ودعاً: وريقة الحناء: سؤال المرأة في المحكى الشعبي* (1) – أروى عثمان

ودعاً: وريقة الحناء: سؤال المرأة في المحكى الشعبي* (1) – أروى عثمان

 

بدلاً من المقدمة
ارتأيت في هذا البحث، وبالأحرى القراءة (وداعاً وريقة الحناء)، أن أدخل عمق الحكاية الشعبية، نظراً لأن الحكاية أكثر أشكال التراث الشعبي قرباً إلى نفسي؛ فهي، بجانب الأغاني الشعبية، تمثل لي شرياناً أنهل منه في كتاباتي، أكانت القصصية أم الكتابة الأخرى.
كنت قد قمت بجمع الكثير من الحكايات الشعبية لأكثرمن عقد من الزمن. وتعمق خلال ذلك احتكاكي بالريفيين والبسطاء الذين حفزوني لأن أتوغل في متن المحكي الشعبي، والفلكلور بشكل عام.

لماذا “وداعاً وريقة الحناء”؟
برغم شغفي بالحكايات، إلا أن هذه الحكاية لها طعمها الخاص، فأنا وجيلي، بل وطفلاتي، مثلت لنا “وريقة الحناء” الحلم الجميل واللذيذ الذي كنا نتفيأ ظلاله من خلال بطلته: وريقة الحناء. فكل فتاة منا تتماهى بشخصيتها، و لكم حلمنا بفستانها الحرير الذي منحته إياها الساحرة لتحضر به حفلة ابن السلطان، وكم تمنينا أن نغتسل في مياه “البركة” الراكدة حيث كانت تغتسل، وأن نخرج منها ونحن مكسوات بالذهب والجواهر، وأن يكون لدينا حذاء مثل حذائها نتركه بعد تعب الرقص مع ابن السلطان، فيأتي جنده يحملون الحذاء ويطرقون الأبواب ليعرفوا من هي صاحبته. فنغيظ خالتنا، وأختنا “كرام” حتى ولو حولتنا إلى “جولبة ” تظل تطير و تبكي وتنتحب حتى يسقط المطر، ولا ضير إن غرزت خالتنا أجسامنا بالإبر، فابن السلطان حتماً سيأتي وينزعها، بل وسيأتي بالساحرة لتحيلنا مرة أخرى، وريقة الحناء، ونعيش سعيدات في القصر السعيد!!
كانت أحلاماً لذيذة، لذة طفولتنا المنسية، كبرنا ولم يرسم في هويتنا الحناء، ولا حتى أوراقه، ولا ساحرة تلألئنا بفستان حرير، ولا رقص في بهو السلطان، والحذاء ضيق كضيق حركة أقدامنا، وقبله ضيق ذهنياتنا، هذا الحذاء لا يريد أن يضيع في سلالم القصر أو في الشارع، إنه حذاء صامت لا يعرف الرقص، حذاء مازال يتوسدنا.
ولذا وداعاً وريقة الحناء، حتى وإن كنا نحتاجك في أوقات كثيرة -والليل أشد الأوقات الذي نحتاجك فيه.
أعتقد، أنه لا بد من وقفة، قطيعة مع الخيال المحكي، ولا ضير في أن نتصالح، وننفصل معه، وإلا فعصا الساحرة لن نجدها إلا معقوفةً لتنهال علينا. وكذلك الجن والكائنات الغيبية ستذوب، وتذوبنا معها، ونصبح خارج الحكاية، وخارج الحياة أيضاً.
نريد أن نتقاطع مع المرأة داخلنا، والمرأة في متن الحكاية. لن نكون وريقة الحناء، إلا متى أردنا أن نكون، وفي كثير من الأحيان يجب أن نكون نحن.
” وريقة الحناء “مثلها مثل كثير من بطلات الحكايات الشعبية، حيث المرأة البطلة منطمسة، لا إسم ولا هوية. ووجودها مشروط بأن تكون إما ضحية، وإما العكس: شيطانة!
وفي كلا الحالتين يتوجب الركون للعوامل المساعدة: جني، إنسي، حجرة، شجرة، ذبابة، طائر… الخ.
ستبقى في داخلنا وريقة حناء، وريقة الجنة، وريقة الحب والمحبة. وسنحتاج أن نمد أيدينا في يديها، وأن نطرح رؤوسنا على حجور جداتنا الساحرات، ونسمع دعواتهن: ” زادكن فوق عقولكن عقولـ” لكن لا بد أن نقول لـ”وريقة الحناء”: وداعاً.. وداعاًً.
قُسِّم هذا البحث إلى عدة فصول:
الفصل الأول: عن الحكاية/ افتتاحات. يتعرض عبر السؤال: لماذا تنتقص الذهنية الذكورية من المحكي الشعبي؟
الفصل الثاني: أخزاق المحكي.. أخزاق اللغة. وهو يتناول المرأة في النصية الفلكلورية، حيث يتعرض إلى صورة المرأة في التعابير الشعبية، والأقوال السيارة، والحكم الشعبية.
الفصل الثالث: من بلقيس إلى مسعدة.. ثقافة تنكيس وتكنيس الملكات.
والفصل الرابع: في الليل تزهر الحكايات. يتناول تحليل مضمون الحكايات، ويتعرض إلى تفكيك بنية الحكاية الشعبية، وتحليلها. وقد اخترت ثلاث حكايات شعبية: “الجرجوف”، “جليد أبو حمار”، و ” صاحبة التويقت “.
 اعتمدت في هذه المقاربة على المنهج التحليلي للتفكيك والحفر في متن الحكاية الشعبية، وخصوصاً الحكايات التي تلعب المرأة أدواراً أساسية فيها. إنه تحليل واعادة قراءة للنصوص بلغة مفارقة لما كان ثابتاً وراسخاً في ذهنياتنا منذ آلاف السنين.
استندت في هذا الإبحار إلى نصوص الحكايات الشعبية الواردة في:
“حكايات وأساطير يمنية” للأستاذ علي محمد عبده، و”حكايات شعبية يمنية” للأستاذ محمد أحمد شهاب، و”قراءة في السردية الشعبية اليمنية + 70حكاية شعبية” للباحثة صاحبة هذه الدراسة. كما استندت إلى كتابين مهمين يلعبان، إلى جانب كثير من الرؤى التقليدية دوراً هاماً في تشكيل الذهنية اليمنية ورؤيتها للمرأة، وهما: “قضايا اجتماعية في الأدب الشعبي اليمني” ترجمة ودراسة وتحقيق/ جانيت واتسون، وتأليف مسعد ومسعدة/ عبد الرحمن مطهر، وهو البرنامج الشهير الذي يعبر عن وضع المرأة داخل أقبية الأعراف والدين، والقوانين للسلطات الأبوية الذكورية والقبلية.
ثم أجزاء من كتاب “القضاء في اليمن ” للقاضي الدكتور يحى بن محمد هاشم الهاشمي، عضو محكمة استئناف محافظة حجة، عضو جمعية علماء اليمن، الذي يستند إلى الفقه الأسود في رؤيته للمرأة.
إنها “عقلية القبة/ العمامة” مثلها مثل بطن الجرجوف المعطوفة” سع” (مثل) قبة الصوف. هكذا هي المرأة في عقولهم.
إذن وداعاً وريقة الحناء/ الخارجة من خصوبة الليال. وداعاً لمسعدة، المرأة الخارجة من بطون التراث الأسود، والإيديولوجية المخصبة للإرهاب والاستقصاء والاستئصال. وداعاً للمرأة التي مازالت أسفل غمد الجنبية(*)، ومازالت تقبع داخل فوهات البنادق، وتتكدس داخل أحزمة الرصاص. وداعاً مسعدة يا ” أم المال والرجال “، يا “أم القبيلي العسر”.
لا نريد هذا المناخ الذكوري الخالص الذي خصب بذكوريته كل شيء، جاوز بمفعوله تخصيب اليورانيوم، واصهر كل شيء يمت بصلة للإنسانية، فصنع وريقة الحناء، وصنع مسعدة.
عالمنا لم يعد يستوعب ثنائية اللوغوس، والأيروس، العقل للرجل/ مسعد، والغريزة للمرأة/ مسعدة، الكون أرحب يتسع بالمحبة لكل الكائنات بلا قطبيات، ولا ثنائيات مريضة. نحتاج لحركة الكون، وللفصول، ونحتاج أكثر للربيع، وأكثر للمطر، وأكثر للإنسانية.
هذه القراءة (وداعاً وريقة الحناء) التي تعد مدخلاً لتناول الطرف المقصي المطموس المخصي (المرأة) في المحكي الشعبي، وسوف تليها دراسات في المستقبل.
وقد انجزت هذه الدراسة بتكليف وبمباركة ودعم من منظمة اليونسكو، وتواصل الأستاذ الدكتور علي محمد زيد. وأشكر الدكتور أحمد الصياد، مدير عام اليونسكو. ولا أنسى فضل مكتبة الإسكندرية هذا الصرح العظيم، الذي جعلني أقرأ برؤية جديدة، أثرت وستؤثر في مجرى حياتي، أنه مشروع المرأة والسلام الذي ترعاه صاحبة الفكرة السيدة سوزان مبارك. الشكر العميق والعرفان لهؤلاء، ولكل من: الدكتورة عزة الخولي منسقة المنحة، وإدارة مكتبة الإسكندرية.
وأخيراً الشكر الجزيل للأستاذة القديرة أمة العليم السوسوة وزيرة حقوق الإنسان التي سارعت إلى ترشيحي عقب استلامها أوراق اليونسكو من قبل أمينها العام في اليمن، لترشح من تراه مهتماً بموضوع “المرأة والتراث الثقافي”.
للجميع حبي وتقديري..

مدخل  فواصل الضديات
سأستعرض في هذا البحث صورة المرأة في الحكايات الشعبية بملمح أنثروبولوجي/ اجتماعي/ نفسي، وسأحفر في اللامحكي، المخفي/ المسكوت عنه، أو كما أسميته “تحت/ أسفل التختة” أي أسفل الصندوق أو أسفل الشنطة.
فكما يقول رولان بارت “لا يوجد شعب لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في أي مكان من غير قصة”(1). ونحن في هذه الإقتطافات نريد أن نقرأ هذا المخزون بمنأى عن القراءة المسبقة والشمولية التي لا تتجزأ. القراءة الأولى وكفى.
سوف أحرص على أن أقرأ ما بين السطور و بالأحرى ما تحت السطور، ووراءها واستكشاف الخفايا والخبايا التي تمثل الجزء الذي نفتقده في هذه القصص الكونية -كما يطلق عليها- لنعرف كينونتنا أمام هذا الكون الكلي.
لا أريد أن أطرح الرجل في المقابل الضدي للمرأة، فيصبحان النقيضين اللذين لا يتفقان أبداً، الشرق والغرب اللذان لن يلتقيا. نريد أن نتمثل كما تقول الأسطورة اليونانية: “أن أصل الإنسانية ذرة انفلقت نصفين احدهما الرجل وثانيهما المرأة، وظل كل نصف يحن إلى النصف الآخر حتى التقيا”(2).
محاولة للتحرر من التي تتجه إلى التعاكس وتنزع إلى الترجيح بين القوتين، قوة الرجل مقابل هشاشة المرأة، الثور والحصان مقابل الحمامة والقطة.
في هذا المنحى سوف نعمد إلى نزع صفة المقدس عن الثقافة، وإلى تعرية الأيديولوجيات المتحيزة بإخلاص للرجل لحساب تهميش وإلغاء المرأة. تلك الإيديولوجيات التي منحت -بكرم باذخ- المطلقات للرجل، والثنيات والإنحدارت والهشاشات للمرأة.
وعليه فإن هذا البحث المتواضع محاولة لاختراق الثابت. محاولة لتفتيت نصية الوهم باسم المقدس، تقويضها. محاولة لفضح استشراسها المتلون داخل الثقافة النصوصية التي جعلت كلاً من الرجل والمرأة يتعبدان بمحرابها، ويكونان عبدين للثقافة.
عبدا الثقافة النصية(المعممة)، (الرجل والمرأة)، صدّقا، وآمنا بصنمية واخلاقية “القوة للرجل، الالهة القادرة على كل شيء. والتبعية للمرأة، الممتثلة والمنفذة للقداسة المزيفة للآلهة الصنمية الذكورية. ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء. ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه”(3).
ونسيا في غي أمرهما أنهما: السيد (وهم السيادة والتماهي بها)، والمرأة العبدة، وتمثلها والتماهي بها). نسيا أنهما عبدان لهذه الثقافة الصنمية/ المعممة، أو الخارجة من رحم حداثة المظهر.
دائرة تكرر نفسها، وتتكرر فيها الأدوار، وحتى أشكال المقاومة لها مكرورة، ما يعني الإنحباس في دائرة ولم نخرج بعد من أسر دائرة، أو بالأحرى تدوير جدلية السيد والعبد، وكلاهما عبدان للنص.
* منح اليونسكو/سوزان مبارك/ الصداقة اليابانية المصرية لتمكين النساء في دراسات السلام وشؤون المرأة – (دورة 2005-2006)
(*) الجنبية: خنجر يمني يتزيا به الرجال، ويتباهون به كرمز للفحولة والأصالة والشرف، والقبيلة.

– هوامش:

(1) رولان بارت، مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص، ص7، ترجمة د. منذر العياشي، مركزالإنماء الحضاري، الطبعة الأولى 1993م.
(2) الأستاذ عبد الله البردوني، الأدب الشعبي، ص49
(3) د. يحى بن محمد بن هاشم الهاشمي، القضاء في اليمن، ص118، مكتبة خالد بن الوليد، عالم الكتب اليمنية.
[email protected]