واخرى.. حياة في ال inbox

واخرى.. حياة في ال inbox

وما يزال الخيط الأبيض يسيل من وسطك، ويروح إلى نقطة سوداء. هكذا يبدو لكل عين قادرة على النظر وبوسعها الابصار.
ما يزال ذاك الخيط الأبيض دليلاً واحداً على أنك ما تزال على قيد الحياة.. كما والحب.
وهو الحب ذاته الذي تصر ثانية على خوفك واحترازك منه. هو الحب الذي يحتفل العالم بعيده اليوم. الحب الذي يشعل الكون ويقوم بتلوينة بالأحمر. الكون اليوم أحمر. الكون اليوم في الحب ويغرق فيه ويذهب في غنائه. الحب اليوم يرقص ويذهب أصحابه إلى لا نهاية نشوتهم وابتهاجهم. الحب اليوم بفستان أبيض وجدائل من نور وأنهار وكؤوس متلاصقة. الحب اليوم على الشفاة وعلى كروت مصقولة وتزهو. الحب اليوم، ورود حمراء بين الأصابع وفي حقائب البنات. الحب اليوم جمهورية مستقلة يتمتع مواطنوها بكافة حقوقهم الدستورية والبشرية. الحب اليوم كائنات فرح وشوق وغناء، الحب اليوم، سيد الكون والعالم والجغرافيا والناس والتاريخ. الحب اليوم «سيدي وحبيبي».
هل تراك ذاكراً «سيدي وحبيبي»، رواية هدى بركات!!
أتراك مستذكراً ما قالته في بداية سطورها.. «أحببته حباً لا يوصف. ليس بسبب أني لا أحسن الوصف، أو بسبب عدم قدرتي على الكلام والاستفاضة فيه حين يتعلق الأمر بي، بداخلي ومشاعري، بل لأن ذلك الحب يبقى غامضاً، لم أسمع أحداً يتحدث بمثله». وأيضاً عندما تقول «لن نتأخر قلت وأنا ألف ذراعي حول رقبة الجردون وبي له مشاعر عرفان ومحبة يصعب وصفها. شددت ذراعي حول رقبته بقوة ثم… رحت أمشي أمامه و هو يتبعني مثرثراً وأنا لا أسمع ما يقول. رئتاي مفتوحتان أعبّ الهواء الربيعي الفاتر وأدخل في بطن الليل كخنجر مصقول».
«لكن وديع أختفى. اختفى.
انشقت الأرض وابتلعته. تبخر في الهواء». وكان هذا في القسم الثاني من الرواية، قسم سامية.
ولم تكن أنت على علم لا بالقسم الأول ولا بالأخير.
كنت تقرأ وفقط. كنت تروح في أكلك الأسطر بلا هوادة، ولو لم تفهم شيئاً. كانت رواية حب كما وأسطرها. كانت كما كانت، وكنت أنت غائباً عن تلك الأسطر وتلك الرواية. وربما، وهذا احتمال كبير، كنت غارقاً في الرواية ذاتها.
«ولا يستطيع الواحد ان ينسى إن لم يفهم».
وأيضاً. كانت تحبه كالكلب. كما يحب الكلب الأصيل الجميل صاحبه بدون مقابل. ونكاية بالكلاب البندوقة الوضيعة، الشاردة تنهش وتسير. ونكاية بأصحاب الكلاب الوضيعة، يلقون بالفتات، يركلون ويمشون. ومهما قالوا كانت تعطيه الحبل المربوط على الرقبة يسير بها أينما يريد وهي تهز ذيلها يميناً ويساراً كدليل قاطع على سعادتها.
هل تراك ذاكراً الآن كله هذا؟
هل تراك ما تزال محتفظاً بكل هذا في ركن أمين بداخل قلبك ولا يصله أحد؟
هل تراك تروح مرتعشاً كلما مررت مخيلتك بتلك التفاصيل الدافئة والمسكوبة على ورق؟
هل تراك في كل ذلك ومعتاشاً عليه، أم أن دودة النسيان ثقبت ذاكرتك وسال كل ما كان فيها؟
كان العالم في عيد حبه، أقول لك.
كان لون العالم أحمر، والقلب أحمر.
وكان الكون يرقص في حين كنت أنت مستسلماً وخائراً في عتمتك ولا تنظر لأحد ولا تود شيئاً.

– جمال جبران