عنب أحمر للمساء – لنا عبدالرحمن*

عنب أحمر للمساء – لنا عبدالرحمن*

«بيروت 1982»
تلك اللعبة كانت لي، عروس شقراء مبتورة اليد، بعين عوراء. بكيت، طلبت من أمي أن آخذ اللعبة إلى المستشفى، شدتني من يدي لتبعدني عن الشرفة خوفاً من رصاصة غير طائشة، حيطان المنزل مليئة بالثقوب، تلملم أمي بعض حاجياتنا من دولاب الملابس، تطلب مني مساعدتها، أحمل اللعبة معي، أبدأ بجمع فساتيني وأحذيتي، أسأل أمي عن سبب رحيلنا وعن الدمار الذي يملأ البيت، تتمتم «سنسكن عند جدتك، هناك أكثر أماناً». تواصل لملمة أشيائنا بطريقة عشوائية، تستعجلني لمغادرة المكان، ننزل الدرج بسرعة «ماما لماذا لم نرو شتلات الغاردينيا الموجودة على الشرفة؟» أسألها، لكنها لا تجيب، تقبض على يدي بقوة، وتدفعني للنزول، يدها الأخرى تقبض على كيس الثياب، ويدي الحرة تحتضن لعبتي، صوت القذائف يرتفع من حولنا، تشد أمي على يدي أكثر ونحن نواصل النزول، نقف برهة في مدخل المبنى، الشارع خاوِ تماماً، ننتظر توقف القذائف، نتابع المسير، بيت جدتي بعيد ولا توجد سيارات، تسحبني أمي نحو إحدى البنايات، لكن الدوي يشتد، لعبتي لم تعد في يدي، ويدي الأخرى صارت طليقة، على بعد أمتار ترقد أمي على الأرض، أندفع نحوها، أهزها من كتفها، تفتح عينيها، تبتسم بفرح لرؤيتي، رائحة البارود تسيطر على المكان، تقف أمي بسرعة، تنفض ثيابها، ثم تشد على يدي من جديد، تنظر إلى كيس الثياب الذي تحول إلى أشلاء، تمسكني من يدي ونمضي.

«انتظار»
إتصل بي.. صوتك تحول إلى سر غامض. وصلت في الوقت المحدد، لكن يبدو أنني أجلس في المكان الخطأ. إنه هادئ جداً وقت المساء، رواده قليلون، أنيقون بترف. قطرات مطر مازالت عالقة على أطراف شالي الأزرق. يأتي إلى النادل بالعنب الأحمر الذي طلبته. لم لا يحتل العنب مكانة التفاح، فيكون الفاكهة الأكثر إغواءً؟ أتأمل حبات العنب، أذكر معلم «اليوجا» الذي كان يجبرنا على تأمل حبة العنب لنصف ساعة، قبل أن نأكلها في نصف ساعة أخرى.. تتكئ حبات العنب على بعضها بحزن.. أشفق عليها، ألامسها بهدوء.. أتحسس استدارة كل حبة، ثم أبدأ بنزع كل حبة عن العنقود.. صار العنقود خاوياً كعجوز هرم يخاف قدوم المساء.. هذا هو مسائي الأخير معك.. أحمل العنقود فارغاً في يدي.. حبات العنب متروكة في الطبق الأبيض.. سأجففه.. سأضعه بين دفتي كتاب كما يضع الناس الورود للذكرى.

أمنيات صغيرة
(1)
أكثر ما كنت أتمناه في هذا المساء النوم في سريري والتدثر بغطاء صوفي لساعتين من الزمن، وعندما أستيقظ أجد أمي قد أعدت لي طبق حساء عدس ساخن بجانبه باقة من الأعشاب العطرية.. يالها من أمنية مستحيلة.. الآن عليًَ إعداد الطعام لأربعة أشخاص.. سيصل زوجي بعد قليل ومعه ضيوفه لتناول العشاء.. وأمي كيف من الممكن أن أتذوق حساءها وأنا في نصف آخر من هذا العالم في بلد يحتضنه البرد في كل الفصول؟
وأنت، أتراك تعرف معنى البرد وطعم العطش الذي يدفع الروح للتشقق.

(2)
الدوران بداية للجنون، أقف داخل دائرة مغلقة.. تسورني، أدور وأدور، أركض وأركض حتى الهذيان. الظمأ يهددني بالتصحر. قلت لك إنني أحيا في عالم شديد الجفاف.. يقتلني إحساسي بالظمأ لك، أما أنت فقد حكيت لي عن دغل تراه في أعماقي.. دغل شوكي بعيد يؤلم، يصيب بالألم اللذيذ كل من يقترب منه.

«موسيقى»
الغرفة الزهرية لم تكن لي.. جانب من نافذتها يطل على شجرة الدردار.. الجانب الآخر يطل على العالم.. عبر الزجاج رأيت امرأة تستند إلى السور..
تمسك بيدها كماناً.. تضعه على كتفيها كأنها توشك على العزف.. تنطلق الموسيقى، تعوم في الفضاء.. تستمر المرأة في العزف من دون نوتة موسيقية، تتكسر الموسيقى، تحاول المرأة من جديد، كانت تقف عارية.

* كاتبة وصحافية لبنانية تقيم في القاهرة