البوح الصومالي (ملف عن اللاجئين الصوماليين)

البوح الصومالي (ملف عن اللاجئين الصوماليين)
البوح الصومالي ملف

البوح الصومالي (ملف عن اللاجئين الصوماليين)

بدءاً من هذا العدد تخصِّص «النداء» جزءاً من صفحاتها لتغطية أوضاع اللاجئين الصوماليين في اليمن.
الفكرة نتجت من محض تحقيق خاص عن تأثير التطورات الأخيرة في الصومال على ظاهرة اللجوء إلى اليمن التي بدأت مطلع العقد الماضي، لكن الرغبة الجارفة للبوح عند لاجئين ولاجئات التقتهم الصحيفة في العاصمة ولحج وعدن، وانكشاف ما خفي من أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية في تجمعات اللاجئين الأساسية، حوَّل «محض التحقيق» إلى ملف يمهِّد لصفحة متخصصة باللاجئين.
إلى ما قبل عقود كان الصومال أحد أهم مواطن لجوء اليمنيين الهاربين من العسف والحرمان، قبل أن يتقوض على يد حفنة عسكرية اختطفته نحو ربع قرن، محيلة أراضيه إلى مشتل لعصبيات قبلية, ومستقر آمن لتجار حروب ورجال مافيات وجهاديين من النمط الطالباني.
على امتداد قرون كانت الحركة بين ضفتي خليج عدن انسيابية وعلى الاتجاهين، تبادل خلالها البلدان، مراراً، دور المضيف في إقليم محكوم بتقلبات الطبيعة وانقلابات العسكر ونزاعات قراصنة وأباطرة من شتى الأنحاء. لكن الانهيار السريع لنظام بري، وتقوض الدولة الصومالية مطلع التسعينات نقل العلاقة بين البلدين إلى طور مغاير، حركة البشر فيه من اتجاه واحد، من الجنوب إلى الشمال، مقابل دفعات مال وسلاح تتدفق جنوباً لتصب في مخازن حكومات ومحاكم الدويلات الصومالية.
وفي النتيجة دخلت حركة البشر دوراً جديداً، شاذاً وراعباً، هو دور المعزل، لعله البعد الأشد مأساوية للحرب.
لغرض إعداد تحقيق عن أثر مستجدات الوضع في الصومال على حركة اللجوء إلى اليمن، زارت «النداء» محافظتي عدن ولحج، والتقت أبرز الأطراف ذات الصلة بتجمعات اللاجئين في العاصمة صنعاء، و«خرز» و«البساتين».
لكن ما رصدته على مدى 10 أيام ألزمها، بوازع من الواجب وبضغط من ضمائر هالها ما رأت وسمعت، أن تخصص بدءاً من هذا العدد حيزاً من صفحاتها لتغطية أوضاع اللاجئين الصومال أساساً، واللاجئين عموماً، في اليمن.
تدرك أسرة «النداء» التعقيدات التي قد تواجهها جراء فتح هذا الملف، وأهمها تحفظ عديد جهات حكومية وأهلية ودولية ذات صلة، حيال أسلوب تغطية الاعلام اليمني لشؤون اللاجئين، وبخاصة قيام بعض الصحف بنشر مواد صحفية عن اللاجئين تكرِّس صورة نمطية سلبية عن ضحايا يفتقرون للحد الأدنى من الحماية والاستقلالية في محيط متوتر، اجتماعياً وسياسياً.
وإذ نتفهم بعض دواعي تحفظ هذه الجهات، فإن «النداء» الملتزمة أساساً بتغطية شؤون الفئات المهمشة، وبخاصة ذوو الاحتياجات الخاصة، إيجابياً، تتوسل من خلال تغطيتها لشؤون اللاجئين أن تسهم في التهيئة لعلاقة تكاملية بين المنظمات المعنية، وفي المقدمة التنظيمات الذاتية للاجئين أنفسهم، تصب في صالح تحسين ظروفهم وتأمين الحماية لهم، وإزالة الصور السلبية عنهم في المجتمع اليمني.
وفي المقابل تأمل الصحيفة أن تتفهم هذه الجهات أية انتقادات لأوجه القصور في أدائها راجية ألاَّ تتوانى هذه الجهات عن إرسال ملاحظاتها أو تعليقاتها على ما تنشره من تقارير وتحقيقات وآراء، ترى فيها نقصاناً أو تجاوزاً أو أخطاء.

***

في الشأن الصومالي – د. علي عبدالكريم*

الصومال الشقيق إلى أين!؟
لم يعد هذا السؤال خاصاً بالصومال وحده، حيث لنا أن نقول: من شابه أخاه فما ظلم. حال الصومال هي من حال العراق وفلسطين ولبنان والسودان، والبقية تأتي. الميزة في الحالة الصومالية أن فعالياتها، بتعدد ارتباطاتها وانتماءاتها، عبَّرت بشكل مكشوف عن واقع مماثل تعيشه كثير من البلاد العربية بشكل مكبوت أو مُغطى إلى حين، إن لم تعِ الأنظمة العربية حقيقة ما آل إليه الوضع في الصومال وحقيقة أسبابه.
والميزة الثانية للشأن الصومالي أن الاشقاء هناك عجلوا بفتح الجراح ولكنهم افتقدوا إلى الجرَّاح.

إعادة إكتشاف الدولة
إن الحالة في الصومال الشقيق تؤكد الدعوة الحقيقية لإعادة اكتشاف الدولة، وهل هي شيء مجرد يُعامل بشكل مستقل عن المجتمع بتقسيماته الطبقية وطبيعة العلاقات الاجتماعية والتوازنات التي تحكم المصالح بعيداً عن تجسيد إرادة الناس ومصالحها عبر دولة يتوافق عليها الجميع؟ وهل الدولة، التي سادت فترة، أو تلك التي نبحث عنها لترتيب أوضاع شعب الصومال، هي تغيير سياسي حقيقي للقوى على الأرض لجملة تحالفات طبقية واجتماعية تحتكم إلى شرعية أخرى غير شرعية طرف أو أطراف، وتنحو باتجاه البحث عن آلية قانونية وتشريعية لصيانة حقوق أبناء الصومال بعيداً عن الانتماءات الضيقة؟ أم هل الدولة التي يتم البحث عنها من خلال كل المؤتمرات التي شهدتها الفعاليات الصومالية المختلفة، بدءاً من مؤتمر عرتا، ومروراً بمؤتمر جيبوتي، ومؤتمر نيروبي الذي استمر لأكثر من عامين بدعم دول «الإيجاد» وتواجد مخز للمجموعة العربية، وتمخض هذا المؤتمر، من خلال المفاوضات الماراثونية، عن التوصل إلى اتفاق المصالحة الوطنية الصومالية، تلك المصالحة التي حرصت على إبراز ثلاثة عناوين كأرضية مستقبلية يجري البناء عليها، وهي:
– الميثاق الانتقالي.
– شكل نظام الحكم.
– تركيبة البرلمان المقبل.
وقد ثارت خلافات جوهرية بين الاطراف، تمثلت أبرز تلك الخلافات في النقاط التالية:
– مسألة الفصل بين الدين والدولة.
– وضع اللغة العربية كلغة أساسية.
– طريقة انتخابات البرلمان الانتقالي.
– عدم الاعتراف بالوضع الخاص لما يسمى بجمهورية أرض الصومال.

الصومال بين الحاكم والمحاكم
واضح حتى الآن أن المشكلة الصومالية، بعد أقلمتها وتدويلها، قد دخلت في منعرج جديد بالبروز المفاجئ من القوة والامتداد وطبيعة التسلح والمشروع الاسلامي الذي تمارسه المحاكم الاسلامية والتي باشرت عملية إسقاط للمواقع والمدن ومحاصرة قوات تواجد الحاكم «عبدالله يوسف» في منطقة بيداو.
المشروع الذي حمله الحاكم استند إلى دعم إقليمي وشبه دولي وعربي لم يتمثل على الأرض في برنامج ورؤية سياسية شاملة تنهض بأعباء إعادة تكوين الصومال الجديد. ظل عبدالله يوسف، وفق العلاقات المعقدة التي تربط أطراف ائتلافه وتحالفاته الاقليمية، أسيراً للمطامح والمطامع الاقليمية، في وقت تطرح المحاكم نفسها كمبشر منقذ للصومال، بمشروعها الاسلامي الذي آثار حفيظة الراعي الاساسي لصراعات الاطراف الصومالية والاقليمية (الولايات المتحدة) خوفاً من تمدد جديد للقوى الاسلامية بطابعها الطالباني، أو هكذا تم تصوير الامر.
الحالة بين الحاكم والمحاكم تحمل بارود انفجار للشأن الصومالي إذا أصر كل طرف على تبني رؤيته بالمطلق. ولهذا كان الفشل المؤقت للقاءات الخرطوم ولدخول الجحافل الاقليمية المؤيدة لكل طرف: إثيوبيا، وإرتيريا. والغريب في الحالة الصومالية أن كل الفرقاء الاقليميين بوجهات نظر مختلفة فيما بينهم تنطلق من قراءة رؤية الراعي الأمريكي.
الساحة الصومالية ساخنة تعج بالمشكلات الجسام. أرضية الصراع خصبة، ومشكلات الفقر والتشرذم المناطقي والقبلي توفر خامة طيبة لتمددات مشروع المحاكم، مع وجود دعم خفي إقليمي ودولي؛ ومشروع الحاكم المدني، الغائبة رؤيته ترتكز أكثر ما ترتكز على قوة الدعم الخارجي من «الإيجاد»،. تلك نقطة ضعف. ومن هنا تعزف المحاكم على مقاومة الغزو وقوات الغزو، وتطرح البديل الوطني للدفاع عن وحدة الأرض الصومالية.
ولكن المشكلة أن القراءة أحادية الجانب التي تصر عليها المحاكم ستصل بالبلاد إلى حافة الحرب الأهلية، إذا أعادت تجربة طالبان في إدارة شؤون الصومال الفقير الممزق.
الصومال يعاني أربع مشكلات رئيسة تتطلب عوناً ودعماً صادقاً، كما تتطلب رؤية وطنية صومالية مشتركة لجميع الفرقاء الصوماليين، بتلاوينهم المختلفة، للمساهمة والمشاركة في إنجاز أربع قضايا رئيسة:
1 – إنجاز مشروع الدستور الانتقالي وشكل الحكم.
2 – التوافق على حل ونزع سلاح المليشيات والفصائل المسلحة.
3 – برنامج إعادة الاعمار للصومال المدمَّر.
4 – الاتفاق على العناصر الضامنة والكفيلة بتحقيق وحدة الارض الصومالية، وفقاً لمصالح الشعب العليا، بعيداً عن عناصر القوة والميل العاطفي الغريزي.
تلك آمال على طريق المصالحة وإنجاز المهمة التاريخية، لإخراج الصومال من نفق الاغتراب، الذي ولجه منذ عام 1990.

* الأمين العام المساعد السابق للجامعة العربية

***

لم تنتهِ رحلتهم بعد

قبل ساعات فقط إبتلع سمك القرش على خليج عدن، (58) صومالياً كانوا في طريقهم
إلى اليمن.. هل تكون النتيجة إبتسامة عريضة للمفوضية السامية؟

– جلال الشرعبي

قصة اللاجئين الصوماليين بدأت قبل اكثر من عقدين والبقية تأتي.
إذ ليست البداية إنهيار نظام محمد سياد بري في ال26 من يناير العام 1991.. إذ سبق هذا التاريخ حرب داخلية كان من نتائجها أفواج من اللاجئين الذين فروا من النظام العسكري «لبري» كان معظمهم يحملون مؤهلات علمية ومواقع قيادية في نظامه، وقد استخدم هؤلاء اليمن كمحطة ترانزيت نحو الخليج وكندا واستراليا وأوروبا عموماً.
كانت نهاية سبعينيات القرن على موعد مع حروب بري ضد أثيوبيا، حيث لم تفلح حروبه الثلاث سوى في ازدياد معاناة الصوماليين عبر البحر بحثاً عن الحياة.
وفي الثمانينيات أعلن محمد سياد بري الحرب ضد شمال الصومال وقد جمع عتاده العسكري لتدمير مدينة (هرجيسا) ليقتل الآلاف من الصوماليين ويشرد آخرين هرعوا مذعورين طمعاً في النجاة.
بعد إنهيار نظام محمد سياد بري تحولت مواسم هجرة الصوماليين بعشرات الآلاف دفعة واحدة، في طريق بحري غير آمن خسر المئات منهم روحه ولقي البعض الآخر حتفه على يد قراصنة أحسوا لحظة نشوة أن جسده يبدو ثقيلاً على قارب خشبي مهترىء.
وكان من نتائج انهيار الدولة الصومالية ظهور خارطة جغرافية جديدة وقادة عسكريين جدد أيضاً.
في الشمال لم تكد «صومالي لاند» تضمد جراحها من نيران «بري» حتى أعلنت الإنفصال عن الجنوب وحتى الآن (16) عاماً دون اعتراف. لكن آثار الحرب ما زالت باقية، واللاجئين الذين نزحوا من هناك ما زال العديد منهم دون قدرة على إرادة العودة نحو «بربرة» التي خرجوا منها مذعورين.
وفي الوسط كانت الفيدرالية خياراً لإقليم بونت لاند، لكن ميناء «بصاصو» الذي كان الشريان الاقتصادي لهذا الإقليم تحول إلى بوابة عبور للاجئين بالآلاف هرباً من الحرب الأهلية وتقسيمات الجغرافيا الجديدة على الأرض.
أما العاصمة مقديشو فقد كانت مكاناً لاسترخاء امراء الحرب طوال عقد ونصف من الزمن يتقاسمون أرباح مطاراتها وموانيها وينصبون نقاط التفتيش عند كل كيلومتر. وكانت النتيجة أن أكثر من أربعة ملايين صومالي يغادرون بلادهم هرباً من الحرب الأهلية.
كانت منافذ خروج اللاجئين من الصومال متعددة. غير أن أبرز هذه المنافذ كان ميناء «بصاصو» ثم ميناء «بربرة». آخرون قدموا إلى اليمن أثناء إشتداد الحرب الأهلية في الداخل عبر ميناء «كسمايو»، حيث كانت رحلتهم تستغرق ما يزيد على سبعة عشر يوماً، وقد لقي العديد منهم حتفه.
لم تكن القبيلة التي تُعد دين الصوماليين غائبة، كسبب دافع للجوء إذ أن ثارات كثيرة خلفها امراء الحرب كان من نتائجها تدافع المئات من ابناء القبائل خارج الصومال.
على أن الصومال الذي تتركز اركانه الاجتماعية على أربعة أعمدة قبلية: «الدارود»، «الدر»، «رحنوين»، الهوية وأقليات أخرى تشكل 12٪.. لا يمكن احتواء المصالح فيه أو تقاسمها بالتراضي كما يبدو بطريقة يسيرة إذ يخرج من بطون أعمدتها الأربعة أسياخ حديد متمترسة عند كل باب ونافذة.
وقد كان اللجوء قد بدأ من قبيلة «الدارود» التي خرج من رحمها الجنرال محمد سياد بري والرئيس الحالي عبدالله يوسف وهو الآن مستمر من نفس القبيلة. وما بين إنهيار الدولة حتى الآن كان نصيب القبائل الأخرى خصوصاً «الهوية» كبيراً أيضاً إذ خرج الكثير من أبنائها بسبب ظلم نظام سياد بريه ثم بسبب سيطرة أمراء الحرب وهي الآن تعد القبيلة التي ينتمي إليها «إتحاد المحاكم الإسلامية»..
كذلك فإن القبيلتين الاخريتين (رحنوين) و(الدر) لم تكونا بعيدتين كثيراً عن هذا المشهد وكانتا تتقاسمان نفس المصير.
ويتفق المسؤولون في الصومال على أن إيقاف عمليات التدفق للاجئين أمر غير ممكن. وقد كان تصريح الوزير علي عبدي اواري وزير الإدارة المحلية وتنمية المحافظات للصحيفة، في عدد سابق، دال على ذلك: «ليس لدينا لا الامكانات ولا المعدات اللازمة لإيقاف هذا الأمر، إن الحرب لم تعد تقدم من خيار آخر لهذا الشعب».
ومنذ إنهيار النظام أعلنت اليمن إستعدادها لإستقبال اللاجئين الصوماليين إلتزاماً بالإتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية جنيف. غير أن هذا الاستعداد ظهر ناقصاً ولم يبارح مكان سواحل مفتوحة وبعض مخيمات متواضعة.
وتزايدت في الأيام الماضية موجة النزوح للاجئين الصوماليين. وما بين يوم وآخر تتسابق الأخبار عن غرق العشرات والمئات من اللاجئين الصوماليين لدى موقع المفوضية السامية التي ترى في هذا مكسباً للحصول على مزيد من الدعم الدولي.
وقد اسفرت الفيضانات في مدينة «بلدوين» شمال غرب مقديشو قبل أيام في نزوح أكثر من مائة ألف صومالي. كذلك فإن نزوح الصوماليين مستمر من العاصمة، حيث يسيطر اتحاد المحاكم الاسلامية الذين يقومون بتقديم المساعدات لمؤيديهم.
ويضطر الكثير من الصوماليين في الداخل قبل العزم على رحلة اللجوء نحو اليمن إلى ارتكاب جريمة أو سرقة حتى يتمكن من الحصول على (40) دولاراً امريكياً مقابل نقله في قارب قديم الكثير منهم ينقلب في البحر ويكون لقمة سائغة لأسماك القرش. لتصبح تجارة نقل الصوماليين مربحة لقراصنة عديدين لم يجدوا تعباً وقت الحاجة إذا ما أضطروا للتخلص من أحدهم وسط البحر.
وفي قارب لا يتسع لأكثر من (50) شخصاً يكون اكثر من (120) لاجئاً صومالياً يشقون عباب البحر في توجس وخيفة ويجلسون دون حركة وتتراكم مخلفاتهم على ثيابهم وأجسادهم. فيما يكون المهربون يمسكون بسيخ حديدي مدبب الرأس جاهزين للإستغناء عمن في المركب وقت الحاجة. بل إن بعضهم يتعرض للضرب المبرح حتى يفقد وعيه ثم بعدها يلقى في البحر غير مأسوف عليه.
ويواجه اللاجئون الصوماليون العديد من المشاكل لعل أبرزها أنه غير مسموح لهم الإلتحاق بالتعليم الفني والمهني كما لا يوجد تعليم جامعي للاجئين ولا برامج لمحو الأمية للكبار. كذلك فإنهم لا يستطيعون التنقل بحرية بين المدن مما يجعلهم يلجؤن للتهريب.
وفي الجانب الصحي يعيشون ظروفاً صحية مزرية وهناك العديد من الحالات التي يتطلب نقلها للعلاج في الخارج وما زالت في اليمن تنتظر الموت كما حدث لكثيرين.
وفي مجال العمل لا تتوفر فرص عمل للاجئين سوى ممارسة بعض الأعمال مثل غسيل السيارات وخياطة الأحذية كما يعمل الكثير من النساء كخادمات في المنازل وأخريات متسولات مما يعرضهن للتحرشات الجنسية والإغتصاب أحياناً.
علاوة على ذلك فإن الحكومة اليمنية لم تحدد حتى الآن أي معايير ليتم تحديد حالات اللاجئين وفقاً لها وذلك لعدم صدور قانون خاص باللاجئين.
ويواجه العديد من اللاجئين عقوبات واحتجازات في السجون لشهور وبعضهم لسنوات في قضايا بعضها عادية ولا يتم تنصيب محامين لمتابعة قضاياهم.
كذلك فإن وزارة حقوق الإنسان لم تنشئ حتى الآن ضمن هيكلها إدارة للاجئين، الأمر الذي اعتبره الكثيرون انتهاكاً لحقوق الانسان.
وتبقى المشكلة الكبرى أمام اللاجئين الصوماليين وقوعهم بين إضطهاد المفوضية السامية التي ظل مسؤولوها يجلسون على مكاتب فارهة ويتطلعون من النافذة العليا على لاجئين يقفون تحت حرارة الشمس، عند عتبات المفوضية لسنوات طوال دون أن يحصلوا حتى على أدنى حقوقهم.. لتبقى المساعدات الدولية المخصصة بنوداً في جداول نقاشات لمشاكل اللاجئين في فنادق خمسة نجوم في بعض الأحيان وسبباً لفساد أبطاله المسؤولون في المفوضية أحايين أخرى..
كذلك فإن الحكومة اليمنية التي تتلقى هي أيضاً الدعم والمساعدة لإستضافة هؤلاء اللاجئين غابت عن المشهد الميداني واكتفت بأخذ المساعدات دون تقديم الخدمات.
وما بين مفوضية قابضة على خمسة ملايين ومائتي ألف دولار هنا وحكومة تفتح خزانتها لمساعدات دولية تبقى أحوال اللاجئين الصوماليين في تدهور مستمر.

***

شرماركي

– عدن  –  سامي غالب

أمضى شرماركي* قرابة الشهر في غرفة بالدور الثاني لمسكن بائس في حي البساتين، مربوطاً من عنقه إلى جسم صلب، بواسطة سلسلة حديدية، قبل أن تقرر والدته تسليمه إلى قسم الشرطة للتخلص من الصداع الذي يلازمها جراء فرط حيويته وتمرده على الأماكن المغلقة وكل ما له علاقة بالجدران.
دون سابق موعد اقتحمت «أيان» مكتب عبدالله فدعق (عاقل البلوك 7 في البساتين) حاملة أمامها على الطريقة الصومالية «نجمة» في قماط، وفي يدها سلسلة حديدية تنتهي بطوق يلتف حول عنق «كاره الجدران» المسحوب وراءها.

كان المشهد لا يُحتمل، وكانت نوبة الغضب ما تزال تسيطر على آيان (31 سنة). وتخفيفاً لحرج الحضور من الصوماليين والغريب الذي لم تتوقع وجوده، قبلت على مضض إخراج مفتاح من صدرها لفتح القفل الذي تنعقد به السلسلة الحديدية حول عنق شرماركي.
تناول المفتاح من والدته، وفتح القفل بمهارة خبير. انفرط الطوق الجهنمي من حول عنقه قبل ان يجمعه بين يديه في سلاسة تكشف عن حميمية علاقته بأداة التنكيل به، هو إبن العاشرة الذي كتب له ان ينتحب (حياة الصومالي في البساتين نحيب داخلي متصل) وحيداً في غرفة ملحقة بسطح بيت، إنتظاراً لعودة أمه من جولة يومية بحثاً عن خبز.
جلس شرماركي ساهماً على متكأ خلف كرسي فدعق، أي على بعد متر ونصف من الكرسي الذي أجلس عليه، سانداً ظهره إلى جدار آخر في انتظار نتائج مداولات يجريها الحضور مع والدة تتضور جوعاً، وليست على استعداد لتلقي موعظة في أصول التربية، وهمُّها الآن إرضاع «نجمة» الوافدة الجديدة إلى عالم البساتين الغارق في الفوضى.
إلى شرماركي ونجمة يظهر أبو بكر في وثائق وزارة الداخلية اليمنية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بوصفه الشقيق الأكبر. هذه جزئية هامشية جداً، لكن «النداء» ملزمة بالخوض فيها، إذ لا متن أصلاً في عالم جماعة بلا قطب يشدها، تناثرت عشوائياً، لا وجهة لها، ولا واجهة تنتظم خلفها.
تحمل أسرة شرماركي الحالة رقم 18945/4 بحسب وثائق مصلحة الجوازات والمفوضية، الصادرة في 29 مارس 2006. تحت هذا الرقم صدرت ثلاث بطاقات: الأولى للأم المولودة عام 1975 ودخلت اليمن عام 2000، والثانية للذي يحمل وثاقه بيديه، المولود في «جال كعيو» عام 1996، والثالثة للشقيق الأكبر أبوبكر، المولود في عدن عام 1993، فسبق أمه إلى عدن، وسبق شرماركي إلى الحياة، بحسب بيانات الداخلية والأمم المتحدة.
لم تحظ «نجمة» ببطاقة لنعرف عمرها الإسمي، لكن الأم التي انصرفت تماماً لإرضاعها معطية ظهرها لشرماركي، أبلغتنا بأنها أنجبتها قبل 15 يوماً.
بالنسبة لي كان شرماركي الزاهد الوحيد عن البوح بين اللاجئين الذين قابلتهم على مدى عشرة أيام، أمَّا الكلمة الوحيدة التي نطقها فهي إسمه: محمد، وقيل لي أن «محمد» اسم تدليعه، وتساءلت: متى كانت المرة الأخيرة التي سمع أحداً يناديه بهذا الاسم؟
عاد إلى عالمه مجدداً، ساهماً، زاهداً، سانداً ظهره إلى جدار، قابضاً بيده اليمنى سلسلة حديدية، ساكناً من فرط إذلاله.
على عكسه بدا أبوبكر، المولود في عدن قبل لجوء أمه إليها بسبع سنوات، الذي تظهر بطاقته المذيلة بتوقيع المسؤول الحكومي على اليمين، وتوقيع مسؤول المفوضية على اليسار، أن فئة دمه A+.
صاحب الدم الخفيف كان صاخباً أكثر مما يطيق حضورٌ مصعوقون. قوبل بالصد، الذي يريد لفت الانظار في مرحه وحركته الدؤوبة وأسئلته الفضولية التي كانت ستثير الإعجاب في مناسبة اجتماعية أخرى. كان لحظتها يعيش خارج عالم شرماركي، غير واع بالمصير الذي تنحدر إليه الحالة رقم 18942/4. ولم يكن أحد ليلومه فالشقيق الأكبر في الوثائق الوطنية والاممية المفتقرة إلى «قوة الاداء»، ليس سوى الإبن الثاني لـ«آيان» المولود قبل 4 سنوات فقط (أي بعد 9 سنوات من ولادته الرسمية) في موضع ما من بساتين ملآى بأفخاخ نصبت لعصافير ذوات أعشاش حديدية.
التزم شرماركي الحياد، سانداً ما يزال ظهره إلى جدار. كانت الفتحة اليمنى لأنفه دامية وما يشبه اللمعان يصدر من بقع شتى في جلد بلون القهوة، كانت تلك جروحه من علقة عنيفة تلقاها قبل دقائق.
قالت «ايان» إنها تضطر إلى ضربه إرضاء لأصحاب المكان الذين آووها، لأنهم يضيقون ذرعاً بمشاغبات ابنها.
«ليش يخرج عند الناس؟»، كان هذا سببها الثاني، فهي تخشى عليه من الاعتداء أو الاستغلال الجنسي. تدخَّل بعض المترددين على مكتب فدعق، مؤكدين أن «كاره الجدران» يذهب بعيداً إذ يغادر الغرفة، وغالباً ما يدخل في مشاجرات، ويتعرض للضرب المبرح من أطفال يكبرونه.
وإذ سُئلت إلى أين كانت تعتزم سوقه، أفادت: « إلى قسم الشرطة ليتحملوا مسؤوليته، أمَّا أنا فلا أضمن تصرفاتي معه». بجمل قصيرة كانت تجيب لكأنها قاصة محترفة، لكنما هي الحاجة التي تفرض عليها الاقتضاب طياً لصفحة التوضيحات، والتفرغ للمهمة التي تتصدر قائمة أولوياتها: البحث عن خبز.
شرماركي الساهم الوسيم، بمسحة الكبرياء على جبينه والتماع النبل في عينيه المرهقتين، كان يفقد السيطرة على نحيبه للمرة الأولى، فقد ارتسم خطان مرئيان من الدمع على خديه، وكان عليَّ أن ألوذ بعبد العزيز محمد، الشخص الذي نزل مظلياً في المكان لينتشلني من بئر الهوان الذي كنت فيه. وقال لي إنه هرع إلى المكتب بعدما بلغه ما جرى. أوضح بأنه يعمل لصالح المفوضية ومنظمة «أدرا».
مستعيراً نبرة شخص ذي سطوة ونفوذ، يخفف من روع صحفي غريب غر إرتاد بمحض إرادته البساتين، أكد أنه سينقل الحالة رقم 18942/4 إلى المعنيين في مكتب المفوضية و«أدرا» في خور مكسر. وزاد: «سنعمل على ضمان إدخاله المدرسة ومساعدة والدته على التفرغ لكسب رزقها».
كان إيقاع حركة أبو بكر قد انخفض قليلاً، كما أن فضوله انحسر بعدما التقط له زميلي عدة صور، بعضها رفقة شرماركي الكان ما يزال قابضاً على وثاقه الحديدي، واقفاً على قدميه، وظهره لا يستند إلى جدار، للمرة الأولى منذ دخوله.

* شرماركي هو الرئيس الثاني للصومال بعد الإستقلال، حكم الصومال للفترة 1965 – 1967، واغتيل على يد أحد حراسه في الإقليم الأوسط، ليسيطر الانقلابيون العسكريون بقيادة محمد سياد بري على حكم البلاد قرابة ربع قرن.
تمتع عبدالرشيد شرماركي بشعبية جارفة، وكرس خلال حكمه تقاليد ليبرالية. وما يزال كثيرون في الصومال يستبد بهم الحنين إلى عهده، ومنهم أسرة شرماركي الذي ولد بعد 30 عاماً من استشهاد الرئيس الأسبق.

***

مأذون بعصا مارشالية يحارب النكاح الأسود

– عدن  –  سامي غالب

لدى عبدالله محمد طاهر ما يقلقه من تفشي السوق السوداء في حي البساتين، فالخدمتان اللتان يبيعهما مقابل 700 ريال و500 ريال صارتا مهددتين بسبب ما يصفه بـ«النكاح الأسود».
الشيخ عبدالله هو المأذون الشرعي للاجئين في البساتين (هكذا يُقدِّم نفسه) طبّق توافق الجمعية والقنصلية والعقال والعلماء و(إن شئتم أيضاً) المثقفين.
يضج الشيخ الستيني حيوية، كيف لا، وهو استاذ الاحصاءات الحيوية، والوحيد الذي بدا جاهزاً لتسهيل مهمة صحفي يبحث عن مؤشرات تكثف حال الجماعة الصومالية في عدن.
أبرم هذا العام نحو 2000 حالة طلاق، و200 حالة زواج. وإذا صحت حساباته فإن جماعة برمتها تتحلل جراء البطالة والفاقة والضغوط النفسية والاجتماعية، والنبذ والاستعلاء المرضي.

حسناً، لدى مأذون البساتين ما يعزِّز صدقية إحصاءاته السابقة. العام الماضي حرَّر 3551 مذكرة طلاق مقابل 431 عقد زواج.
لكن صناعته باتت مهددة. «عمري ما سمعت بنكاح أسود إلا في البساتين»، تذمر الشيخ من الدخلاء الذين لا يفقهون شيئاً في الدين ولا في الشريعة، ولا في أبجديات شغل المأذون الشرعي. إنه يضطر إلى معالجة خطايا هؤلاء الدخلاء، وتدارك فضائح وويلات قد يتسببون فيها، غالباً ما يلجأ إلى إبرام عقود جديدة شرعية، أو نقض أخرى لا تستوفي شروط الزواج السليم.
على أن هذا الممسوس بخطر السوق السوداء لديه ما يفاخر به: «كل أولئك الأولاد والبنات الذين شفتهم في المدرسة جاءوا إلى هذه الدنيا بعقود النكاح حقي». كان عليَّ أن أساير شيخنا الضاج الذي يجلس أمامي ويده قابضة على رأس عصاه، كمارشال حقق لتوه اختراقاً كبيراً في جبهة الأعداء. الأطفال الذين لجأوا إلى اليمن قبل 15 سنة -يستطرد المارشال- كبروا وتزوجوا وصاروا آباء وأمهات يرسلون أطفالهم إلى مدرسة البساتين.
بوسع خبير في برنامج السكان التابع للأمم المتحدة أن يتأفف من نشاط «المأذون المتباهي»، فمعدل الخصوبة لدى اللاجئين الصوماليين قد يكون الأعلى في العالم. سوء التغذية منتشر بين الأطفال والامهات، والبطالة متفشية، ومخصصات المفوضية السامية لا تكفي.
طبق مؤشرات الشيخ عبدالله، وليس لديّ أي تحفظ بشأنها إذ أن مشاهداتي ترجح صحتها، فإن ما حققه من إنجازات في السنوات العشر الأولى يكاد يتبخر في ظرف عامين.
لكن ما ذنبه هو الذي كرس وقته وجهده لتيسير وصال أبناء جلدته؟ ماذا بوسعه أن يفعل هو «التعبان من السهر إلى بعد نص الليل» في مكتبه لعمل كل ما ينبغي للتوفيق بين أزواج متخاصمين، أو تفريقهم بإحسان؟ ما الذي اقترفه هو الذي تأتيه يومياً نساء هجرهن أزواجهن يطلبن وثائق طلاق، تكون برهاناً على أنهن وحيدات إذا قُدِّر لهن يوماً أن يلتقين بعثة أجنبية أو دولية تنظر في طلبات هجرة من اليمن؟
ألا يكفيه الأذى الذي يلحقه مأذونو السوق السوداء، وهم نحو «ستة نفر» يقبلون لإبرام عقود نصف المبلغ الذي يطلبه.
ثم إن لديه ما يؤكد سلامة نواياه وإخلاص دوافعه، فأغلب الزيجات التي أبرمها هي لشباب وشابات في الفئة العمرية (20 – 30 سنة)، وأن البنات دون 18 سنة اللواتي زوجهن لا تتجاوز نسبتهن 20٪. وأن كثيرات ممن زوجهن هن من الأرامل والمطلقات.
وبالنسبة لمأذون يقاسم أهل البساتين عذاباتهم ومحنهم وأحلامهم الصغيرة فإن الإنجاز الأعظم الذي تبرق عيناه كلما استدعاه هو أن 3٪ من الزيجات التي عقدها في ال11 شهراً المنصرمة من العام الجاري أطرافها رجال ونساء وحيدون في عقدهم السادس أو السابع.
الطلاق هو الوجه الآخر للجوع وسوء التغذية في المسماة: البساتين. من الملاحظة الشخصية ومن خلال عشرات الجلسات واللقاءات في خرز والبساتين ومستشفى الصداقة وأدرا والمنظمة السويدية ومكتب العاقل محمد ديريه رئيس لجنة اللاجئين في المخيم، وعبدالله فدعق عاقل البلوك 7، وآخرين من الضحايا والمنكوبين الذين قابلتهم، تبين لي الوجه المرعب للكارثة الصومالية، حيث المرأة تتحمل الأهوال لإطعام أطفال غاب آباؤهم في الزحام أو هجروا البلاد أو قضوا في حادث طريق أو غرقاً، أو قتلوا في معارك في الصومال.
تتحمل المرأة ضريبة فادحة، حتى أن الجماعة الصومالية في عدن تكاد تأخذ نمط المجتمع الأمومي، حيث ما تبقى من سلطة تمارس داخل الأُسر محتكر من قبل الأم، ويندر أن تجد آباء في البساتين. تدفع المرأة ضريبة عدة زيجات فاشلة، وليس أمراً استثنائياً أن تصادف امرأة ترعى خمسة أو ستة أبناء من زوجين أو ثلاثة متعاقبين، قاموا بعملية التخصيب ثم تواروا خلف الإحباطات والخيبات المتوالدة من انتظارات مستدامة.
غير أن مئات من حالات الطلاق نجمت عن صراعات زوجية عنيفة. «أنا مرهق بسبب السهر، النساء يأتين إلى مكتبي ليشكين الأزواج لعدم النفقة، والأزواج يضيقون من شكاوى زوجاتهم»، قال الشيخ عبدالله محمد طاهر متأسياً على حال أبناء جلدته، مؤكداً أن مكتبه يظل مفتوحاً حتى ساعة متأخرة من كل ليلة، مخنوقاً بالأزواج المتخاصمين، والنساء المهجورات الباحثات عن وثائق طلاق من رجال منسيين. قبل أن يكشف بعداً جديداً في علاقته المتأزمة بالمنظمة الدولية أخطر من الخلاف الثقافي بشأن الزواج المبكر ومعدلات الخصوبة.
«الأمم المتحدة لم تساعدني مطلقاً»، شكا الشيخ المتحسر على حقبة ربيعه في البساتين، وقت كان يحظى بدعم القنصلية وثقة العلماء واعتراف الأهالي به كممثل شرعي وحيد لشؤونهم الزوجية. أمَّا الآن -يشخِّص عبدالله الحال- فقد اتسعت السوق السوداء، وانتشر الفساد في البساتين. أمضينا سنواتنا الخمس الأولى هنا -يواصل الشيخ مستعيراً لغة باحث اجتماعي- دون أن يظهر سارق واحد، وبعد ذلك بدأت المظاهر السلبية كالسرقة والتسول والفحش.
التردي القيمي في الجماعة المنفية استزاد من استعلاء المحيط، خصوصاً وأن المنطقة مطوقة بحزام عسكري، وعابربن من شتيت مناطق لا يتوانون في ارتكاب المحرمات واستغلال النساء الوحيدات الواهنات المذعورات. «فساد قوي جداً»، غصَّ الشيخ عبدالله طاهر، ملخصاً المشهد البساتيني من الداخل.
عبَرَ عبدالله، ابن قبيلة داروت اسماعيل، البحر إلى عدن ضمن الأفواج الأولى في أبريل 1991، قادماً من بوصاصو شرق الصومال. وبعد سنوات أنيطت به وظيفة المأذون الشرعي، لكن علاقته ببعض الأطراف المؤثرة توترت قليلاً في السنوات الأخيرة. فهو حبس 10 مرات على الأقل في السنوات الخمس الأخيرة بسبب ابرامه عقوداً بين يمنيين وصوماليات، كما أبلغني المقدم شوقي محمد علي، مسؤول التحريات في قسم شرطة البساتين، مخالفاً بذلك القوانين اليمنية، وقد أحيل مرات إلى المحكمة، وصدرت بحقه أحكام مخففة.
وتحت ضغط المنافسين الدخلاء ورواج السوق السوداء يُرجح أن الشيخ عبدالله تخفَّف بعض الشيء من قواعد عمله الصارمة، واتخذ منفرداً اجراءات ميسرة لطالبي الزواج، ما أفقده ثقة القنصلية الصومالية في عدن. وقد سمعت انتقادات لأدائه من القنصل أحمد آدم، الذي لم يُخف خيبة أمله من المأذون الشرعبي الذي وضعت القنصلية ثقتها به لكنه تورط في بعض التجاوزات،.
على أية حال ما يزال الشخص الذي يمكن طرق مكتبه (الذي لا يعدو أن يكون غرفة في منزله تضم كرسياً واحداً ولافتة على جدار تعلن للقادمين أنهم الآن في مكتبه، لا منزله!)، وقد سمعت من القنصل تشخيصاً عن الأوضاع الاجتماعية في البساتين يكاد يتطابق وتشخيص المأذون الذي خيب توقعاته. وطبقاً لآدم فإن البساتين تشهد حالة فوضى في العلاقات الأسرية، وفي تنظيم الزواج والطلاق، عازياً ذلك إلى نمط اللاجئين الذين وفدوا على اليمن في السنوات الست الأخيرة. هؤلاء في الغالب أميون ومن فئات اجتماعية دنيا قدموا من جنوب الصومال لأسباب تتصل بالفقر والتحلل الاجتماعي جراء سنوات الحرب، خلاف اللاجئين الأوائل الذين فروا من العاصمة مقديشو ومن الشرق لأسباب سياسية، وخوفاً من الانتقام السياسي والثارات القبلية.
الفوضى لا تصدق في تنظيم العلاقات بين الجنسين، وقد سمعت قصصاً مأساوية من مختلف الجهات المتصلة بحياة اللاجئين، منها قصص أزواج اختفوا في مهب عواصف الحرب في بلادهم، والفاقة في موطن لجوئهم، ثم عادوا إلى زوجات سئمن الانتظار فقررن الارتباط بغيرهم. وفي البساتين يلجأ الأهالي إلى الزواج التقليدي لأسباب قبلية (إذ أن نسبة كبيرة منهم ينتظمون طبق معايير قبلية فيسكنون معاً، ويتجاورون ويتزاوجون)، وهم في الشتات، وخارج الدولتين الصومالية واليمنية، لا يجدون مانعاً من تنظيم علاقاتهم الأسرية ذاتياً. استطراداً، فإنهم إذ يتفادون خدمات الشيخ عبدالله يوفرون نصف قيمة الأتعاب التي يطلبها. وعلاوة على ذلك فإن اعتبارات اجتماعية تدفع إلى سلق زيجات ستراً لشبانهم من لذعات ألسنة الجيران.
في أوقات سابقة كانت القنصلية المطمئنة إلى عمل المأذون الشرعي تصادق فوراً على عقود الزواج التي يبرمها، أما الآن حيث الشك والهواجس المتزايدة تطمر العيون والأفئدة، فلم تعد تملك إلا التسليم بالعجز حيال حالة الفلتان الراهنة.
«قدمنا مقترحات إلى المفوضية بشأن تنظيم عقود الزواج، والخروج من هذه الفوضى، لكنها لم تتجاوب» قال مغصوصاً أحمد آدم القنصل الذي التقاني في مقر الجالية الصومالية في المعلا، لأنه لا يجد في مكتبه الملحق بمنزله موضعاً لاستقبال صحفي، إذ أن المنزل والمكتب يغص بلاجئين بلا موائل.
إلى توصيف الظواهر الاجتماعية الطارئة في البساتين، يتفق المأذون الذي يصف نفسه بالشرعي، والقنصل المستاء منه، في تقييم تفاعل المفوضية السامية للاجئين، لكن المأذون إذ ينقد المفوضية التابعة للأمم المتحدة لا يذكرها بإسمها ولكن باسم المنظمة المتبوعة.
يُحمِّل الشيخ عبدالله طاهر، وقد تخلى الآن عن تباهيه، الأمم المتحدة مسؤولية الفوضى في البساتين، وبالتالي المتاعب التي يتعرض لها من الجهات الأمنية والقضائية في عدن.
«دخلت السجن 7 مرات لأنني لا أحمل وثيقة (عمل كمأذون) من الأمم المتحدة»، تبَّرمَ عبدالله. «الحكومة اليمنية تشترط حصولي على هذه الوثيقة لكي تمنحني صفة مأذون شرعي»، أوضح قبل أن ينفخ: «هذه مسألة متعبة كثيراً». وعلى الأرجح فإنه استدعى جميع أزماته مع المجتمع الدولي الذي يحاصره، لكأنه أحد أضلاع محور الشر. كان يشحذ ذاكرته لاستحضار اسم منظمة أخرى تساعد اللاجئين، لكنه هو الغارق في وجوه الصوماليين وأسمائهم، فشل.
«ورية!»، نادى أحدالمنتظرين في غرفة مجاورة ليسأله عن إسم المنظمة السويدية.
«رادا بارنن ما يساعدوني، ما يعطوني أي حاجة»، ختم أقواله الشيخ عبدالله محمد طاهر الجالس على كرسي أمامي واضعاً يده اليمنى على مقبض عصا المارشالية، بعبارة سمعتها عشرات المرات في خرز والبساتين، فخمنت أنه أراد تذكيري بعد جولتي الطويلة معه بأنه مجرد لاجئ من شرق الصومال يحيا مع طفلين، يحتاجان إلى رعاية المنظمة السويدية لرعاية الاطفال، أسوة بكل أولئك الأطفال الذين جاءوا إلى عالم البساتين بفضل عقود «النكاح الأبيض» التي أبرمها.

***

مسجونة منذ 7 شهور بتهمة الاختلاء.. ليزا… والإعصار كاترينا

مساء الخميس الماضي تلقت فاطمة محمد عثمان، 19 سنة، المقيمة في بيت عمها في مدينة تعز إتصالاً من إحدى العاملات في السجن المركزي بمدينة إب، تشعرها بأن السجينة «ليزا» منهارة نفسياً وصحياً «لأن أحداً لم يزرها اليوم».

الثابت أن لا أحد يزور «ليزا»، 17 عاماً، عدا أختها فاطمة وأمها زعيمة، وفي العادة يزرنها مرتين في الأسبوع إنطلاقاً من تعز، وأحياناً من عدن. تنفق زعيمة، الأم الباسلة، 9 آلاف ريال أسبوعياً لغرض تغطية كلفة انتقالها في التاسعة صباحاً إلى إب، وتزويد «ليزا» بمصاريف أسبوعية، ولتغطية نفقات أخرى صعُب عليها، هي التي لا تجيد العربية، كما ابنتها، أن تفند لي بنود صرفها، أثناء لقائي بها في مكتب محمد ديريه رئيس جمعية اللاجئين في البساتين، وقد فهمتُ بالكاد أنها تضطر إلى دفع مبالغ مالية لتسهيل الزيارة أو لمتابعة ملف ابنتها في نيابة جبلة.
لزعيمة خمسة أبناء، أكبرهم عبدالقادر، 24 سنة، المريض النفسي منذ صدمة فقد أبيه (الزوج الأول لزعيمة) عام 1998 جراء قذيفة عشوائية في الحرب الصومالية. حالياً يقبع عبدالقادر الإبن الأكبر لزعيمة في سجن تعز المركزي منذ سنة بسبب مشاجرات مستمرة في شوارع مدينة معشوقة من المجانين!
وإلى فاطمة وليزا وعبدالقادر، هناك صالح. 12 سنة، وعثمان، 16 سنة، الذي رافق أمه خلال زيارتها عدن الأسبوع الماضي لغرض إيصال حالة «ليزا» إلى مكتب المفوضية في خور مكسر.
تنفق زعيمة 9 آلاف ريال أسبوعياً لزيارة ليزا ومتابعة ملفها لدى النيابة، أي 36 ألف ريال شهرياً، ما يعني أن هذه المرأة المطلقة من زوجها الثاني قبل 6 سنوات، قد أنفقت نحو 200 ألف ريال لتغطية مصاريف زيارة ابنتها المحبوسة احتياطياً في إب منذ 7 شهور بتهمة الاختلاء!
كيف تدبر زعيمة هذا المبلغ أسبوعياً؟ تقوم بتطريز وتجهيز 100 غطاء رأس (مقرمة) كل ثلاثة أيام، وتتولى ابنتها الكبرى فاطمة انجاز 50 مقرمة، وتخصصان الجزء الأكبر من العائد الذي يأتيهما من صاحب أحد المحلات في تعز (وهو حسبما فهمت لا يتعدى 30٪ من سعر الوحدة).
زعيمة كانت في عدن طيلة الأسبوع الماضي، لعرض تطورات حالة ابنتها على محمد ديريه، الرجل الذي لا يعرف الراحة ويمضي ساعات يومه مستقبلاً في مكتبه أصحاب الشكاوى والمظالم، أو متنقلاً بين أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم والمستشفيات.
أبلغني محمد ديريه أنه حرر الاثنين الماضي مذكرة إلى مكتب المفوضية تطلب تقديم المساعدة لليزا. ومن المرجح أن تكون المفوضية التي تشكو من محدودية ميزانيتها قد نظرت في حالة ليزا، وقررت شيئاً ما بشأنها.
طبق رواية «الأم»، فإن ليزا اضطرت، لتساعد أسرتها، أن تعمل في محل كوافير في مدينة تعز. هناك تعرفت على زبونة تتردد على المحل اسمها كاترينا (اسم مستعار)، ونشأت بين الفتاتين صداقة، وفي يوم ما طلبت ليزا من والدتها السماح لها بمرافقة صديقتها إلى خارج المدينة لزيارة خالتها المريضة. بعد عدة ساعات كانت ليزا محشورة في غرفة من منزل في مفرق «جبلة» رفقة صديقتها وثلاثة شبان أحدهم عرض عليها الزواج (وتتحدث زعيمة العربية بصعوبة وهي بالكاد استطاعت أن تلفظ اسم جبلة)، ولما رفضت إبنه السابعة عشرة عرض الشاب، أخرج مسدسه، ملصقاً فوهته على جبينها طالباً القرب! قاومت ليزا التي اكتشفت أن صديقتها الطيبة استدرجتها مقابل المال إلى وكر ذئاب. وهي قاومت بشراسة وصرخت بكل ما أوتيت من قوة، فاقتحم رجال الأمن المنزل، وأنقذوها.
مراسل «النداء» في إب الزميل ابراهيم البعداني زار مكتب نيابة جبلة مستوضحاً عن حالة «ليزا»، وأبلغ هناك أن البنت بريئة، وأن التقارير الطبية تؤكد عدم تورطها في شبكة دعارة، وأن الصديقة المفضلة اعترفت باستدراج اللاجئة إلى المصيدة. لكن النيابة لم تفرج عن «ليزا» التي تصنف في القانون الوطني بأنها قاصرة، وفي الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل بأنها طفلة. وقد استمع مراسل «النداء» إلى تبريرات غريبة من رجال العدالة، أحدها أنه ما كان لليزا أن تمضي هذه الفترة في السجن لولا أن أحداً لم يساعدها!
وفقاً لزعيمة فإن ابنتها أخصعت 3 مرات لفحص طبي وتأكدت براءتها، وهي (أي الأم) التي بالكاد تستطيع التعبير بالعربية، شكت من سوء المعاملة في النيابة وفي السجن المركزي. كذلك شكت فاطمة، وقالت إنها غالباً ما تسمع ألفاظاً قاسية أثناء زيارة شقيقتها.
مراسل «النداء» نفسه تجرع سوء المعاملة في بوابة السجن المركزي، إذ ما أن علم أحدهم أنه جاء كصحفي لغرض زيارة الطفلة الحبيسة، حتى ابتدره معنفاً: «ما لقيت غير هذي الصومالية تسأل عليها».
أخفقت كل محاولات الصحيفة لزيارة المحبوسة احتياطياً منذ 7 شهور، بتهمة الاختلاء (!) طبق ما قررته نيابة جبلة.
وعلمت «النداء» أن زعيمة زارت ابنتها السبت، ووجدتها في حالة أفضل بعدما بلغ الإبنة أن شخصاً ما، غير الزائرتين الوحيدتين، حاول مقابلتها ولم يفلح لأن الزيارة ممنوعة على أي غريب، باستثناء الأقارب، وفق نظام السجن، لكن وجبة إفطار تمكنت صباح الجمعة الماضية من عبور بوابة السجن لتصل إلى النزيلة المنسية.
لم تزر «الأم» ابنتها أمس الثلاثاء، ومن المرجح أنها لن تستطيع زيارتها خلال الأسبوع القادم إذْ لم يعد لديها أية فرصة للحصول على أموال تغطي مصاريف انتقالها. وقد طلبت من فاطمة أن تتصل بمقر الصحيفة مساء الاثنين لتنقل لنا رجاء بأن يقوم شخص ما بزيارة ابنتها في اليوم التالي، لتشعر بأن جهة ما تتابع قضيتها.
«النداء» أبلغت منتدى «الشقائق» العربي بحالة ليزا، وتلقت وعداً من المنتدى بتكليف محامية بمتابعة ملف صبية قاصرة حملها إعصار كاترينا إلى مفرق جبلة، وأنقذها رجال الأمن من الاغتصاب لكن النيابة قررت قبل 7 شهور رميها في السجن بتهمة الخلوة!

***

96 * 96 = بلاد مطلقة من بعيد

اعتدلت في جلستها ووجهت سبابتها نحوي متخذة هيئة شخص ينوي إطلاق حكم قاس بحق محدثه. لم تنطق بالحكم، وبقيت سبابتها على حالها في وضعية استعداد.
لم أفهم قصدها، فأومأتْ أنْ محَّص هنا، قبل أن تفصح عن نواياها: أعصاب! كانت إصبعها ترتعش بوتيرة سريعة، وكانت تلك إحدى المضاعفات الظاهرة على جسد الناجية الوحيدة من حادثة غرق رهيبة في خليج عدن.
اتخذت وضعها الاعتيادي خلال لقائي بها في منزل فاطمة (عضو لجنة الجمعية). تمددت على جنبها الأيسر وواصلت سرد روايتها، إذ أن السبابة مجرد تكثيف لحالتها البدنية والنفسية. وفي التفاصيل تعاني «بلاد» من آلام في العمود الفقري تلزمها تجنب الجلوس لفترة طويلة، كما تأتيها نوبات إغماء من فترة لأخرى.
في 1996 كانت ابنة ال33 قد عزمت أمرها على مغادرة مقديشو. في بوصاصو دفعت 200 ألف شلن (=40 $) قيمة تذكرة مغادرة إلى عدن على «سنبوق» يتسع ل40 مغامراً بالكاد. المرأة المطلقة من بعيد (من زمان)، حد تعبيرها، العازمة على تخطي عتبة خليج عدن في طريقها إلى حياة جديدة، تاركة وراءها «أنقاض بلاد» وأكوام من الخيبات الشخصية، انتزعت لها موضعاً لقدميها في السنبوق الذي أمسى لحظة انطلاقه يحمل 96 راكباً وراكبة، لا يملكون ترف فرض شروطهم على مهرِّب متحلَّل من أية التزامات تجاه الإتحاد العالمي للنقل البحري.
انطلق السنبوق من بوصاصو باتجاه الساحل اليمني. وبعد 24 ساعة هبّت العاصفة بغتة.
«خبطت فينا وانقلب السنبوق وإذا بالراكبين محشورين تحته، الحي منهم والميت»، قالت «بلاد». حسنٌ يمكن إعادة ضبط عبارتها على النحو الآتي: حشر تحت السنبوق 95 ميتاً وأفلتت هي (بوسعكم الآن أن تتمتموا: يا لها من محظوظة!) لأن حظها أن طرف السنبوق خبطها والأرجح أن الضربة طوحت بها بعيداً ولم تكن بين أولئك الذين انحشروا تحته.
لا تتذكر الكثير من رحلتها، وهي تعجز عن استدعاء اصواتاً او وجوهاً، فقد أغمي عليها فور وقوع الواقعة، وبعد 12 ساعة وجدها صيادون في طرف جزيرة، وتم نقلها إلى «أحور». هناك عرفت أن ال95 الآخرين فقدوا.
وحيدة، تتخبط في «البساتين»، التي نجت… تستجدي وتتنقل من بيت إلى بيت.
بلاد ال «مطلقة من بعيد» نجت… وبلادها تغرق في أتون حرب مجنونة.

***

كأفلام محروقة أتلفهن السجن.. تسع صوماليات وطفلتان يتعفنَّ في النسيان

– علي الضبيبي

ربما كانت «النداء»، الزائر الوحيد لهنَّ إلى المنفى الآخر.
تسع صوماليات، أغلبهن بنات في عشرينات العمر، يرضخن في سجن صنعاء المركزي، ويراوحن في مساحته، كأفلام محروقة أتلفها الضوء. ينزوين على بعضهن في تهم متقاربة (سرقة، قتل، مضرابة).
نورا حسن أحمد (43 عاماً)، تعتبر أكبرهن سناً والأقدم مجيئاً إلى اليمن ودخولاً السجن، انحدرت بها رياح الهجرة من ربوع مقديشو صوب اليمن، فراراً من حرب ضروس لا تبقي ولا تذر. تنهدت ذاكرتها متحسرة: «آه لو كنت أعلم ما سيحدث لي هنا لفضلت الحرب على السجن!!».
وتضيف أنها تركت زوجها وأطفالها الستة في الصومال عندما شتتتْهم الحرب الأولى ولا يعلمون عن بعضهم شيء.
نورا أُدخلت السجن قبل أربع سنوات على ذمة تهمة قتل طفل صومالي ربَّته لصديقة لها حتى بلغ السابعة، «هرب مني واحنا في باب اليمن وبلغت الأقسام وبعد أيام وجدوه مقتولاً في جولة 45 واتهموني». هكذا تلخص التهمة. وتشكو الضرب الذي تعرضت له في المباحث من أجل أن تعترف. وكشفت عن «دُفخٍ» في ناصيتها وآخر في ركبتها اليمنى، تقول إنهما من أثر التعذيب. تشكو نورا -بالعربية التي تجيدها أكثر من بقية زميلات سجنها التي تسميهن «بناتي»- قائلة: «ماعنديش محامي وحكموا عليَّ ب8 سنوات سجن أدب قانوني وبعدها اخرج.. لماذا؟!».
وبينما كانت نورا تحدثني عن معاناتها النفسية والمادية كانت ثلاث بنات -في بداية العشرين من العمر- يتململن ويتزاحمن حولنا: «شكراً لكم صحفيين، تكلموا عنا احنا مسكينات». الثلاث مشتبكات في تهمة واحدة (سرقة ذهب). إسمهان عبده حسن، وعايشة عبدالله حسين، وعنب بدور، منذ خمسة أشهر وهن مرميات في السجن بدون «حكم» كما يحكين، ولا «أدلة»، فقط «محبوسين بأمر واحد». ويتساءلن بحيرة وخوف من المجهول: «لاندري كيف سنخرج لا أهل معانا ولا زيارات، نطالب، من السفارة والأمم المتحدة يسووا لنا حل».
في هذه الأثناء المفعمة بالحزن بدت لنا شابة جميلة في مقتبل العشرين كزنبقة في طريق التعفن، إن لم تُعتق من السجن. اسمها زهرة حاجي، انتصف العام الثاني على حبسها بموجب حكم من محكمة «حدة» -كما تسميها- بتهمة سرقة ذهب أيضاً لا تتجاوز قيمته ال125 ألف ريال، «أنا استعرته من صاحبة وما اعلمش أنه مسروق»، تشكو. وتضيف بعيون شاردة ونغمة حزن «أنثوي»: «أمي ماتت وأنا هنا، ولا معي محامي ولا قريب ولا وطن، آه ياوطن!! اليمنيات معاهن زوَّار ويأتوا لهم بالأكل والملابس واحنا مسكينات».
وعلى ذمة مضرابة (شجار) قبل (20) يوماً دخلت أوبح حسن (27 عاماً) السجن ومطلوب منها فقط الخروج بضمانة.
أما كافية عبدالقادر عبده، ذات الطفلتين الصغيرتين، فهي محبوسة مع زوجها الذي يقبع في سجن الرجال هو الآخر. «تسوَّت مضرابة بيننا أني وزوجي وشخص آخر صومالي وزوجته»، هكذا تقول كافية، وتعترف أن النتيجة مقتل الرجل الآخر واصابة زوجته بطعنات متفاوتة. كافية هي الأخرى نجت من المضرابة تحت رحمة القدر، حيث أصيبت بطعنتين شديدتين في منطقتين من جسمها شديدتيْ الحساسية والخطورة من جسمها، الأولى أعلى ثديها الأيسر (القلب)، والأخرى أسفل بطنها (الرحم).
أما زهرة حسين (20 عاماً)، لم يُمْحَ من وجهها غبار السفر بعد، إذ مازالت حديثة العهد باليمن هرباً من الحرب الأخيرة. قالت كلاماً بالصومالية لم أفهمه، ترجمته إحداهن: «تقل لك جاءت من التهريب فمسكوها العسكر هي وزوجها في صنعاء لأنهم دخلوا بطريقة غير شرعية ويشتوا منهم إقامة»، الأمر الذي أضحك سجينات أُخر قائلات: «ليش وفي صوماليين يجوا اليمن بالفيزة ومعاهم إقامات!!؟» مما جعل نورة، وبصوتها الجهوري، تقول: «رئيسكم قال: اليمن وطن ثاني للصوماليين أين هذا الكلام؟! احنا نشتي بلادنا، ردونا، رصاص الصومال أفضل، جينا اليمن نعيش، نأمن، نشتغل، مش يحبسونا! يا الله يا الله ردونا!».
«النداء» حاولت أن تتأكد من وجود محامين لهن أو حتى زوَّار، فلم تجد سوى مدير الاصلاح والتأهيل في السجن يحيى الحيدري، هو السفير الوحيد لهن إلى خارج السور، إذ كن يسألنه لحظتها عن حاجاتهن ويستفسرن منه: «أيش سويت لي في الموضوع، الله يستر عليك!؟».