الملف الامني في العراق بارومتر الانتخابات الاميركية – جهاد العيدان*

الملف الامني في العراق بارومتر الانتخابات الاميركية – جهاد العيدان*

امريكا باتت متورطة في العراق اكثر من اي وقت مضى والجمهوريون يحاولون تقديم الورقة العراقية في الانتخابات البرلمانية الاميركية وكانها مكسب يمكن من خلاله استحصال او حتى انتزاع غالبية الكراسي لصالحهم.
لا يمكن تجاهل التصعيد الامني الحاصل في العراق لأن الوضع شارف على الانفلات وتراكمت الاخطاء الاميركية لتفرز حالة شذوذية في العراق لها انعكاسات خطرة ليس على الوضع العراقي وحده بل وحتى على الوضع الاقليمي والدولي والاميركي ذاته.
صحيح الاميركان قاموا بخطوات مهمة في الآونة الاخيرة من اجل تطويق تشعبات هذه الحالة ومضاعفاتها السياسية والامنية الا ان الصراع بين الحزبين الرئيسيين في اميركا يلقي بظلاله على الوضع العراقي ويصادر اية انجازات طالما ان ادارة اللعبة السياسية الاميركية انتقلت الى دائرة الوضع العراقي وباتت تتجاذب ادوات وبيارق معينة من اجل ان يحقق كل طرف برنامجه وشعاراته وان يكتسب الاصوات لصالحه، فالديمقراطيون حريصون على إفشال اي انجاز سياسي او امني لادارة بوش على الوضع العراقي وذلك من اجل سحب البساط من تحت اقدام الجمهوريين لكي لا يدخلوا الى الكونغرس او مجلس النواب او على الاقل يجعلوا منهم اقلية وهذا ما دفع بوش الى الصراخ بوجه الديمقراطيين قائلا: ارونا ما عندكم لمعالجة الوضع العراقي.
ناهيك من ان الاسرائيلين بحاجة الى تفجير الوضع العراقي ودفعه الى حافات الهاوية لمحاصرة بوش والجمهوريين ليخلو لهم المجال ليمارسوا كل ما يحلوا لهم في الاراضي الفلسطينية المحتلة وهذا ما دفعهم هذه الايام لتفعيل عمليات عدوانية واسعة في الضفة والقطاع لدرجة إعادة اجتياح القطاع ولدرجة العبث بالامن الاقليمي بشكل مطلق وبدون اي حساب او كتاب.
كما ان الجهات الاقليمية تلعب دورها في اطلاق مارد الفتنة الطائفية لدرجة ان الصراع الخفي بين السعودية وايران بدأ يأخذ أبعاده حتى ان احد المسؤولين الكبار نقل لي ان السفير الامريكي وبعد عمرته الاخيرة في السعودية وعند عودته الى بغداد قام السيد المالكي رئيس الحكومة واحد المسؤولين بزيارته على مأدبة إفطار في الايام الاخيرة من شهر رمضان حيث اكد زلماي خليل زاد للمالكي وهذا المسؤول ان السعوديين غير راضين بدعوى ان الايرانيين بدأوا يدعمون جهات سياسية في مدينة الرمادي التي يعتبرونها خطاً سعودياًََ احمر لايمكن اختراقه من قبل اية دولة او جهة اخرى غير السعودية.
وهذا الامر ذاته يفسر لنا محاولة الامريكان إحداث توازن في عملياتهم فهم يضربون الفلوجة ثم يعودون لضرب النجف ويضربون الرمادي ثم يعودون لضرب مدينة الصدر وهكذا هو الواقع الذي يدعوهم دائما الى إقامة نوع من التوازن في طبيعة العمليات العسكرية ليكون الضرر هو وحدة الظاهرة الكامنة لتحديد علاقة واشنطن بالاطراف العراقية.
لكن ما صدر من بوش مؤخرا بانه حصل على تأكيدات سعودية واماراتية وقطرية واردنية بدعم حكومة السيد المالكي كانت في حقيقها اعترافاً ضمنياً بوجود هذه التدخلات الاقليمية صحيح انها تقرأ من الوهلة الاولى على انها ايجابية بالنسبة لهذه البلدان الا ان قراءتها من خلال المنظور السياسي يعني ان القضية تدخل في سياق هذا المدلول التدخلي وان هذه البلدان قادرة على المساعدة وضبط الوضع الداخلي العراقي لو اردات.. ولكنها بالطبع ليست بصدد تشكيل انموذج عراقي يحمل هذه التجربة الديمقراطية وهذا النمط من التعاطي السياسي الفضفاض الذي يستوعب كل مفردات وخصوصيات الوضع الداخلي دون ان يقف عند بعض المظاهر او الانماط الحزبية او الطائفية او القبلية او حتى القومية.
والاهم من ذلك ان الشعب العراقي بمختلف اطيافه ومكوناته السياسية والقومية والطائفية شعب متعايش، شعب منفتح على الجميع، شعب متفاعل مع هذه الفسيفساء وهذه التلاوين التي اعطته بعداً شفافا وعالمياً يضعه في سياق استيعاب الآخرين والانفتاح على الجميع ولكن مع الاحتفاظ بهويته وخصوصياته وعمقه التاريخي وجذوره الحضارية.
ومن هنا يبحث المتربصون بالوضع العراقي عن نقطة الضعف او نقطة الاغتيال للتعايش المجتمعي العراقي وعليه جربوا العزف على الوتر القومي الذي لم يتزحزح. وهاهم اليوم يعانون من صعوبة الايقاع بالوضع العراقي عبر محاولات فتح الثغرات في الجدار الطائفي حيث نجد هذا التحرك يتمحور على عمليات اغتيال متبادل بين الشيعة والسنة وكذلك على عمليات تهجير واجتثاث طائفي يطال الجانبين وعلى اكتاف بعض الجهلة والمأجورين وابواقهم التي تتقاضى اجورها من واشنطن وتل ابيب. اذن الوضع العراقي يعيش حالة التهديد المباشر وحالة التربص به من اجل دفعة الى حرب ( داخلية – اهلية ) لكن هذه المرحلة بالذات هي ايضا تحمل اخطارا اكثر إشكالية لأمريكا ولدول الجوار وحتى للسلم العالمي. والوحيد الذي يراهن عليها هو الكيان الصهيوني وبعض الجهات المحلية التي هددت باستقلالها لو حصل هذا الامر!!
بمعني ان هناك حالة تبادلية في خطر الملف العراقي لا يمكن ان تنفرد بالوضع العراقي وحده، بل وحتى بالوضع الاقليمي والدولي لأن القضية العراقية باتت دولية اكثر منها شأناً داخليا وان معالجتها لا يمكن ان ترتكز على البعد الداخلي وحده، بل يجب استحضار كل الاطراف الدولية والاقليمية المؤثرة او التي لها تداخل مصلحي في الوضع العراقي.
الوضع العراقي بات نقطة الاحتدام بين الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة وان تحديد مصير اي حزب يقوم على ما يحصل في العراق وهذا ما يجعل الملف العراقي للمتاجرة السياسية داخل امريكا بعد ان تحول للمتاجرة التسليمية كما بات هذا الملف ذا طبيعة استغلالية من قبل الكيان الصهيوني الذي يسعى الى جر الادارة الامريكية الى صراعات داخلية وإضعافها ليملي هذا الكيان عليها أهدافه واستراتيجياته كما يلعب اللوبي الصهيوني في الساحة السياسية الامريكية دوراً فاعلا ومؤثراً لإحداث الاختراقات المطلوبة ومن ثم اللعب على الحزبين وتوزيع وعود فوزهما ليستطيع ان يحقق على الارض مكاسب سواء في فلسطين المحتلة أم على الصعيد اللبناني او السوري او بقية المنظومة الاقليمية. وبالمحصلة يبقي الملف الأمني العراقي مفتوحاً في هذه المرحلة وحتى إشعار آخر طالما هناك صراع دولي وتصفية حسابات وجهات مستفيدة. وبالمقابل لاتوجد على الساحة العراقية حالة تسامٍ وانسجام داخلي وشعبي بالمسؤولية.

* إعلامي وصحفي إيراني – طهران