انتهاك الدستور لا نسبة النتيجة – محمد عبدالملك المتوكل

انتهاك الدستور لا نسبة النتيجة – محمد عبدالملك المتوكل

أعجبتني فكرة الزحزحة التي اقترحها الزميل نبيل الصوفي في مقاله في «النداء» عن التعلم من مدرسة الشعب، حسب طلب رئيس الجمهورية. وذكرتني هذه الزحزحة بزحزحة الصديق والزميل نصر طه مصطفى ومن نفس الموقف وقد يكون لنفس الأسباب.
والزحزحة والتدحرج لعبة ممتعة ومشوقة وقد تكون مفيدة ومضيفة لخبرة وليس فيها ما يعيب ما لم يسقط المتدحرج إلى مستنقع آسن قد يعجز عن الطلوع منه وإذا ما طلع بحكم التعرية فقد يحتاج إلى وقت وجهد كبير ليتطهر من مخلفاته سواء أمام نفسه أم أمام الآخرين.
في المقال ثلاث قضايا شكلت همَّ الزميل نبيل، هي: شرعية النظام، براءة الانتخابات من التزوير، واداء المعارضة. وإذا كنت أتفق معه في أهمية تطوير أداء المعارضة -مع التحفظ في مفهوم الزحزحة- فإن قضيت الشرعية والبراءة من التزوير، بحاجة إلى نقاش أكثر رصانة وأكثر موضوعية لأنهما مرتبطتان بقيم نضال اليمنيين وتضحياتهم خلال قرن من الزمن في سبيل الانعتاق من الاستبداد وحكم الفرد ومن أجل بناء دولة المؤسسات.
يعبر كاتب المقال عن ضيقه ممن يشككون في شرعية النظام الذي اكده الشعب في الانتخابات، إلا إذا كانت المعارضة -حسب ما جاء في المقال- هي الشعب وهي من يقرر الشرعية، والكاتب ايضاً يرجو نسيان الحديث المكرر عن التزوير والخروقات، فالرئيس يكفيه 51٪ التي أقرت بها المعارضة عند الحديث عن النسبة.. ويرى الكاتب ان الحكم ليس حكماً عسكرياً مستبداً وإلا لتطلب معارضة سرية ثورية.. والكاتب في الاخير يطالب بمعارضة تتفادى الحدة التي تناسب اتحاد القوى الشعبية كحزب صغير.. ويأتي في النهاية اقتراحه بالزحزحة بحيث يقترب الاصلاح من المؤتمر والاشتراكي من الاصلاح والوحدوي من الاشتراكي.. لم يفصِّل الكاتب كيف تتم الزحزحة لكنه احتاط فأكد بين قوسين أن تكون الزحزحة في الامكانية والقدرة لا الموقف والتحالف, ولا أدري هل يعني بذلك أن تكون هذه الأحزاب لديها الامكانية والقدرة على استخدام المال العام والوظيفة العامة والقوات المسلحة والأمن كما هو الحال مع الحزب الحاكم الذي تقترب منه!!
لقد فات الكاتب ان شرعية اي نظام تأتي من رضا المواطنين وقناعاتهم.. وفي اي نظام ديمقراطي يعبر المواطنون عن خيارهم ورضاهم من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة وآمنة لا استقواء فيها بسلطات الدولة وامكانياتها لا ترغيباً ولا ترهيباً مما يؤثر على الارادة الحرة للمواطن في الاختيار. وهنا يأتي السؤال: هل كانت انتخابات العشرين من سبتمبر 2006 كذلك؟ إذا لم تكن كذلك فنتائجها غير شرعية ولو حصل الفائز على 99.9٪.
القضية هنا ليست قضية نسبة وانما هي قضية الانتهاك للدستور والقانون والاخلال بشروط التنافس، والتأثير على الارادة الحرة للناخب.. ولذلك نص دستور الجمهورية اليمنية وقانون الانتخابات ووثيقة الاتفاق بين المؤتمر والمعارضة على حيادية مؤسسات الدولة وامكانياتها.. فهل تم الالتزام بالدستور والقانون والاتفاق؟ إذا تم ذلك فالانتخابات شرعية ونتائجها شرعية، وإذا لم يتم الالتزام بذلك فالانتخابات بكل نتائجها غير شرعية لأنها جرت خارج اطار الدستور والقانون وخارج امر الله بالوفاء بالعهود.. والكاتب يعرف والناس يعرفون والمراقبون الدوليون يشهدون كيف تم الاستقواء بمؤسسات الدولة وامكانياتها من قبل المؤتمر الشعبي ابتداء باللجنة العليا التي ادارت الانتخابات، وممارسات ذوي النفوذ من اعضاء المؤتمر، وانتهاء باموال الأوقاف ومساجدها. والاستاذ فيصل بن شملان مرشح المعارضة للرئاسة لم يرفض تهنئة منافسه لأنه هو لم ينجح ولا لأن منافسه أعلن فوزه؛ ولكنه -كما أوضح- امتنع عن التهنئة لأن الانتخابات لم تكن نزيهة ولا حرة، بصرف النظر عن النسبة.
صحيح أن التحول الديمقراطي تحول تدريجي وهذا ما جعل المعارضة تقبل التعامل مع الأمر الواقع، لكن لا يصح ان يطلب من المعارضة ان تقر الزيف والانتهاك للدستور والقانون وتسكت عنه وتبارك نتائجه حتى يصبح الانتهاك للدستور والقانون تقليداً مقبولاً يتكرر في كل انتخابات. والعكس هو ما يجب ان نطلبه من المعارضة، وهو ان تعري هذه الانتهاكات بقوة حتى ترسخ في وعي المواطن أن ما جرى من ممارسات خاطئة لا علاقة لها بالديمقراطية بل هي ضد الديمقراطية وبذلك تحمي المواطن من اليأس من امكانية التغيير عن طريق العمل الديمقراطي فيتجه إلى البحث عن البدائل التي اشار إليها الكاتب.
اما الحديث عن طبيعة النظام، هل هو نظام عسكري استبدادي ام نظام ديمقراطي، يمكن الاستدلال على طبيعة النظام من سلوكه. فالنظام الذي يظل فيه القرار فردياً ويغيب في ظله دور المؤسسات، ولا سيادة فيه للقانون ولا فصل بين السلطات ولاتتبع فيه القوات المسلحة السلطة المدنية، وينهار الوطن كله -كالصومال- اذا غاب القائد الرمز يظل نظاماً فردياً استبدادياً حتى لو تلفع بشكل ديمقراطي زائف.. اما وسيلة المواجهة فقد لا تتطلب الفعل الثوري التآمري السري -كما اشار الكاتب- ما دام هناك مجال للنضال السلمي والديمقراطي.. ولا شك ان ذلك لا يخفى على الكاتب لكنها حذلقة صحفي فطن اراد ان يختبر قدرته على إرباك من يحاججه.
لابد من الاعتراف ان الانتخابات الرئاسية هذه المرة أفضل من سابقتها. لكن لكي تكون الانتخابات القادمة -بما فيها البرلمانية- أفضل لا بد من تجسيد اخطاء الممارسة وعدم الاعتراف بشرعيتها او بشرعية النتائج التي أفرزتها مع القبول بالأمر الواقع ومواصلة النضال السلمي والديمقراطي، مادام متاحاً، وحتى تكون الارادة الحرة للشعب والخالية من كل ضغط أو تزييف أو ترغيب أو ترهيب هي التي تقرر الحكم وأهله.
وإذا كان المغرب اليوم يحاكم المرشحين للبرلمان الذين قدموا من اموالهم الخاصة رشوة للناخبين فما بالك بمن يقدمها من المال العام!!
اليمن قدمت تضحيات غالية خلال ما يقرب من قرن في سبيل الحد من سلطة الفرد وتوسيع صلاحية المؤسسات وأن يكون الدستور وسيادة القانون هما العهد الوثيق بين الحاكم والمحكوم، فإذا ما تعدى عليها الحاكم -سواء كان فرداً أو حزباً- فقد نقض العهد بينه وبين شعبه واتبع هواه، والله تعالى يقول: «ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا»، وانتهاك الدستور والقانون ونقض العهود يعتبر إسرافاً وفساداً، والله تعالى يقول: «ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون». والاعتداء على حق الأمة في الاختيار الحر ظلم، والله تعالى يقول: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار».
مع كل ما سيق، وادراكاً من المعارضة لمتطلبات المرحلة فقد أقرت بالأمر الواقع وقررت مواصلة مسيرة النضال السلمي والديمقراطي.. والإلحاح على المعارضة بالاعتراف بشرعية انتخابات مزيفة، دليل على أن من فازوا في «انتخابات بني مطر في سوقها» يشعرون اكثر من غيرهم باهتزاز شرعية حكمهم لانهم يمتلكون من المعلومات مالا يمتلكه غيرهم.
وأرى ان هناك فرصة امام المؤتمر الشعبي وقيادته لدعم الشرعية عن طريق الانجاز والتطبيق الأمين والفعال لبرنامج المؤتمر وبرنامج الرئيس والتركيز على ما جاء في البرنامجين. والحث على التنفيذ خير خدمة يقدمها العزيز نبيل والصديق نصر للمؤتمر وللرئيس وللشعب بدلاً من الانشغال بالنفخ في مبخرة قد احترق عودها وخمدت نارها، والرئيس ليس بحاجة إلى مزيد من حملة المباخر فقد اعماه دخانها، لكنه بحاجة ماسة إلى صديق صدوق ومستشار أمين وناصح يرى الحق فينصح الرئيس باتباعه والله متولي السرائر.

ملحوظة
كان لديَّ احتمال كبير بفوز مرشح المؤتمر، لاعتبارات عدة. بل وكنت أتمنى ذلك في هذه المرحلة, لعلمي أن الفئة الحاكمة ليست مستعدة -بأي حال- للتداول السلمي للسلطة، وقد تتكرر قصة الجزائر؛ لكن ما كنت اتمناه ان يكون الفوز بالارادة الحرة للناخب وحتى يترسخ النهج الديمقراطي بتقاليده الصحيحة وتتفرد الساحة اليمنية على المستوى الاقليمي بسمعة تعيد لها ما خسرته من سمعة بعد حرب الصراع على السلطة 1994م؛ لكن: لله في خلقه شؤون.