فوز الديمقراطي الأمريكي و بداية الصدع! – عبدالباري طاهر

فوز الديمقراطي الأمريكي و بداية الصدع! – عبدالباري طاهر

معروف ان الحزبين الأمريكيين الكبيرين -وهما من طينة واحدة، وإن تباينت أساليب عملهما وتكتيكاتهما السياسية و رؤاهما إزاء العديد من القضايا، ومعالجاتها- معروف موقفهما المشترك من الحرب على العراق، بل ان بعض الديمقراطيين كانوا أكثر حماسا للحرب و تأييدا لها. لكن سيطرة الجمهوريين على الكنجرس وتطرف بوش ودك تشيني و رامسفيلد وفريق المحافظين الجدد قد جير الحرب للإدارة البوشية، ودفع بها إلى المدى الأخطر.
كل الجرائم التي ارتكبت بحق العراق كانت تدفع العراقيين دفعا لرفع السلاح في وجه احتلال يستهدف تدمير و استباحة كل شيء ابتداء من الاحتلال، فتدمير الدولة العراقية، و الجيش، و الأمن، و البعث، والتراث، و المعالم الحضارية لبلد من أهم مؤسسي الحضارة الإنسانية. بل ان الجرائم الكبرى، و إدارة الظهر للمجتمع الدولي، والإقدام على جرائم من نوع “ أبو غريب “، و تدمير بيئة العراق و بنيته، قد وضعت الإدارة الأمريكية في مواجهة العالم و الحريات وحق الشعوب التي طالما تبنتها أمريكا ودعت إليها.
ان شعار الحرب الإستباقية لا يعني العراق وحده أو أفغانستان، و إنما هو تهديد للبشرية و للسلام الدولي.
تناغمت الحرب على العراق و أفغانستان مع حرب شارون ضد الانتفاضة الثانية. وفي سعير الحرب الاستعمارية زادت تصريحات و خطب بوش الإيمانية الحرب اشتعالا.
ظهرت الحرب و كأنها إعادة للحروب الصليبية، أو حرب “الخير ضد الشر”. أدى ذلك إلى تصعيد الإرهاب “الأسلاموي” في مناطق مختلفة. فالإرهاب الأقوى والأكبر غالبا ما يخلق إرهابا يتغنى بالدين، ويدافع عن العقيدة.
وليس مصادفة ان يقسم بوش العالم إلى خيِّر وشرير، في حين يقسمه ابن لادن إلى فسطاطين: إيمان وكفر. لكان الرجلين يمتحان من بئر واحدة، ومعتقد واديولوجية واحدة، وإن اختلفت المسميات.
و كدأب الساسة أفاد الديمقراطيون من فشل الحرب في العراق. وركزوا في حملتهم الانتخابية على النتائج الكارثية و اللا أخلاقية للحرب التي أيدوها بالأمس.
لم يعد خافيا ترافد الإرهاب. فإرهاب الحادي عشر من سبتمبر قد أيقظ عفاريت الإمبراطورية القادمة التي كانت و لأعوام عديدة تهيئ المسرح لزعامة العالم، وتتخطى الهيئات الدولية و الأقطاب الأخرى.و لعل أكثر الأطراف الدولية استشعارا لخطر فشل الحرب في العراق، والتصالح مع سوريا و إيران، هو إسرائيل. ففشل هذه الحرب، و المؤشرات تتضح يوما عن يوم، يعني فيما يعني استحالة قدرة إسرائيل على قهر الإرادة الفلسطينية والى الأبد. فإذا كان السيد الأمريكي قد فشل فإن إحدى أهم النتائج هو فشل التلميذ “النجيبـ” إسرائيل. و ذلك يفسر تصعيد الحرب ضد الفلسطينيين و اللبنانيين، وتبني دعوات تقسيم العراق وضرب المفاعل النووي الإيراني.
ان اكبر فشل يلحق بإسرائيل كدولة استعمار استيطاني هو فشل أمريكا في المنطقة، مما يعني بداية العد العكسي لنهاية الاحتلال للضفة و القطاع والجولان نهاية هيمنتها و تهديدها للبلدان العربية.
لا شك ان انتصار الديمقراطيين والتحولات “التكتيكية” التي قد تطرأ على سياساتهم في المنطقة والعالم يعود بالدرجة الأولى إلى كفاح الشعب العراقي، وصمود الفلسطينيين و اللبنانيين في وجه الحرب الإسرائيلية المسعرة من هزيمة 1948.
معروف حد البداهة ان احتلال العراق يخدم أهدافا استعمارية، في المقدمة منها، إلى جانب النفط: حماية إسرائيل والتطويح بالجيش العراقي كأقوى قوة في المنطقة العربية يهدد الكيان الإسرائيلي.
وأمريكا بغزو العراق لم تسهم فقط في خلق إرهاب عابر للقارات على شاكلتها، وإنما خلقت -وهذا هو الأهم- مقاومة وطنية تتصدى للاحتلال، وإليها يعود الفضل في سقوط مشروع بوش “الشرق أوسطي”، و قد يكون مؤشر النهاية للمشروع الكوني الأكبر: الإمبراطورية.
عيب الدول و الإمبراطوريات الكبيرة -كالأفراد- عدم الاتعاظ بدروس التاريخ، وعبر الماضي و تجارب الشعوب، فالاستعمار بشكليه: القديم والجديد، هو المسؤول عن خلق حركات التحرر الوطني في العالم. وتجربة أمريكا نفسها في مواجهة البريطانيين، أو تجربتها في فيتنام، كلها تدلل على صعوبة -إن لم يكن استحالة- قهر إرادة الحق مهما تكن القوة و الجبروت..
استمرار المقاومة في العراق و فلسطين و أفغانستان هي التي ستحدد مصير ومستقبل “إمبراطورية الخير” في الشرق الأوسط. و بانتصار الحزب الديمقراطي يكون مؤشر التراجع عن نهج بوش قد بدأ فعلا. ولكن المدى الذي سيأخذه هذا التراجع و الأسلوب الذي سيتبعه، وطرائق المعالجة هي الأهم. بالقدر الذي لا ينبغي التقليل من أهمية التبدل في مزاج الناخب الأمريكي المرتبط أساسا بالحرب في العراق، وفوز الديمقراطيين لا ينبغي أيضا المبالغة في الانسياق وراء أوهام التغيير الكبير في السياسات الأمريكية الاستعمارية، والتي يشترك فيها الحزبان: الجمهوري و الديمقراطي. يدرك الديمقراطيون ان فوزهم قد ارتبط منذ البداية بفشل الحرب، وانه ليستحيل الاستمرار فيها بنفس التكتيك.
و حقاً فإن أي تراجع أو خطوة إلى الخلف سوف تنعش آمال المقاومة، وتدفع بأطراف عديدة للانخراط فيها، وتوسع مساحة الدعم و المساندة لها. والواقع ان المبادرة الاسبانية الفرنسية الايطالية الاخيرة معطى من معطيات تصاعد المقاومة.
الأمر الأهم من مؤشر فشل الحرب الجهنمية، فشل الرهان الأمريكي و الإسرائيلي على الانتماءات القبلية والطوائفية والقُطرية والإثنية التي أرادت بها إعادة صياغة المنطقة على أساسها. وربما تثبت هذه الحرب ان الترابط بين الجسم العربي أقوى من هجس برنارد لويس، وخطط البنتاجون و ال (سي. اي.ايه) والموساد، واكبر من المظاهر الخارجية الزائفة للنظام القُطري الخادع و المتهالك.
ان الترابط عميق حد الإدهاش بين صمود حزب الله في لبنان، واندحار القوة الإسرائيلية المجرمة، و صعود حماس، وتصاعد المقاومة الفلسطينية رغم الحصار والتجويع و حرب الإبادة. وهو ما يعني بداهة ان فشل أمريكا يعني فشل إسرائيل، والعكس صحيح.فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية يدفع الحليفين إلى تراجع تكتيكي آني ومؤقت، و تفعيل الخطوط الخلفية في النظام العربي الحليف، الذي يمارس ضغوطا ظاهرة ومستترة ضد المقاومة في العراق و فلسطين ولبنان. ويعمل على تصوير الصراع و كأنه سني شيعي. وتصريح (أولمرت) حول القواسم المشتركة بين إسرائيل و الأنظمة العربية المعتدلة دال وراعب وهو حقا بداية الصدع في جبهة الحرب.