المرور وضحاياه – محمد الغباري

المرور وضحاياه – محمد الغباري

لا جديد في القول إن ضحايا الحوادث المرورية لدينا كل يوم يفوقون ضحايا الحروب المسلحة في المنطقة، ولا إن المطالبة بتشديد الإجراءات على قيادة السيارات تتحول إلى مواسم للابتزاز.
بالأمس التهم متهور يقود ناقلة لبيع المياه طفلتين كانتا متوجهتين إلى مدرستهما، غادرتا المنزل وامتدت قدماهما إلى الشارع فاختطفهما ذلك الأرعن بعجلات سيارته مسافة تزيد على ثلاثة أمتار قبل أن يترك سيارته على الرصيف ويفر هارباً وسط ذهول المارة من بشاعة الحادثة..
من بيت متواضع جداً خرجت الصغيرتان متجهتين إلى مدرسة ابن سيناء في حي عطان، فاستقبلهما ذاك المتهور بسرعة جنونية ليقطف زهرة طفولة حالمة ويدفن فرحة أم تنتظر عودتهما من المدرسة لتعرف ماذا تعلمتا وما هي الواجبات المقررة عليهما.
في الغالب فإن سائقي ناقلات بيع المياه لا يلتزمون بقواعد السير ويقودون بسرعة وتهور وكثير من الحوادث في المدن وعند الاسواق العامة ومداخل المدارس يكون ضحاياها من الاطفال، والغالب أيضاً أن حملات رجال المرور لا تركز على مسألة الانضباط في قيادة السيارات وتحديد السرعة في شوارع المدن، وجل اهتمامهم هو البحث عن مصيدة لتوقيع الغرامات علىالسائقين.
بالطبع فالحالة لا تنطبق على الكثير من رجال المرور الذين يبذلون جهوداً مضنية في التعامل مع نوعية من الناس تظن نفسها فوق القانون، ولا بالمرتبات المتدنية التي يحصلون عليها ولا بطبيعة العمل الذي يؤدونه تحت حرارة الشمس وبرد الشتاء، لكن غياب الاجراءات المتبعة في كل بقاع الأرض والتي تبدأ بعدم السماح للأشخاص بتملك سيارات إلا في حال حصولهم على رخصة قيادة تجعلنا نطالب بأن يعي رجال المرور أن تجاوز السرعة في المدن وعدم الالتزام بخطوط السير وعدم الصيانة الدورية من ملزمات العقاب، وعليهم أن يعرفوا أن من واجبهم تحرير مخالفة إن وجد ما يستدعي ذلك، وأن القانون لا يعطيهم حق صعود السيارات ومفاصلة السائقين ولا حتى احتجاز سياراتهم إلا في حالات محددة ومعروفة.
أداء رجال المرور لا يجب ان يتركز في المدن فقط كما هو الحال الآن، فكوارث السيارات غالباً ما تكون على الخطوط الطويلة حيث يسمح للسيارات بالسفر دون التأكد من صلاحياتها، والركاب لا يلتزمون بربط حزام الأمان، والطرقات مليئة بالحفر والمطبات وخالية من الإشارات والعلامات التي تبصِّر السائقين بالنقاط العسكرية، ومحطات البترول، والاستراحات والمناطق الآهلة بالسكان، والاسواق والمدارس حتى يتفادوا الحوادث.
المرور لا ينبغي أن تقتصر مهمته على تحرير وثيقة مخالفة أو أن يحرك «الونش» لرفع السيارات في الشوارع، بل إن الواجب يقتضي من إدارة المرور أن تدرس اسباب كثرة الحوادث في ظل الارتفاع المخيف للضحايا، ولنا أن نسألها لماذا تصمم طرقاتنا خلافاً للمعايير العالمية؟! ولماذا تنفجر اطارات السيارات مع انها جديدة؟! ما مدى جودة قطع الغيار المستوردة والسيارات ايضاً، وملاءمتها للبلاد من حيث تصميم الطرقات او الاحوال المناخية؟ كيف يسمح لليمن أن تصبح مكباً للسيارات المصنعة أصلاً للدول الأوروبية والأمريكية؟ وهل لذلك علاقة بكثرة الحوادث؟ ولماذا تغيب لدينا مواصفات ومقاييس المركبات؟ لماذا يسمح للناقلات بالسير في الطرقات دون الالتزام بالأوزان والاحمال المسموح بها؟!
 من حقنا في ظل هذه الكارثة أن نعرف لماذا يتكدس اربعة من أفراد المرور وأزيد في معظم تقاطعات العاصمة ولا تهتم إدارة المرور بوضع لوحات إرشادية للمدارس والمستشفيات والتجمعات السكنية وخطوط للمشاة أو أن تضع «عسكري»، إن تطلب الأمر، بالقرب من مدارس الصغار مادام ولديها كل هذه الوفرة في الأفراد.
 ولنا أن نقول لها: لماذا لا نشاهد علامات تحديد السرعة المسموح بها في الشوارع أو التنبيه لها أو معاقبة من يتجاوزها؟ ولماذا لا يسأل منتسبوها عن احزمة الأمان؟ ولماذا ننام وشوارع عديدة صالحة للسير ونصحو وقد حفرت واغلقت دون ان يشعر احد!؟
نحن في بداية القرن الحادي والعشرين واظن اننا بأمسّ الحاجة لمغادرة مفهوم أن العسكري مهمته إخافة المواطن على الاجرة لا على تنفيذ القانون!
[email protected]