كفاية – أحمد القرشي*

كفاية – أحمد القرشي*

ليس هناك ما هو أسوأ من أن تقاتل مكشوف الظهر فاقد السند في جبهة أنت فيها القناص والضحية, ليس هناك أسوأ من أن تقاتل في معركة ليس لها من وقود سواك.
ليس هناك ما هو أسوأ من أن تسقط صريعاً تحت سنابك الخيل، تلفحك الشمس في رمضائها الحارقة، ثم إذا ما أظلمت الدنيا بعينيك لم تجد هلالاً ولا نجمة يهديانك الطريق.
أغلب الأحزاب – ولا أخص حزباً بعينه- تستخدم الصحفيين بقوانين العبيد؛ يتعامل مسؤولوها مع المبشِّرين بالحرية وحقوق الإنسان المطالِبين بتحرير الآخرين، ببشاعة لا تحترم الذات ولا تنظر إلاَّ إلى مصالحها.
لا أدرى كيف ينسجم طرح الأحزاب عن الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية مع هكذا ممارسة.
الأستاذ “عبدالباري طاهر” لخص القضية بجملة مفيدة ذات مساء في منتدى “عمر الجاوي” حين قال:”كلنا آتون من مجتمع لا يؤمن بالكلمة كثقافة وسلوك فالسلطة جاءت بقوة القبيلة والعسكر -وما زالت تتكئ عليها- والأحزاب ولدت من رحم الشمولية وتربت على العمل السري وبالتالي وجد الجميع أنفسهم مضطرين للكلمة اضطراراً ومن هنا استخدمت هذه الكلمة للمساومة وتحقيق مكاسب سياسية سريعة ولا يوجد لدى الجميع إيمان حقيقي بالكلمة فالأحزاب السياسية تنظر إلي الصحفي كـ”بوق” في وجه السلطة، والسلطة، تنظر اليه كـ”دوشان” يؤدي دوراً ثانوياً”.
تلك هي حقيقة الصحفي من وجهة نظر السلطة والمعارضة بيد أن ما هو معلن غير ذلك، على الاقل لدى المزايدات السياسية فهناك لافتات مرفوعة وما تتضمنه أكبر بكثير مما تحتمله تلك الأحزاب التي تعتبر قراراتها صادرة عن الله وتمثل الإرادة الوطنية ولا يجوز نقاشها.
أغلب الأحزاب اليمنية قيمة الفرد فيها بقدر المنفعة المتوخاة منه، وبقدر ما لديه من الملق والنفاق والتقديس للقيادات “واللي على راسه بطحة يحس”
دعونا نقول, نعبر عمَّا بدواخلنا تجاه الوضع وعليكم أن تسمعونا وتستفيدوا مما نقول, نحن نقول كلاما ليس بالمحرم إن لم يكن هو الواجب بعينه: صمتنا كثيراً, عانينا أكثر، تجرعنا بما فيه الكفاية.
إن لم يكن الحزب الذي أقاتل على جبهاته مستعداً لسماع صوتي ومناقشتي بالحجة والمنطق فإنه لا يستحق مني خطوة قدم!!.
أيها الأحزاب, أيتها القيادات: مضى زمن التمترس خلف الأيدلوجيا, مضى زمن المعارك الوهمية التي تستهدف إطالة أمد الغيبوبة وحلم الأفراد بفردوس مجهول في ظل نظريات عقيمة، لم يعد هناك مكان للطاعة العمياء وثقافة “نفذ وتظلم” وليس ثمة ما يدعو إلى الجندية “الهبلى” في الثقافة الحزبية وليس بوسع أحد مطالبتنا بذلك ثم لا يكون لنا حق مناقشته في حقوقنا. ولى زمن القيادات البوليسية القمعية الأمنية وهالات القصص المفبركة حول قدراتها الخارقة, حدة ذكائها, مواهبها, تضحياتها وعن شخصياتها الملهمة.
أيتها الأحزاب لم يعد الصحفيون قادرون على هضم مسألة أن نخشوشن في وضع خرساني الطعم. أغلب المؤسسات الحزبية مسلّمة إلى غباوات لا تتمتع سوى بثقة القيادة والقدرة على الوقوف أمامها كتلميذ مذنب مطأطئ الرأس بالغ التذلل, لا يلوي على كلمة مديح إلا قالها في حين نجد كثيراً من القامات الصحفية في مؤسسات الأحزاب تم إقصاؤها لا لذنب سوى أنها تتمتع برأي مستقل يخالف التوجهات الببغاوية المقلدة لما قال السيد –حفظه الله- ولو استعرضنا استفادة الأحزاب من قاماتها الصحفية والإبداعية لوجدناها صفر ولا داعي للأمثلة؛ فكل منا يعرف صاحبه سواء في حزب السلطة أم في أحزاب المعارضة.
افتحوا أبواب الحوار, اسمعونا, تأملوا فيما نقول فنحن -ربما- أقدر على تشخيص المرحلة منكم بكثير,
نشكر جهودكم الماضية لكن لا تستمروا في ابتزازنا بها، إذ أنكم لم تقدموا شيئاً بالمجان، كل منكم عمل وأخذ حقه وزيادة, أخذه جاهاً ومالاً ومنصباً وشهرة.
أفسحوا المجال لغيركم فإن يكن ما تقومون به مَغرماً فإن الفرجة عليكم من خوارم المروءة.
نريد أحزاباً لا نريد “فزاعات” تكرس بدواخلنا عدواً افتراضياً هرباً من مواجهة الاستحقاق الفعلي وهو إصلاح الوضع الداخلي وإرساء المؤسسية الغائبة في كثير منها، ومعالجة القصور، والالتصاق بالشارع وتحمل همومه المتناثرة.
لم يعد مجدياً التعامل مع الصحفي والمثقف بثقافة الأتباع والمرافقين وخدام البلاط.
الفلل مبارك لكم فيها، والعقارات الظاهرة والباطنة مباركة هي أيضاً، والسيارات لكم ولأولادكم بس خلو لنا فرصة نعيش ما تبقى من عمر.
أم أن المطلوب من المثقف أن يُطعن ولا يئن فلربما كان الأنين المتهدج في دواخله إجراءً يعكر المزاج الرائق، ولربما كان عليه الموت بصمت حفاظاًً على الصفو الخاص من أن يتعكر.
[email protected]

* محرر الحقوق في صحيفة “الصحوة”