الصحفي.. بندق عدال السياسي – عارف أبو حاتم

الصحفي.. بندق عدال السياسي – عارف أبو حاتم

تعلن الأحزاب السياسية في اليمن كل يوم في صحفها عن ضرورة تطبيع الحياة السياسية، والأخذ بالحوار والتفاهم سبيلاً لإصلاح الاعوجاج السياسي، وهي في الأصل تحتاج إلى تطبيع علاقتها مع هذا الصحفي الذي حرر خبر التطبيع السياسي.
قبل إعلان الأحزاب عن تدهور الوضع السياسي، وتأزم الحال الاقتصادي، وتفكك الرابط الاجتماعي، وتراجع الفعل الثقافي، يجب عليها أولاً مراجعة علاقتها بذلك الصحفي الذي سيحرر ويحلل لها مواقفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحسين وضعه المعيشي هو حجر الزاوية في إعادة ترميم الذات الجماعية، فمن غير المعقول أن أطالب بتأمين غذائي لدول الجوار والمجتمع في الداخل يموت يوميا من فرط الجوع، وليس من العدل أن ألزم “العسكري” بتحقيق الأمن والاستقرار وراتبه لا يكفي قيمة “فاصوليا”، ومن العيب الأخلاق قبل السياسي أن تطالب الأحزاب صحفييها بالدفاع عنها، وكشف الآخر، والذود عن حماها، وهم بحاجة لمن يذود عنهم ضد المؤجر والبقال، بحاجة إلى مبادرة تدفع عنهم الجوع، ووثيقة إصلاح وطني تحول بينهم وبين لسعة البرد وذل الانتظار لأمين الصندوق، وهذه حالة لا يمكن بالمطلق إلصاقها بحزب دون آخر.
المسألة لا تعني وجود حالة قطعية بين السياسي والصحفي، فالطرفان يعيشان في تواصل مستمر، وأحياناً يومي لا ينقطع، لكنها علاقة من أعلى إلى أسفل، وهذا ما يريده السياسي، و ما لا يقوى الصحفي على تغييره، فالهاتف المحمول في جيب بنطال الصحفي ما هو إلا الطرف الآخر من حبل طويل، طرفه الأول في يد السياسي الذي يوجه طلباته بين حين وآخر للصحفي بأن اكتب هذا، واربط ذاك بذا، وسرب معلومة حول كذا، وتناول هذا وهمش ذاك، وحتى لو لم يتصل، سيتحرك الصحفي وفق هذه الإملاءات بقناعة وحب لمهنته، دون وعي لحضور السياسي فيما يكتب.
أكتب هذا الألم، وفي الذاكرة شريط طال ويطول، حول مستحقات للصحفي، ووضعه المعيشي المزري، وراتبه الذي لا يحقق له الحد الأدنى من الكرامة، بدءاً من جرجرة الزميلين نعمان قائد سيف وعبدالسيمع محمد في المحاكم، وهما رئيسا تحرير سابقان لصحيفة “الشورى” الصادرة عن اتحاد القوى الشعبية، بدلا من تكريمها في حفل وداع على ما قدماه! تم فصلهما وحرمانهما من حقوقهما المادية والمعنوية، حتى كادت أن تخرج الروح قبل خروج المستحقات، ثم إعلان الزملاء في صحيفة “الوحدوي” الناصرية عن إضرابهم أكثر من مرة، احتجاجاً على هشاشة الراتب حيناً، وانقطاعه حيناً آخر، وصحفيو “الثورى” الاشتراكية ليسوا بأحسن حالاً منهم، وفي الشهر الجاري أعلن الزملاء في أسبوعية “الصحوة” الإصلاحية عن إضرابهم احتجاجا على عدم اعتماد القيادة السياسية للحزب للائحة المالية الجديدة، ثم تم الاعتماد، ثم النفي، ثم الاعتماد من باب حفظ ماء الوجه.
أما الزملاء في إعلام الحزب الحاكم فلا تزال البشائر تترى عليهم بـ”يمن جديد ومستقبل أفضلـ”، أما على الأرض فلا مال، ولا دسم.
أريد أن أخصص الحديث عن علاقة الأحزاب بصحفييها، دون التحدث عن الزملاء العاملين في المؤسسات الرسمية، والصحافة الأهلية، فهم بالتأكيد الأسوأ حظا، والأنكد عيشاً!!
كلما تقدمت السياسة أو تأزمت كان الصحفي هو “بندق عدالـ” السياسي، يغضب ويفرح ويكتب طبقاً لمواقف لم يكن هو شريكاً في صنعها، ألم يدفع سمير قصير وجبران تويني حياتهما ثمناً لمواقف السياسي التي أزمت الحال، أعرف أنهما كانا على علاقة وثيقة بالسياسة، لكنهما لم يكونا قط أصحاب قرار سياسي.
ألم يغادر الزميل نبيل الصوفي رئاسة تحرير “الصحوة” تحت وطأة الحساب الأيديولوجي، والرقابة الدينية، من قبل قيادات دينية في حزب الإصلاح، دون أن تتحرك القيادة السياسية لإنقاذ الموقف، أو على الأقل تفهم موقف “نبيلـ” الذي أعاد “للصحوة” روحها، بعد أن كانت أشبه بنشرة جامع يقع في الحدود اليمنية العمانية.
وأين ذهب المؤتمر الشعبي الحاكم بكاتب جميل مثل أحمد الشرعبي، وصحفي أفنى عمره بالوقوف على خط النار دفاعاً عن المؤتمر- شتماً ومدحاً – هو محمد علي سعد، وكاد الزميل عبدالله الحضرمي أن يموت فقراً هو والعاملون في “22 مايو” صحيفة الحزب الحاكم، ولم تفلح جهوده، وهو رئيس التحرير، في إقناع (السياسي) بالتدخل لدى المسؤول المالي!!
ولماذا سال لعاب السياسي أبو بكر باذيب، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي على رئاسة تحرير “الثورى” بعد مغادرة خالد سلمان. أين المشكل في أن يتولى رئاسة التحرير مروان دماج أو ذكرى عباس أو عبدالسلام جابر!؟
فر الزميل سامي غالب مبكراً من أسبوعية “الوحدوي” الناصرية، لأسباب لا أعرفها، لكن المؤكد أن من بينها إهمال القيادة السياسية للوضع المالي والمعيشي للصحيفة والصحفيين، ومن الذي دفع الزميل حمدي البكاري إلى تقديم استقالته من نائب رئيس تحرير ذات الصحيفة.
أعتقد، دون مغالاة أو قنوط، أن الحديث عن تغيير في النظام السياسي، أو في طبيعته، أو حتى في طبيعة وظيفة الدولة، لا يزال مبكراً في ظل وجود أحزاب سياسية لم تتمكن حتى الآن من تطبيع علاقتها بصحفييها، أو على الأقل الالتفات لمطالبهم الحياتية التي تحفظ لهم كسرة مكانة، أو بقايا كرامة، مقابل الدفاع عن “السياسي”، فيما يطرحه، بغض الطرف عن صوابيته، وبغض الطرف، أيضا، عن ثرائه المخيف، المريب.
[email protected]