عن جديد محمد منير.. إمبارح كان عمري عشرين – هاني درويش

عن جديد محمد منير.. إمبارح كان عمري عشرين – هاني درويش

فيما نحن نقترف إثم الموضوعية الأثير، نخفي إحساساً بالضعف والهشاشة أمام ما نحب وننحاز. طوق نجاة هي الموضوعية، ينقذنا دائماً حين تتلبسنا دموع لا إرادية، أو تهدّج في الصوت، ورعشة لطرف العين. ذلك التماسك اللإنساني ضد نازع التورط الفطري، بالمحبة والكره لشيء ما. نفقد مع تقدم الأعمار نزق البدايات اللاموضوعية، لكن التاريخ وهو يسقط يوماً تلو الآخر ما كناه يوماً يرسب فينا أشياء بدائية من هذا النزق. ولنتحدث عن تلك الثمالة المترنحة لجيلنا المسماة شجناً. فنحن وبإقرار مبدئي، ورثة ذلك النسق من الميل إلى الأحزان، ربما كان ذلك احتماءً لا إرادياً، من حالة الفقد التي فطمنا عليها. وفيما نحن نعود بالذاكرة إلى بدايات الحليب الحزين، يبدو محمد منير أباً وملكاً لتلك الأشجان.
نعم ولم لا، فذلك التاريخ الشخصي لهذا الجيل، يحمل بين سطوره اللاواعية ذاكرة موسيقية في تاريخ موازٍ، عنوانه جملة لحنية ربما رافقتنا منذ موعد الغرام الأول، أو كلمات أغنية، حيث تفاجئنا بذكرى أصدقاء لن تسعفنا صور الألبومات أو الخطابات في رسم وجوههم عند الشجار مثلاً، أو حين تضغط على أزرار التشغيل لجهاز المسجل ماركة “ناشيونالـ”، ذي الباب الواحد، في ذلك الصيف البعيد، في مدرسة إعداد الكادر الطليعي، حيث طلع صوت منير رفيقاً ليالي الوحدة الشتوية، أو خلف نار المخيم الكشفي، دون نجمة تصحبنا في ليل الحراسة. هي إذاً تلك الذاكرة، التي تتسع لتتجاوز حدود المكان، بصوره وأشخاصه، لتحفل بما دونه أو فوقه كثيراً. فمنير أو الحكاية الموسيقية لذلك الجيل، هي حكاية مطرب الجرم المشهود، حين يعلو صوتك بلا مبرر موضوعي، بكلمات أغانيه وسط ميكروباص في ليل متأخر، أو حين تبكي لاإرادياً في شارع مزدحم بالناس، أو حين يصيبك ذلك الهوس الجنوني، فيدفعك من سرير دافئ للبحث ساعات عن تكملة جملة “الناس نامت إلاك…”، بينما زوجتك تغط في نوم وديع، أو حين أخيراً ترف لمعة للعين، حين تطالع طفلاً يفاجئك بضحكة بعد نوبة بكاء طويلة.
لم لا مرة أخرى، ونحن نصدقه، هل كنا مثلاً أبناء الغربة المدينية، في مطلع الثمانينات، عندما جاء هو من الجنوب يحكي الحنين؟ لم نكن إلا أبناء للجيل الأول من المغتربين في قاهرة الأحلام، ورغم ذلك صدقناه. ربما لأننا، ونحن نعبر بالجدة العجوز الطريق المزدحم، فيما هي تبسمل، كانت “بنتولد” و”بريء”، حاضرة كملابس الجدة السوداء المبتهجة، أو ربما كانت “شجر الليمون” حلماً بالعودة إلى موطن الآباء الذي انتزعنا منه بلا رحمة، أو حين تراقصت قلوبنا من فرط تأويل “اتكلموا”، لنرفعها شعاراً رمزياً للثورة القادمة. فهل يكتب صلاح جاهين، وفؤاد حداد، غير الكلمة المراوغة؟ وهل يشدو أحمد منيب، إلا باللحن التحريضي؟ وهل يبقى للحياة من صفاء، دون كلمات عبدالرحيم منصور، على ألحان بليغ حمدي؟
وكأن منير علامة فاصلة بين تاريخين: تاريخ التهتك الفطري لموسيقى الابتذال السبعينية، من ورثة الحالم عبدالحليم، وتاريخ الجاز الممزوج بشرقية كما لدى يحيى خليل في بدايات منير، أو بين الكلمة الملتاعة المكررة في غناء ميادة، وبين كلمات مجدي نجيب، حين يسأل “سؤال، باسألك إيه آخرة الأحزان؟”. حتى حين أدركنا أن المشاريع التي تسير في خط مستقيم، ليست من شيم البشر الأسوياء، كنا إذا ما أطل كل عام بثوب أكثر جماهيرية، ذلك الثوب الذي كان يهدد نشوة الفئة الناجية من مستمعيه، كنا نتسلل بكل النبل المتوفر في جنود مخلصين، سرحوا قبل الأوان، لنقف أمام محلات الكاسيت، ونشتري ألبومه الجديد، باحثين ولو عن جملة شاردة، تعيدنا للقديم الذي كانه وكناه. وهو لم يبخل علينا طوال مشواره، بهذه الشفرة السرية، شفرة الشجن الطالعة من قلب طفل متمرد.
لذا حين نؤرخ للسمع لن يبقى في النهاية غيره، خاصة بعد أن سجن رفاق رحلته أنفسهم داخل تيترات المسلسلات، كما الحال مع علي الحجار ومحمد الحلو، أو انجرفوا في مشروع السوق المتقلب فانقلبوا، كما حال مدحت صالح، أو غيبهم الرحيل المأسوي، كما حدث لعمر فتحي. فالإصرار وحده، هو ما كفل للجنوبي الحالم بشهرة عدوية في مدينة غربته من محطة سكة الحديد، وحتى أبواب المنتجين، ذلك الإصرار وحده في استكمال المشروع، هو ما جعله صامداً ومتوازناً وسط أجواء الأغنية المتحولة، ليبقى عابراً بفخر بين أجيال عديدة، تغنت معه وبه للوطن، كما للأم والحبيبة، ومنشداً لنحو 26 عاماً لما لا يستطيع غيره إنشاده. هو الآن، حين يخطو منتصف خمسينات عمره، يغني بكل العناد والإصرار في ألبومه الجديد “إمبارح كان عمري عشرين”، فلا نجد لأنفسنا غير التكذيب، كيف لنا أن نصدق أننا مثله (إمبارح كان عمرنا هو الآخر عشرين). ومهووسين بتلقي إشارات الرفاق القدامى، ها هو يعيد للحياة رباعية غير منشورة لصلاح جاهين، يبدو فيها الشاعر المفجوع، يتهادى ليلاً بينما يضع يده في جيوب بنطاله. ها هو عبد الرحيم منصور يلعن “الزهر”، متمرداً على شيل الحمول، معيداً منير بعذوبة صوته، كل الفخر لآخر أجيال القوالين في العامية المصرية. كما يعيد الاعتبار لهاني شنودة، ووجيه عزيز. وفيما الألبوم يتقلب في مساحات من تاريخ منير الموسيقية، من الخماسي الحماسي كما في “ويلي”، أو الشرقية العذبة كما في “بننجرح”، يشدو منير بلحن راي من زمن وسط الدايرة في أغنية “إمبارح كان عمري عشرين”، متصالحاً مع الأمس، معترفاً “إمبارح وأنا بعذوبتي فارح، بالشوق والهوا سارح، كان عمري عشرين، إمبارح كانت الأمواج تتلاوح، صحت الأبدان تترايح، يا زهرة السنين”.
ولا ينسى في طريقة إحياء الذاكرة له/لنا مثلما فعل مع شادية ووردة ونجاة في ألبومات سابقة، ليستعيد صورة محمد طه، مطربنا الشعبي الأشهر، الذي كثيراً ما سجناه في جلبابه وطاقيته الشهيرة، خوفاً من برجوازية تذكرنا بالصديري الفلاحي الذي نسيناه. يعود الشاب المجند، محمد منير، ليحكي كيف كان في العشرين، على جبهة القتال، يرمي بطاقيته الميري مع الآلاف من زملائه، تحية لمحمد طه، فوق مسرحه على الجبهة. تأتي “يا مسا الجمال والدلالـ”، بصوت منير، لحناً راقصاً من الجبهة المشتهاة.
فلنقلها: ها هو محمد منير يعيدنا بإشارة قائد فرقة الشجن، إلى طابور الخدمة الوطنية. ربما الآن بعد أن تجاوزنا العشرين، نبدو ممزقي الملابس، ومثخني الجراح، لكننا متساندين على بعضنا البعض، نخرج من الخنادق، لنواصل المعركة، التي ما كتب لها بعد أن تتوقف.