الرياضة في السينما.. تراجيديا للهروب إلى النصر

الرياضة في السينما.. تراجيديا للهروب إلى النصر

خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين: الشرقي الإشتراكي، والغربي الرأسمالي، أنتجت هوليوود الامريكية أكثر من مائة فيلم ذي طبيعة رياضية، تقابلها حملة سينمائية شرسة ومضادة من قبل سينما المعسكر الشرقي، والتي تحكي بمجملها علاقة الصراع في صورة رياضية بين القطبين المتناقضين للظفر بالنصر في زمن الحرب والسلام، لتمتد الموجة حتى الوقت الحاضر، شاملة قضية الصراع الفلسطيني/الاسرائيلي، والتي تجسدها الأفلام التراجيدية ذات العرض الكامل أو الوثائقية قصيرة المشاهد.

– طلال سفيان
[email protected]

قدمت السينما العالمية العديد من الأفلام التي تجسد سيرة وكفاح أبطال الرياضة العالمية، والتي يعد فيها فيلم «محمد علي»، الذي انتجته هوليوود منذ عامين، الأشهر على الإطلاق، وهو يروي حياة أسطورة الملاكمة «محمد علي كلاي» الذي ادى دوره الممثل الامريكي الشهير «ويل سميث». إلى جانب إنتاج هوليوود لفيلم «خشبة الزنبقة البيضاء» الذي يدور عن قصة فراشة الجمباز الرومانية «ناديا كومانشي». إضافة إلى تقديم العديد من الأفلام العالمية بقالب إجتماعي من داخل صالات كرة القدم والسلة والبايسبول والرجبي والكريكيت والعديد من الألعاب الرياضية الأخرى.
ليس هذا فقط، بل وظفت السينما العالمية العديد من نجوم الرياضة وأقحمتهم داخل كواليس الفن السابع، للإستفادة من شعبيتهم، حتى تستفيد الأفلام منها عند عرضها بتحقيق أعلى مدخول من شباك التذاكر والترويج لعرضها، حيث برزت قامات رياضية عملاقة في عالم السينما منهم الصيني الراحل «بروسلي» ومواطناه «جاكي شان» و«جت لي» والأمريكي «شك نوريس» والهولندي «فان دام» في ألعاب الدفاع عن النفس، إضافة إلى بروز نجم كمال الأجسام الامريكي الجنسية النمساوي الأصل «أرنولد شوارزنغر» إلى جانب نجمي السلة الامريكيين «مايكل جوردان» و«شاكيل اونيل». وعلى الخطى ذاتها قدمت السينما المصرية العديد من نجوم الرياضة، كنجم الكونغ فو يوسف منصور وبطل كمال الأجسام الشحات مبروك ونجم الإسكواش احمد برادة، كنجوم شباك من الدرجة الأولى.

ذكريات منتشية
أججت السينما العالمية نزعة الانتماء الوطني والقومي، والتي تناولتها الأفلام وبشكل مفرط بصورة احداث رياضية ممزوجة بالتفاخر والتعالي والكبرياء المملوءة بنظرة دونية تجاه الآخرين، حيث قدمت السينما الألمانية على الرغم من عدم ريادتها لهذه الصناعة على عكس هوليوود، فيلم «داس فوندر فون بيرن» (معجزة بيرن) للاعب السابق والمخرج الألماني «زنكو فوكمان»، والذي يتحدث عن المباراة التاريخية التي فازت بها المانيا الغربية على المجر 3/2 في نهائى كأس العالم عام 1954 في العاصمة السويسرية «بيرن» والتي نجح فيها الألمان في قلب كل التوقعات والفوز على واحد من اعظم المنتخبات في تاريخ اللعبة والذي كان يضم عمالقة كرة القدم الكبار (بوشكاش وغروشيتش وهيديكوتي وغوتشيش).
 فقصة «معجزة بيرن» لم تكن توثيقاً لمباراة من روائع اللقاءات في تاريخ اللعبة فحسب، بل كانت تتحدث عن إسقاطات الحرب على المجتمعات، قصة تروي معاناة الجندي نيرلوماتيان العائد من روسيا إلى الوطن بعد 10 سنوات من انتهاء الحرب ليجد ابنه المولع بكرة القدم. «معجزة بيرن» كان بالفعل تجسيداً للشخصية الألمانية المملوءة بالتعالي والتي تجبرك بنفس الوقت على احترامها.
وعلى خط ذكريات المجد المنتشية بزهو شديد، قدمت السينما الأمريكية مطلع الثمانينات السلسلة الثلاثية من أفلام «روكي» التي جسدها الممثل سلفستر ستالون والتي تتناول سيرة بطل الملاكمة «روكي مانشيانو» الإيطالي الأصل الامريكي الجنسية الذي انتزع بطولة العالم للوزن الثقيل عام 1958من البطل الروسي «أندريه تورمانوف» في العاصمة موسكو. فيما واجهت السينما الروسية غريمتها هوليوود عبر فيلم «عربة ترايسكو» الذي أنتج عام 1981ويتحدث عن قصة شاب روسي غر يقتحم رياضة سباق القوارب ويظهر في نهاية مقاطع الشريط وهو يظفر بالنصر من نظرائه الغربيين.
كما قدمت السينما الهندية (بوليوود) فيلم «تمريرة مزدوجة» عام 2003. وهو من بطولة الممثلة «كريشما كابور» و«بوبي دول» نجل الممثل الشهير «دار مندرا» والفيلم يجسد سيرة كفاح المنتخب الهندي «للكريكيت» اللعبة الأكثر شعبية في شبه القارة الهندية، والتي ينتزع فيها «السوبرمان» الهندي المجد من قلب الأسد الباكستاني.
وجاء فيلم «الهروب للنصر» (عمل امريكي/ بريطاني انتج عام 1981)، بإسناد البطولة الى كوكبة من الكرة العالمية إلى جانب نجوم الشاشة الذهبية والذي مثله كل من البرازيليان بيليه وجيرزينيو والارجنتينيان بيرتوني وارديليس والألمان غيرد موللر وهروبيش وبريتنر والبولندي لاتو والانجليز بوبي مور وفينا بلز وبريان روبنسون إضافة إلى الممثل الأمريكي سلفستر ستالون، ويروي قصة مجموعة من جنود الحلفاء وقعوا في اسر القوات الألمانية النازية، حيث يقوم الجنود الأسرى بتكوين فريق لكرة القدم والتدريب في احد معسكرات القوات الألمانية، للعب مباراة تحد تجمعهم مع الفريق القومي الألماني الذي ينكسر في اللقاء الملحمي مع أسرى الحلفاء الذين يكسبون تعاطف ومؤازرة الجمهور الألماني في الملعب ومساعدتهم على الفرار إلى خارج الحدود الألمانية.
كما قدم الفيلم الامريكي «إيفابيرون» مقاطع عن وحدة الالتحام الاجتماعي تجاه البحث عن المجد المفقود والذي جسده الممثل الاسباني انطونيو بانديراس والمغنية الامريكية مادونا التي ادت دور «إيفابيرون» المغنية والممثلة اللاتينية التي تزوجت ديكتاتور الارجنتين والتي اطلقت اغنية «لا تبكي من أجلي يا أرجنتين» عقب قرار الدكتاتور الأرجنتيني خوان بيرون بمنع منتخب بلاده من المشاركة في البطولة العالمية والذي استمر لدورتين متتاليتين في الخمسينات وأصبحت هذه الأغنية فيما بعد رمزاً تاريخياً لأمجاد الرياضة الأرجنتينية.

أسيجة فولاذية
منذ وقت مبكر تناولت السينما العالمية قضية الصراع في الشرق الأوسط والمتمثلة بالصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، فقد قدمت السينما الأوروبية فيلم «دماء في برلين» عام 1978 والذي تدور أحداثه عن العملية الشهيرة التي قامت بها «ايلول الأسود» الفلسطينية في الدورة الأولمبية المقامة في مدينة برلين الألمانية (القسم الغربي) عام 1972، واقتحامها لمقر إقامة الوفد الرياضي الإسرائيلي في القرية الأولمبية، واختطافهم، حتى المشهد الأخير الذي يعرض مقتل الخاطفين الفلسطينيين الثمانية والرياضيين الاسرائيليين العشرة بعد تبادل لإطلاق النار في مطار المدينة بين الخاطفين والقناصة الألمان. لتنتج السينما الإسرائيلية بعد ذلك فيلم «غرفة حمراء» عام 1984 والذي يحكي قصة الجندي «كوهين» الذي يقع في أسر احدى الفصائل الفلسطينية المقاومة للاجتياح الاسرائيلي للبنان في صيف 1982، حيث تُظهر مشاهد الفيلم صورة الجندي مكبلاً داخل احد المخابئ وإلى جواره المقاتلون الفلسطينيون وهم يتابعون جميعاً عبر شاشة التلفزيون احداث مونديال كرة القدم المقامة في اسبانيا عام 1982 والتي يصورها الفيلم بمجموعة هتافات عنصرية حاقدة تصدر من قبل المقاتلين الفلسطينيين اثناء مشاهدتهم للمباريات. فيما يجمع المشهد الأخير للفيلم وحدة مشاعر بين الجندي الإسرائيلي وآسريه ضد الفريق الألماني الذي يمثل: «المؤامرة» بالنسبة للفلسطينيين (ضد المنتخب الجزائري في تلك البطولة)، و«المحرقة» بالنسبة للاسرائيليين؛ والذي خسر أمام ايطاليا في نهائي البطولة. ويختتم الفيلم بلحظة هزلية تتمثل في تحرير الأسير الإسرائيلي بعد مقتل خاطفيه من قبل فرقة كوماندوز اسرائيلية.
فيما يعكس الفيلم الفلسطيني «الشوط الثاني» من خلال حكاية المخرج سائد أبو حمّود، ممارسات واعتداءات الاحتلال الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وتأثيرها على مسيرة الفرق الكروية وحياة اللاعبين، وما واجهه مخرج الفيلم مع زملائه الكرويين من تضييق وحرمان، حيث يقضي أحد اللاعبين شهيداً ويواجه الآخرون مصير الاعتقال في سجن النقب الصحراوي، وتقاسم اللاعبون الآخرون هموم ملاحقة ومطاردة جيش الاحتلال وقواته الامنية لهم، وينتهي بهم المطاف إلى الإبعاد القسري خارج الوطن. كما يعرض الفيلم الفلسطيني «أحلام وأهداف» للمخرجة الفلسطينية مايا صنبر، مسيرة المنتخب الفلسطيني لكرة القدم في قطاع غزة والضفة الغربية ومعسكره التدريبي في القاهرة، حيث يتطرق الفيلم إلى المصاعب الكبيرة التي واجهها المنتخب الفلسطيني في التصفيات التمهيدية لمونديال المانيا، ومعاناة تجميع لاعبي المنتخب سواءً المقيمون داخل الدولة الفلسطينية أو من يلعبون في العديد من دول العالم. كما يعكس الفيلم حرمان الفريق الفلسطيني المحاصر من قبل قوات الاحتلال، من استضافة المنتخبات والأندية على أراضيه.