البعثيون في صنعاء يرددون شعارات لم تنفع صدام في حياته ولم تمنع إعدامه – منى صفوان

البعثيون في صنعاء يرددون شعارات لم تنفع صدام في حياته ولم تمنع إعدامه – منى صفوان

تحول الحفل الخطابي الذي خُصص لتأبين صدام حسين، ساحة للصراع السياسي والطائفي بين السنة المتعصبين من البعثيين, الذين يرون ان حزب الله ومن ورائه ايران ينفذون مخططاً فارسياً في المنطقة, ومن يقول ان حسن نصر الله هو سيد المقاومه في لبنان.
جاء هذا الكلام على لسان محمد منيب، أحد محامي الدفاع عن صدام، والذي كان يعلم أن كلامه لن يأتي على هوى الكثير من الحاضرين، ولكنه أصر على أن حزب الله اللبناني الشيعي، خط آية من النصر في تموز2006 عندما أرغم اسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني. في الوقت الذي كانت الصيحات تعلو في القاعة، واصفة نصر الله بأنه ذيل ايران، وانه فرَّق الحلوى يوم مقتل صدام، وان ما فعله باسرائيل ليس إلا فرقعة اعلامية, لا تساوي شيئا امام ما فعله صدام باطلاقه لصواريخ الحسن والحسين على تل ابيب. ولكن منيب رأى أن الحوار هو أهم ما يجب أن يتسلح به العراقيون اليوم. غير أن دعوته تلك لم تجد صدى لها في القاعة التي كانت تعكس مدى الصراع والحقد بين الطائفتين, والتي لم تثبت عكسها الهتافات التي رددت: “لا سنة ولا شيعة.. كلنا عراقيين”, فواقع الحال كان يقول عكس ذلك؛ فمن تحدثوا قبل و بعد منيب أكدوا أن ما يحدث هو مخطط فارسي ينفذه بعض العرب, (رافق ذلك الصيحات التي رجت القاعة وهي تدعو: “الموت لايران”).
ولم يبدو أن هذا هو الخلاف الوحيد الذي دار في القاعة وإن كان الأبرز، غير أن هناك خلافات كثيرة بدت طافية على السطح, ولم يزل الرفاق البعثيون يدورون حولها، و بشكل ما، يحظرون الحديث فيها, والخوض في الشان الداخلي العراقي. وهذا لم يمنع المصري محمد منيب من الحديث فيها والذي أكد أنه من العارفين بها وأن لا أحد يستطيع منعه من الحديث، وقال: “سأتحدث، وأتحدث” وإن اختلف معه الحاضرون. وأكد أن الصراع ليس سنياً وشيعياً. ودلل على ذلك بأن عواد البندر (رفيق صدام والذي اعدم بعده) شيعي.
وكرس الحفل التأبيني لتأليه القائد وتقديسه. حيث ذكر كثيرون أن أطهر ما ينام تحت الارض الآن، هو جثة صدام، وأن أغلى ما تحتضنه العراق اليوم جثة صدام. وبدى من الواضح أن أى نقد للمرحلة والرجل، غير مقبول حتى لو كان من باب معرفة الاخطاء لتجنبها. ولا يبدو هذا المشهد فريدا عن الواقع العربي والمشهد العربي العام، الذي يبجل الحكام وهم أحياء ويعصمهم من الاخطاء ويقدسهم بعد موتهم.
فإما أن ينهش لحم صدام ميتاً ويرفض حتى ذكر ايجابياته، وإما أن يصبح رمزاً يحرم الاقتراب منه بعد موته. غير أن من يقدمون أنفسهم اليوم أوصياء على صدام بعد موته ويرفضون أي حوار مع من يختلفون معهم، ويحاولون تكميم أفواه من لا يوافقونهم, هم يحافظون على أنفسهم ويحمون مصالحهم. فلا شك أنهم من المستفيدين أيام حكم صدام واليوم يحافظون على ما ورثوه، وهذا يفسرتعصب أصحاب السيارات الفارهة التي تزاحمت في حوش قصر الشباب صبيحة التأبين.
إنهم يحمون انفسهم أيضاً من المساءلة، وفتح ملف أخطاء صدام يعني فتح ملفاتهم. وأما عن الحوار مع الطوائف الاخرى التي يظهر الخلاف فيها ساسياً أكثر منه مذهبياً، سيعني أنهم سيسلمون شيئا من سلطاتهم لمن يرفضون تقاسم السلطة معهم في بلد صار بلا سلطة وبلا شرعية.
ففي الحوار ضمان لشيء من استقرار العراق ووحدته. غير أن الصراع الدائر الذي تغذيه دوائر العنف والحقد البعيدة, والتي ظهرت جلية في احتفائية استمرت ساعات معدودة, يعني أن في استمراره استمراراً لمصالح فئة معينة لا ترفض الحوارفقط، وانما ترفض ان يعرف الرأي العام موقف صدام الحقيقي من هذه المسأله لذلك ينصبون أنفسهم أوصياء على ما يجب ان يُعرف عن صدام وما يجب ان يموت معه.
غير أن صدام حسين الذي اعدم صبيحة عيد الأضحى عند السنة, لم تشفع له الهتافات التي تفديه بالدم والروح، التي لم تكف عن التردد في صباحية أربعينيتة وكأنها قادمة من زمان حكمه للعراق، ذكر دون أن يقصد بزيف تلك الهتافات التي يرتاح لسماعها القادة العرب.
وكان مما طرح في حفل تأبينه، مناشدة باسم هيئة الدفاع عن صدام موجهة للرئيس علي عبد الله صالح والقادة العرب لوقف محاكمة طه يس رمضان والتي ستكون جلستها في منتصف هذا الشهر, ومطالبة الشارع العربي والموقف العربي لعمل ما بوسعه لوقف نزيف الدم العراقي والذي يثبت أن الادارة الامريكية لم ترتو منه بعد، كما جاء على لسان هيئة الدفاع. كما حذر المتحدثون من مغبة الوقوع في فخ الدعوة إلى عدم انسحاب القوات الامريكية خوفاً من اندلاع حرب أهلية في العراق، على أساس أن هذا فخ تعده امريكا ليقع فيه العرب، والذين عليهم العمل مع العراقيين لدحر الاحتلال وإعادته من حيث أتى.
وكانت كلمة قاسم سلام، أمين عام حزب البعث -قطر اليمن، الافتتاحية، أقل حدة وأكثرهدوءاً ممن تلوه. وربما عكس ذلك موقفاً مغايراً لموقف البعث العراقي الذي يبدو أكثر تشددا وانغلاقا على نفسه. وكان سلاّم أكثر دبلوماسية وهدوءا في طرحه بعيدا عن الشطحات البعثية وذلك ربما يعكس حالة من السأم التي اعترت البعثيين في اليمن، ورغبة منهم في مهادنة السلطة بعد ذهاب ما كانوا يعدونه سندا لهم في الفترة الماضية.