العناية السماوية بالعملة الوطنية – د. علي عبدالكريم*

العناية السماوية بالعملة الوطنية – د. علي عبدالكريم*

مناسبتان
أما المناسبة الأولى فقد كانت حضوري الجلسة الافتتاحية للدورة الانعاشية التي أقامها البنك المركزي اليمني بالقاعة الرئيسة لجامعة عدن خلال شهر نوفمبر الماضي، وتسنى لي خلالها، مع جمع الحاضرين، الاستماع لمحاضرة الأخ أحمد عبدالرحمن السماوي حول البنك المركزي اليمني نشأة ومهاماً وتطوراً وإسهاماً في تقديم خدماته لكافة قطاعات الاقتصاد، باعتباره مستشار الدولة المالي وحامي الحمى وبنك البنوك وصمام الامان المفترض للدفاع عن السيادة الوطنية من خلال أدواته المختلفة وسياساته النقدية للحفاظ على قوة ومتانة سعر العملة الوطنية إزاء تعاملاتها مع وسائل الدفع الدولية وفي المقدمة منها الدولار الأمريكي، مع وجوب التأكيد من قبلنا على أهمية، بل وضرورة أن يطور البنك المركزي أساليب عمله وأدواته كي لا نقع فريسة سهلة لربط الريال اليمني بالدولار الامريكي، وذلك عبر ربط الريال اليمني بسلة من العملات الحرة الرئيسة او بوحدة السحب الخاصة.
وكانت المناسبة الثانية التي ألتقي فيها مع الاخ محافظ البنك المركزي فكان الحديث الذي أوردته جريدة «الأيام» الغراء في عددها رقم (4950) بتاريخ 2 نوفمبر 2006، حول حديث الأخ المحافظ لأعضاء مجلس الشورى وتحت العنوان البارز التالي:
«الحكومة والبنك المركزي لا يستطيعان اتخاذ قرار ضد البنك الوطني لأن (8) بنوك مرشحة للوصول إلى المصير نفسه».
وحتى لا أقع فريسة للخوف القاتل من هكذا عنوان فقد حرصتُ على تتبع الخبر المنشور بالجريدة المذكورة، ووقفت على التفاصيل التالية:
1 – إن حديث الاخ المحافظ لأعضاء مجلس الشورى كان بغرض وضع اعضاء المجلس حول المستوى الذي وصل إليه نشاط البنك المركزي وتزايد دوره في خدمة وحماية الاقتصاد الوطني من خلال حماية عملته.
2 – أشار الاخ المحافظ إلى التوقعات والسيناريوهات التي تم تداولها من قبل الخبراء الاقتصاديين وبعثات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما لهما من دور في متابعة برنامج الحكومة لإنجاز مهام الاصلاح المالي والاداري والمستند أساساً على روشتة الصندوق والبنك الدوليين.
3 – حديثه المفتوح حول ظاهرة إفلاس البنوك التجارية في معرض حديثه عن إفلاس البنك الوطني في بلادنا وتأثيرات ذلك على أوضاع البنوك الخاصة في السوق المحلية.
4 – كما أشار في معرض حديثه إلى استمرار اعتماد البنك على آلية إصداره لأذون الخزانة كوسيلة لسحب وامتصاص السيولة من الاسواق مقابل فوائد بنكية مغرية.
5 – وختاماً أشار إلى استمرار تدخل البنك المركزي في اسواق النقد الاجنبي، وبالضبط لمواجهة الطلبات الفجائية والطارئة أو كلما استشعروا أن الطلب على الدولار في الاسواق لا يغطيه عرض مكافئ، ويكون تدخله على شكل ضخ أجزاء من احتياجاته من تلك العملة..
إلى هنا والحديث في إطار المعتاد. ولكن المسكوت عنه من الأهمية بمكان بحيث لا يمر حديث الرجل الأول المشغول عن الاستقرار الحقيقي لدخول ومعيشة الناس من جانب من حيث مدى استقرار قوة عملتهم معبراً عنها بشكل سلع وخدمات تؤدي ارتفاعات أسعارها إلى تآكل القيم الثابتة لما بيدهم من عملة وطنية، خاصة اصحاب الدخول الوسطى والدنيا والمعاشات واصحاب المشاريع الصغيرة واصحاب المدخرات البسيطة والذين يصعب عليهم تجديد موجوداتهم من النقد الأجنبي.
وفي هذا الخصوص نورد الملاحظات التالية:
أولاً: أهمية أن تظل قضية إفلاس البنك الوطني قضية مفتوحة حتى الوصول إلى إتمام عملية المحاسبة الرادعة لهذه الظاهرة الخطيرة التي فتحت للعين المجردة «فاترينة» الفساد وبشكل يتطلب وقفة جادة وحقيقية وضمن مشروع استراتيجي للبدء بمحاربة هذه الظاهرة.
ثانياً: لا يكفي أن يكون رد الفعل لدى الأخ المحافظ هو الشعور بالمرارة، عندما يتحدث عن قضية إفلاس البنك الوطني، كما جاء في حديثه لاعضاء مجلس الشورى، الذي نوه خلاله إلى وجود حكايات طويلة لو حدثهم عنها لاستغربوا!
أية مرارة؟! وأية حكايات؟! وأي استغراب هذا الذي نتحدث عنه أمام هيئة يفترض فيها أنها رقيب وعين الشعب الساهرة على حماية مستقبله وحماية ضرورات وجوده؟!
إن الاكثر مرارة، والتي يشعر بها المواطن العادي، أن يكون رد الفعل مجرد مرارة واستغراب هو الذي أوصلنا إلى الحالة البائسة التي نعيش، والتي لا تشكل أرضية حقيقية للاصلاح والاستقرار ولا تفضي إلى تولد مشاعر الثقة والاستقرار والاطمئنان كعناصر اساسية لجذب الاستثمارات وتدفقها لخدمة قطاع التنمية الحقيقية التي لا نزال نبحث عنها بعيداً عن مجرد الشعور بالمرارة وحكايات ألف ليلة وليلة ومظاهر الاستغراب التي تُرسم على محيا وجهاء القوم ونخبهم التي لا تحرك ساكناً متى شعرت فقط ان مصالحها هي بالذات لن يمسها الضرر.
ثالثاً: إن الإشارات التي وردت في حديث الأخ المحافظ حول السيناريوهات التي تداولتها المنظمات الدولية بشأن تغيرات سعر صرف الريال اليمني مقابل الدولار الأمريكي ليتراوح ما بين 200 و400 ريال، ينبغي التعامل معها بحذر شديد مع أهمية التأكيد على أن استقرار سعر صرف العملة الوطنية/ الريال مرهون دائماً بحل جملة من التعقيدات والمشاكل الموضوعية لا يكفي معها أي نوايا حسنة أو الكلام المنمق. سعر العمل تحدده ثقة الداخل والخارج بكفاءة عناصر الانتاج واستقرار موازين الاقتصاد الوطني وكفاءة السلطة الوطنية في إطار المنافسة، ومدى قدرة العمل المؤسسي والقانوني على تهيئة وخلق المناخات الاستثمارية وضمان حقوق المتعاملين بالسوق من أي نفوذ وقوى بطش لا يردعها نظام او قانون.
نقول ذلك لأن سعر صرف أي عملة ليس هدفاً بحد ذاته ولكنه سبيل وآلية لتحقيق جملة من الاهداف الاقتصادية والتنموية التي من أهمها:
– المساهمة في حدوث إنعاش حقيقي للنشاط الاقتصادي والانتاجي أساساً، إلى جانب المساهمة في جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية.
– ضمان شروط عادلة لمعاملات الاقتصاد الوطني مع العالم الخارجي.
– زيادة القدرات التنافسية للصادرات الوطنية السلعية والخدمية.
وبالتحليل لنتائج تدخل البنك المركزي في اسواق النقد الاجنبي من خلال ضخه المستمر، لمواجهة أي اختلالات في العرض، لم يكن سبيلاً أو حتى مؤشراً يفضي إلى تحقيق أيٍّ من الاهداف المذكورة. بمعنى أن الحرص كان يسعى فقط إسمياً لوأد تكهنات وسيناريوهات تغيرات سعر صرف الريال والعمل على إبقائه إسمياً عند حدود لا تتجاوز ال200 ريال مع بقاء الاحتمال وارداً بانهيار هذا السقف إن لم يدخل عاملا التنظيم الجديد وخلق أجواء الثقة، لحماية سعر العملة من أي تذبذب واضطراب.. العملة ترجمة لقطاعات اقتصادية قوية وإنتاجية عمل معيارية وتكامل نظم قانونية ومؤسسية، وليس ترجمة لرغبة وقرار فوقي بيروقراطي.
وبهذا الصدد لنا أن نشير ايضاً إلى الجزئية الخطيرة التي وردت بحديث الاخ المحافظ بشأن تأثيرات إفلاس البنك الوطني وإشارته الواضحة إلى أن ثمة ثمانية بنوك أخرى تنتظر نفس المصير وإشارته ايضاً إلى وجود حكايات يشيب لها وجه الطفل البريء، عمَّا كان يجري داخل البنك الوطني.. نقول: أبهذه الصورة ستكون العملة الوطنية مصونة وتدفقات الاستثمار لا تنقطع؟! أم أن هذه الصورة هي التي ستحكم بالاعدام الفوري على أية محاولات جادة وحقيقية لاصلاح ذات البين بين الرغبة في التنمية الحقيقية والفساد المستشري جهاراً نهاراً في جسد الاقتصاد الوطني وداخل أهم مفاصله: القطاع المالي المصرفي؟!
وفي إطار حديثه عن أدوات السياسة النقدية التي يستخدمها البنك المركزي للسيطرة على التضخم، وبضمنها استمراره في إصدار سندات الخزانة للتأثير على حجم السيولة المتاحة في الاسواق، معتمداً في ذلك على سعر الفائدة المرتفع للريال اليمني في حدود 13٪، نقول إن عدم التناسق في السياسات بين الإنفاق المتزايد «للجانب الاستهلاكي غير المنتج» يُفقد الآثار المتوخاة لسياسات البنك المركزي بشأن التأثير على نسبة التضخم والتي تتجاوز كثيراً النسبة الحكومية المعلن عنها (9٪) حيث انها تتجاوز بكثير نسبة الفائدة البنكية للريال اليمني (13٪)، تحليل اتجاهات وتصاعد الاسعار سيقودنا إلى هذه النتيجة مما يؤكد أهمية قولنا بضرورة، بل والاهمية القصوى لوحدة السياسات الاقتصادية في البلاد.
نشير في ختام ورقتنا هذه إلى جملة ملاحظات اساسية نوردها على النحو التالي:
1 – كيف يستقيم أن يجمع البنك المركزي بين وظيفته كبنك بنوك يراقب ويحاسب ويضع السياسات النقدية، ويمارس في ذات الوقت عملاً تنفيذياً كأعمال الخزانة العامة المفترض تأديتها من قبل جهاز خاص (الخزانة العامة) تتبع جهة اخرى يمارس عليها البنك المركزي مسؤولية المراقبة والمحاسبة والمتابعة؟!
2 – لماذا تأخر حتى الآن إنجاز مهمة كبرى من مهمات حشد الموارد المالية المتاحة في الاسواق لتوفير التمويل اللازم لمشروعات التنمية.. نقصد بذلك القرار الخاص بإنشاء السوق المالية «البورصة»؟ هل شكل الاكتفاء بإصدار سندات الخزانة بديلاً عن ذلك؟! أم أن طبيعة الشركات في السوق اليمنية باعتبارها شركات عائلية تحول دون ذلك؟! أم أن الامر مرتبط بانعدام الثقة بالتحول نحو السندات والأسهم كوسيلة حديثة للاحتفاظ بالقيم لم تترسخ لدى النخب المالية التي تكونت لديها ثروات بكثير من الطرق غير المرسملة؟! أم أن غياب الكثير من التنظيمات والتطمينات وأجواء الثقة وطبيعة «الرأسمال» الوطني يفضل حتى اللحظة العمل الدكاكيني بعيداً عن متطلبات سوق رأس المال غير المتوفرة مقوماته في البلاد؟!..
تساؤلات مطروحة على بساط البحث لدى قيادة الجهات المصرفي وفي المقدمة البنك المركزي.

*الأمين العام المساعد السابق للجامعة العربي