من وراء الجبل، المعمَّدون بالرقّة والجبروت، المارّون بيننا كالشُهُب، من سوريا، العراق، الخليج، الناجون من الغَرَق، من أنفسهم، كلّما قرأت أحداً منهم شعرتُ بالذنب. كأن لياليهم فوق ليالينا. أتذكّر حين في أواخر الخمسينات «وصل» أدونيس وخالدة سعيد ومحمد الماغوط إلى بيروت. ونذير العظمة. ثم، دَوريّاً، بدر شاكر السيّاب، جبرا إبراهيم جبرا… اليوم تأتي أجيال أخرى حاملة كتبها ومخطوطاتها الغريبة وأعماقها المُخزَّنة وأصواتها المحفَّرة بالكتمان. أعرف بعضهم. لا أعرفهم كما يجب. عهد فاضل، حسين بن حمزة، منذر مصري، هالة محمد، مرام المصري، خليل صويلح، أكرم قطريب، أحمد ديبو، عائشة ارناؤوط، عابد إسماعيل، لقمان ديركي، وتفوتني أسماء… وهنا، من سوريا وحدها. بي حسرة وهي أن عبد القادر الجنابي، مفاجأتي العراقية الكبرى، لم أعرفه في بيروت بل في باريس. حسرة لعلّها كاذبة، فكونه لم يطأ هذه الأرض يحفظه في خيالي ملاذاً كاملاً.
القاطعون إلينا من وراء الجبل نفرح بهم فرحة مَن يقع على واحة في الصحراء. ننسى أننا نحن أيضاً على وشك التصحّر. ضحكة الديك المذبوح تَنشر فينا وَهْم الجَلَبة، تَرْبطنا بما لم يأخذنا بعد. القاطعون إلينا، الواصلة أصواتهم إلينا، كانوا يَنْجون بنا وأصبحنا ننجو بعضنا ببعض. شهداء خَرَجوا من تماثيلهم. أدباء تعلّموا الصمت قبل أن يتعلّموا الكلام. شعراء العيون المحروقة باليأس، المرمّمة بالعشق، التي ترمي على الأشياء نظرات القتيل. نخجل أمامهم من حرّيتنا. يَخجلون أمامنا من حرّيتنا. بيروت كانت وستبقى لهم عاصمة روحهم، مدينة النجاة الهالكة، وبعض فتنتها زرعه افتتانهم بها، والفصام الخلّاق الذي سبّبه لهم عذابها.
أحدث الواصلين ماهر شرف الدين. بين «أبي البعثي» و«العروس» تُواصل المعاني تدفّقها فوق الكلمات. «سحبتْ شِباكها من ظهري. اصطادت سمكي. هي ذي النشوة (…) النشوة البيضاء كحليب التين والفاسقة كشَجَرة رصيف (…) تتنفّسين كالأشجار بلا جَلَبة. جنادب نظراتكِ تقفز أمامنا (…) النشوة أبونا وأمّنا، لا يقطف أكوازها إلاّ الذين اشتهوا لحماً أسود لامرأة بيضاء».
المعشوقة شفافية صوفيّة وكرزة تُقْضَم، يُحْتَفل بجسدها حذفاراً وراء حذفار. رغبة وحنوّ، غَرَق وإحاطة. وهنا، تُدَشّن الكتابة لا بهاجس التجديد الفنّي بل من مبتدأ النفس، مبتدأ الغريزة، مبتدأ ميتة أو ميتاتٍ خُرِج منها إلى الثأر باللغة وإلى الحياة بضُعف الحبّ وقوّة الشعر.

معاناة سحيقة تدمع بها حروف أدباء العرب الحديثين. نلمسها حتّى في كتابات المفكّرين السياسيين والصحافيين. حروفهم تَدْمع كعيون الحِجاب. أجمل من الصراخ، أَحْرَر من الحريّة. سطوتهم على الشَلَل، صلابتهم الهادئة، قدرتهم على صون الذات، على الاجتياز، على هذا السعال الأشبه بمشاعل تحت الأرض.

«بيننا أعمال وسحر وأشياء ظاهرة وأخرى باطنة وكلّها لا تتمّ»، مطلع رسالة خاصة من الشاعر المصري الصديق عبد المنعم رمضان. نواة كل صداقة أليست هي هذا النور المعتم؟ «وكلّها لا تتم». سرّ الصداقة أنها لا تتم. تظلّ على مرتفعاتها شاهقة، شارقة بقوّة شراكة خَفيّة، تَواطؤ في ما يتجاوز الأصدقاء، تواطؤ غربتين، قربى تزيدها الكلفة قرباً، عشاء لا يحتاج إلى وليمة.
لم يُتَح لي مجال التعبير عن مشاعري حيال كتب العديد من الشعراء والأدباء العرب المعاصرين، وفي طليعتهم عبد المنعم رمضان. دعني أيها الصديق أغتنمها لأقول، برقيّاً، إعجابي بشعرك، بشعرك المجدّد، العَذْب، العَذْب حتى في السخريّة، المبتكر أساطيره، الشفّاف، الخصيب العطاء والمخزون، الثابت الأركان في النيل، نيل مصر ونيل كلّ مصر، والمنطلقة غصونه خارج أسوار التصنيف.
هذه البرقيّة، مثل حياتنا جميعها، أيضاً «لا تتمّ»، ولكنْ في الشعر إتمامٌ لأحلام. وهذا جوابه على القَدَر. وهذا هو شعرك.

«هناك من يَسْتحضر الأرواح، أنا أستحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم».
«الحبّ للروح والشهوة للجسد. أنا لا روح لي».
في «برهان العسل» تحكي البطلة هذا الكلام. «برهان العسل» ليس رواية فرنسية مترجمة بل رواية عربيّة من تأليف سلوى النعيمي، السوريّة الأصيلة الفخورة بعروبتها المستندة في بوحها إلى أمّهات الكتب العربية التراثيّة حول حدائق الجنس وفنونه. يقول العاشق للبطلة: «تعرفين أكثر ما أحب فيكِ؟ حرّيتك وعروبتك».
أحببتُ هذا الكتاب لأنه يؤالف بين الجرأة (الفكرية واللفظية) والنعومة. نادر أن نقع على قصة إيروتيكية، خصوصاً بقلم نسائي، غير صيّاحة بفجور جارح، رجوليّ، مزايد على الاستعراض الرجولي. «برهان العسل» تكشف مجونها في جوّ من البوح العَذْب والأنوثة الفوّاحة بعطر أسرارها.
تعيد سلوى النعيمي ربط الإباحيّة التعبيريّة بأعماق التراث وتُرينا بلا عناء كيف تفوّق علينا الأقدمون، بمن فيهم المقدَّسون والمقدِّسون، لا في تسمية الأشياء بأسمائها فحسب بل في فعل الأفعال والتبحّر فيها والابتكار والتمتّع.
ومن أسلحة سلوى النعيمي الضحك. ضحكة الاستهتار اللطيف والغنج الألطف. إذا كانت الدموع دفاع المرأة فالضحك دفاعها وهجومها وانتصارها. إنّه حَمّامها العَلَني. هناك من لا يُرِدْن أكثر من الابتسام. أيضاً مرحى. ليس من وراء الجبل تشرق الشمس بل من وجوههنّ.
ما من عشق بلا قانون، مَذْهب، تربية. المعشاق والمعشاقة يريدان أن يُربّيا. كلّما تعاظم المجون تعاظمت رغبة التبشير. الإفساد، التجليس. ليس في «برهان العسل» مقتطفات من كتب الجنس التراثية فحسب بل هو نفسه، على لسان البطلة الشديدة الصدق، توجيه تربوي إيروتيكي. الأدباء الإيروتيكيون أساتذة أخلاق يريدون لتلامذتهم، أولاً، أن يتخلّصوا من شيئين: الضجر والتضجير. والباقي كلّ حسب استيهاماته.
«برهان العسل» برهان الجسد بلا تبرير. أُسْقِطت الحاجة التقليدية (الكاذبة غالباً) إلى العذر الروحي، إلى التأشيرة العاطفيّة. جسد فَرِح بنفسه كالشمس، كالنهر الغزير، وأكبر براهينه الروحيّة هذه الأمانة.
كتاب يُحرّر ويلذّ ويسبق الرِجال.

– نقلا عن «الاخبار» اللبنانية