عبدالباري طاهر يحلل الحكومة العراقية ويعتبرها ” حكومة معوَّمة “

عبدالباري طاهر يحلل الحكومة العراقية ويعتبرها ” حكومة معوَّمة ”

 

مضت عدة أشهر على الانتخابات العراقية، وهي الانتخابات التي شهدت إقبالا لافتا، وهدوءا استغربه المراقبون، وجسَّد رغبة العراقيين في استعادة حرياتهم وبناء وطنهم.

 

ما كان للانتخابات العراقية ان تنجح لولا المأزق الكبير الذي تعيشه الإدارة الأمريكية. الإدارة الأمريكية، وتحديداً فريق المحافظين الجدد، قد جعلوا من سلاح الدمار الشامل ونشر الديمقراطية مبرريْن شبه وحيدين لغزو واحتلال العراق. وقد أكدت الوقائع والتفتيش الدقيق كذب دعاوى فريق بوش، باعترافهم أنفسهم وانكشاف “المُخبَّأ”.

 

كما أن تهمة علاقة نظام صدام بالقاعدة قد سقطت ومنذ الأيام الأولى. بل ان المفارقة الراعبة أن الاحتلال الأمريكي هو المسؤول الأول عن جذب القاعدة والزرقاوي وأشباح الإرهاب من كل حدب وصوب إلى بلاد الرافدين. لم يبق أمام إدارة بوش من مبرر (سواء أمام الشعب الأمريكي أم الرأي العام) غير عكاز نشر الديمقراطية. بل الأدهى و الأمرّ انه لم يبق من خيار متاح أمام تصاعد الحرب وخسائرها الجسيمة غير”التهدئة” والرهان على وسائل غير “الحسم العسكري” الذي أعلنه بوش في الساعات الأولى لوصول قواته إلى بغداد.

 

ويبدو ان الانتخابات كانت إرادة عامة مشتركة لكل الأطراف ماعدا جماعة الزرقاوي ومن لف لفهم. فأمريكا وبريطانيا وهما لاعبان أساسيان قد أرادا منها فتح نافذة للحل السياسي، وإعاقة تصاعد الحرب، وخلق الانطباع بأن التحول الديمقراطي في العراق قد أنجز. وهو ما يوحي بالانتصار في العراق. فالمهمة قد أنجزت حسب بوش نفسه. أما العراقيون بمختلف ألوان طيفهم فإنهم يقرأون في الانتخابات الوسيلة الفضلى لتوافق الإرادات المجتمعية والسياسية على خيار خروج أو على الأقل تزمين خروج جيش الاحتلال بعد ان فشل الجميع في التوافق على شكل محدد “للمقاومة”.

 

ويبدو ان مطلب تزمين انسحاب جيش الاحتلال هو السر وراء الإقبال الكبير على الانتخابات، وتوفير أجواء من الأمن والسلام والاستقرار.

 

وهناك حسابات خاصة بكل طرف من أطراف اللعبة السياسية. فإذا كانت الأحزاب الشيعية قد أعلنت بصوت جهير انها الأغلبية فإن السنة قد أعلنوا أنهم طرف سياسي وعامل مهم يستحيل تجاهلهم أو القفز فوق مطالبهم، وخصوصا فيما يتعلق بالحرب. أما الأكراد فهم الطرف الأكثر توحدا وتماسكا وحجر القبان في اللعبة كلها.

 

حقا فان الخيار الديمقراطي وان اتجه الجميع إليه وقبل به، إلا ان الرهان على الحرب ما زال قائما بدرجات متفاوتة خصوصا لدى طرفي الحرب الأساسيين: الأمريكان والبريطانيين من جهة والزرقاوي ومجموعاته من الجهة الأخرى. فهذان الطرفان مازالا يراهنان على “الإرهابـ” أكثر من الرهان على الديمقراطية أو السلام. وإذا كان قادة القاعدة يرفضونها علنا فان بوش يريدها شكلية و زائفة لتبرير الاحتلال، ولجعل القواعد الأمريكية مطلبا عراقيا أبديا. ويقينا فان اللعب بورقة السنة/ الشيعة، وتغيير التكتيكات وتبدل المواقف، والتلويح علنا بورقة التقسيم حسب ال “واشنطن بوست”، يعبر عن هذه الروح الكريهة.

 

وتبقى الحكومة العراقية معلقة بسبب التجاذبات الطائفية والحسابات الفئوية الضيقة. معروف ان الانتخابات نفسها قد جرت بنفس الأهواء الطائفية والفئوية والحزبية الضيقة حتى داخل الطائفة الواحدة. فهناك عدة أحزاب تنتمي إلى الشيعة مما يعني ان اللعبة الطائفية هشة وزائفة ويمكن اختراقها وتجاوزها في لحظات التحاور السياسي الوطني. ان الاحتلال يلعب الآن بورقة الطائفية، وهي الخطر الماحق الذي يتهدد المنطقة كلها. فالنظام العربي من الماء إلى الماء موصوم بالطائفية والقبلية وعلائق ما قبل التاريخ، والاتجاهات الحداثية والمدنية جد ضعيفة.

 

العراق التواق إلى الخلاص من الاحتلال الأمريكي ومن الإرهاب الزرقاوي الطائفي والوبيل، لا يستطيع الخلاص إلا بإسقاط ورقة الطائفية والحزبية الضيقة، والتوافق على توزيع الحقائب حسب الكفاءة والنزاهة والوطنية، وهناك اتجاهات مدنية ديمقراطية في مختلف التركيبة العراقية، وفي كل الأطراف.

 

الراعب ان العراق الذي عرف التوحد قبل آلاف السنوات، وسن قوانين للتوحيد، يراد له في القرن الحادي والعشرين ان يُمزَّق على أسس طائفية و جهوية. الطائفية موجودة، ولكن التعاطي معها هو الأساس. ففي لحظات التوظيف السياسي والتمييز والقهر والإلغاء يصطف الناس على الأساس الخاطئ، وتسود هويات موهومة وزائفة.

 

وفي العراق يلعب الزرقاوي وأتباعه أدوارا اخطر بكثير مما تلعبه جيوش الاحتلال الأمريكي والبريطاني في التمزيق؛ فهو يساوي الشيعة بالصليبيين، نظريا، ويستهدف الشيعة خاصة والعراقيين عامة بالقتل أكثر ما يستهدف الأمريكان والبريطانيين. ان الاحتلال على بشاعته وقسوته يحشد الناس رغما عنه على أساس الدفاع عن هوية قومية. بينما يعمل الإرهاب الزرقاوي على حشد الناس على أسس طائفية ودينية، وان كان الطرفان يرفد بعضهما بعضا، ويزكي بعضهما بعضا حتى وهما يحتربان؛ لأن دعاوى كل منهما تبرر الأخرى وتغذيها وتعطيها أرضية الاستمرارية والبقاء. تفكيك الآليات و البنى والخطاب الطائفي في العراق هي المهمة الأكثر إلحاحا وجوهرية. فتفكيك المليشيات الطائفية الشيعية والسنية، وعقلنة الخطاب، والابتعاد عن المحاصصة الطائفية، وتغليب مصلحة العراق: الناس والأرض، هي الطريق الآمن والوحيد للانتصار على الاحتلال، وقهر وهزيمة الإرهاب.

 

والمهمتان: طرد الاحتلال وهزيمة الإرهاب، متلازمتان. وكانت الانتخابات بوابة واسعة لهذه الإمكانية (غير المستحيلة). وهنا مقتل بوش وابن لادن في آن واحد.

 

فبوش وأركان حزبه يلجأون إلى التلويح علنا بسلاح الحرب الأهلية والتقسيم الطائفي. تصريحات بوش ودك تشيني و رامسفيلد. أما الزرقاوي وابن لادن والظواهري فإنهم يدعون علنا للحرب الدينية والتصفيات الطوائفية، ويقومون فعلا بحرب جهنمية ضد غالبية العالم الإسلامي الشيعية والعلمانية، وتحديدا في العراق.