نافذة.. مجنون بصورته – حفظه الله! – منصور هائل

نافذة.. مجنون بصورته – حفظه الله! – منصور هائل

كأي ميت جوال خرج من القبر بإجازة، سارعتُ للالتحاق بطوابير زملائي الموتى الجوالين، وأقبلت على مباهج الدنيا الفانية، بنهم لا يشبع، وانغمست بالإسفلت، وتفشيت بالغبار، وسكبت وجهي على الأرصفة كيما يتجدد بلياقة الوجه المتفرع عن شارع، ويتجلى بأناقة الحفر والأخاديد التي تؤطر هويتي، وتنطق بتعريفي.
وتمتعتُ بارتشاف الشاي من قصعة مذحِّلة (صدئة) ضلت طريقها إلى مكب النفايات وأصبحتْ من الأكواب المفضلة لـ«أسماخ الكيف».
وارتدفت الرفاق الموتى الملاحقين بلعنة الاستهلاك وجيوبهم خاوية إلا من حفنة ريالات مطمورة بطبقات الوسخ، وفلسات مات فيها صوت اللمعة، وصمت الرنة، وهي تكفي لشراء كسرة خبز وشاي، وقليل من القات «المدعَّس» (بتشديد العين وفتحها).
وكان الأهم من كل ذلك هو أن أدخر وأتدبر المال الكافي لشراء صور الرئيس (صدام) -حفظه الله- المعروضة في الجولات والمكتبات، وأحرص على شراء (صدام) قبل الإعدام لضمان إنجاز عمارة النشوة و«الكيف» عندما يسري خدر القات، وأنطلق في هذيان الحملقة بتلك الصور بقصد استعادة خيلاء مغدورة، وترميم كبرياء مهشمة، وتسكين آلام يتيم أب، ومسكين أعزل من «الرئيس» الذي طالما تماهى بالأب والرب معاً.
وهكذا غدوت لا أكف عن الإمعان في صورة «الرئيس الضرورة»، واستبطان ما فيها من رسائل وروايات مضمرة، مشفرة، والإصاخة للكلام الذي قاله بعد الإعدام؛ إذ لم يعد بالإمكان التناهي إليه وسماعه إلا باستنطاق صورته وهو شاهر سيفه، أو وهو يحمل البندقية، أو وهو يصوب ولا يخطئ الهدف دائماً وإلى الأبد، وصورته مع الطلقة (ياإلهي! من أين لي بصورته مع الطلقة في لحظة اختراقها لطريق اللهب المقدس لفخامته)، وصورته وهو يصيب جميع الاهداف، وصورته وهو يقطع النهر سباحة بسرعة تسبق الطلقة.. وإلخ!؟
ومن يدري بأن انفعالي بصوره -حفظه الله- يمكن أن يؤهلني لاجتراح دربي كمستثمر لصور فخامته بعصامية ربما استدعت في البدء الإقلاع عن الشاي وإنقاص الطعام في سبيل حصولي على الكثير والنادر من صور «صدام» وهو بالكوفية أو بالخوذة أو بالعقال، أو وهو ينفذ حكم الاعدام بـ«الخونة» ثم يبكي عليهم بمهابة!؟
وسأشتري صوره لكي أشيع الفرح في أوساط الزملاء الذين لم يبارحوا قبورهم، وما زالوا يتمسكون بجدران اليقين والقيامة، كيما يستعيدوا رونق الكبرياء، وسموق «النشامى»، ويستطعموا ثمرة صمودهم بالكثير من السحر الثاوي في ثنايا صوره -حفظه الله.
وكغيري من الموتى الجوالين الذي قضوا في غيبة من الفضائيات وسجالاتها المحتدمة بشأن الرمق الآخر لآخر دقيقة من حياتهم، من حياتهم في موتهم، وبالأحرى تلك الحياة الكانت وقفاً على التعلق بالقيامة والانذعار تحت ظلال أهوالها.
كغيري من هؤلاء الزملاء سأقترض المال من أي مانح سخي، غبي، لأطبع وأشتري صور «السيد الرئيس» المنقذ، والأيقونة، الملهم، التعويذة، الأب والرب، والفارس الهمام ومن تتلاشى الجموع برمشة من أهدابه، أو نفشة من شواربه.
و ليس ثمة ما يمنعني من الاقتراض أو يمنعني من التحلي بنزر من دهاء وخفة وجرأة حكومة اليمن في هذا المقام. ويكفيني الحصول على المال المطلوب من المانح الفريسة للانخداع بإقراض ميت متوار خلف قناع الحياة، بإحكام يمنعه من رؤية مغبة ضياع أمواله تحت بند الدَّيْن الميت، وليس ثمة مصير ينتظر الاموال التي تمنح للموتى -أمثالنا وحكومة صنعاء- غير ذلك المثوى.
كل ذلك يهون في سبيل شراء صور «صدام» أو باقة من صور «الفندم» حقنا لإشباع حاجة الزملاء والرفاق في المقابر بإكسير نخوة، وترياق كبرياء.
[email protected]