نوبل الأدب 2006 لكاتب بثمان روايات: أورهان باموق.. الإقامة بين ضفتين

نوبل الأدب 2006 لكاتب بثمان روايات: أورهان باموق.. الإقامة بين ضفتين

أعلنت الأكاديمية السويدية للعلوم ظهر الخميس الفائت منحها جائزة نوبل للآداب للروائي التركي أورهان باموق (54سنة). وأوضحت الأكاديمية في بيانها أسباب منحه جائزة نوبل 2006 قائلة: «في معرض بحثه عن الروح الحزينة لمسقط رأسه اسطنبول، اكتشف أورهان باموق صورا روحية جديدة للصراع والتداخل بين الثقافات، كما اكتشف رموزاً جديدة لتصادم الحضارات». وأكد البيان على أهمية الرواية التي يكتبها باموق والمهتمة بدراسة تمزقات المجتمع التركي الذي يبحث عن هويته وسط العلاقة المتوترة القائمة حالياً بين الشرق والغرب.
هنا كتابة عن أورهان باموق، حياته وبعض أدبه.

جمال جبران
[email protected]

 
(1)
هذه المرة أيضاً على الكُتَّاب العرب عودتهم إلى لائحة الانتظار التي ناموا عليها منذ يتيمة نجيب محفوظ في 1988. هذه المرة أيضاً كان عليهم إفساح الممر كيما يسير عليه واحد جديد باتجاه نوبل الأدب، مكتفين بمصمصة أصابعهم، وهي عادة أدمنوها من زمان. لكن ما يجعل الأسى هذه المرة خفيفاً بدواخلهم أن نوبل الجديدة لم تذهب بعيداً ولواحد غريب، إذ نزلت في الجوار، في ذات الجغرافيا والتاريخ المشترك. نزلت في جيب التركي أورهان باموق، حفيد الامبراطورية العثمانية العتيدة. راحت للبلاد التي تأبى الاعتراف، مثلنا، عن ما أحاقت بكوارث على غيرها، البلاد التي تحرق الكتب وتطارد كتابها مثلنا أيضاً. هي فعلة التاريخ المشترك هنا وما تزال تنسحب إلى يومنا هذا. كما وهناك سبب آخر مما يجعل الأسى هذه المرة خفيفاً بداخل المحيط العربي وكُتَّابه، إذ والفائز هذا العام بارز ومعروف عندهم، لم يهبط من المريخ ولم تلطمهم مفاجأة سماعهم أسمه للمرة الأولى، كما في مناسبات فائتة كثيرة. فأورهان باموق وأدبه مترجم في معظمه للغة العربية واسمه حاضر سواء من خلال انجازه الأدبي أو من خلال مواقفه السياسية الشهيرة التي عمت الآفاق ووصلت بالتالي إلينا.

(2)
هي أول نوبل للأدب تمنح لتركيا، أو لأورهان باموق تحديداً، الذي درس الهندسة المعمارية ومن ثم الصحافة.
حلمه الأكبر كان في أن يصبح رساماً. لكن فجأة وفي سن الرابعة والعشرين قرر ان يكون كاتباً ولا شيء غير ذلك.. «اخترت الفن بدلاً من وظيفة المهندس التي كان يفترض أن أعمل بها. أولاً أردت أن أكون رساماً، ثم تخليت عن هذه الهواية ودرست الهندسة. أخيراً وجدت ضالتي في الكتابة… كان والداي قلقين عليَّ بشكل مبرر. ففي منتصف السبعينيات كان ثمة شيء مجنون في فكرة أن يصنع فتى تركي اسمه ككاتب. اليوم، أعمالي ترجمت إلى 35 لغة، وكتبي تباع بشكل جيد». وقال باموق في حوار له مع مجلة «ذا باريس ريفيو» الأمريكية. في العام 1979 وفي سن تعتبر مبكرة انجز باموق كتابه الأول «الظلمة والنور» والذي على الرغم من نيله لجائزة صحفية إلا أن النقاد اتفقوا على اعتبار روايته اللاحقة «جودتك بيك وأولاده»، في 1982 فاتحة هذا الروائي الكبيرة وبصمته الأولى على طريق كتابي طويل. اشتغل أورهان باموق في هذا العمل بقوة على موضوع التناقضات الكبيرة والتمزقات البارزة التي تحدث في قلب وداخل المجتمع التركي، اسطنبول هنا أنموذجاً. وصف دقيق ومتقدم لحالة توهان هوية موزعة على ضفتين. تشريح لما يمكن أن نطلق عليه «الاشكالية التركية» التي نتجت حد دلور ميقري إثر «بلاد تتوسط قارتين لدودتين، آسيا وأوروبا، بلاد ضائعة الانتماء بينهما، ثقافة هي مزيج من ثقافات متعددة، محيلة إلى الجغرافية والدين واللغة، ثقافة متغربة في الآن نفسه عن واقعها، ما فتئت تكون أحادية، مبتسرة، ضيقة الأفق، منكرة للتنوع والتعددية».

(3)
وبطبيعة الحال لا يمكن في مثل كتابة صحفية لاهثة كهذه المرور على جميع ما كتب أورهان باموق على العموم ثمان روايات، على الأقل عبر الاستناد  وهي على ما كان من موجزات لها منشورة على موقع دار «غاليمار» الفرنسية، ناشر أعمال باموق، لكن قد يفي بحاجة تعريفية مؤقتة هنا مروري على رواية واحدة هي «ثلج» 2002 أو “Neige” في ترجمتها الفرنسية والمنجزة عبر جو فرانسو بيروز والتي كان لخبر فوز صاحبها بنوبل للآداب أمر تعجيلي في قراءتها، وبالتالي فما سيلي عنها من ملاحظات هو من قبيل التقاطات أولية تمهيدية فاتحة لقراءات قادمة أوسع لها أن تنجو من متطلبات قراءة صحفية لاهثة لا تود غير تمامها في وقت معلوم.
في كتابه «ثلج» يعترف أورهان باموق، وربما للمرة الأولى أنه انجز كتاباً سياسياً، «في «ثلج» قررت أن أنجز رواية سياسية. هذا لأني عزمت فجأة في رواية واقع وطني بشكل مختلف»، قال باموق لصحيفة «اللوموند» 12/5/2006. يروي «ثلج» حكاية صحفي وشاعر يدعى «كا» عاش في المانيا مدة 12 عاماً عاد بعدها ليعمل في تركيا صحفياً تكون مهمته الأولى القيام بتحقيقات عن الانتخابات المحلية في مدينة تدعى «قارص»، وهي مدينة طغت على أخبارها حوادث انتحار لفتيات تحت ضغط، إجبارهن على ارتداء الحجاب. مدينة على الرغم من غرقها في الثلج إلا أن ما تحته يفور ويغلي، ما يدور داخلها يشبه ناراً متأججة تحت رماد.
وقد تبرز هذه الرواية كواجهة مختصرة لجملة الثيمات التي يطرحها باموق في أعماله بشكل عام وكلي، ما قلنا عنه بـ«الاشكالية التركية». يخوض «كا» مهمته محفوفاً بتهديد انقلاب الامور في أي لحظة، ففي «قارص» هناك صراعات الاقلية الدينية، تهديد الجماعات المتطرفة، دعاة العلمنة ومأزق الحجاب في المدارس، إضافة لجملة من الاشكالات السياسية المعقدة والمتداخلة، وكان لكل هذا لاحقاً أن يفجر الأزمة حتى آخرها عبر حوادث دموية يكون مفتتحها عبر اتهام عرض مسرحي قيامه بمس الذات الإلهية ما يؤدي في النهاية لمقتل «كا» ذاك الصحفي الشاعر وبطل الرواية.

(4)
عليه، لم تكن الاكاديمية السويدية للعلوم مجانبة الصواب إذ تقول في بيان فوز باموق: «هو تركيزه على أمر كشف رموز وصور روحية جديدة للصراع والتداخل بين الحضارات في معرض بحثه عن الروح الحزينة لمدينته، اسطنبول، مسقط رأسه». كما وهي تلك الرغبة الكامنة بداخله من أجل تشييد جسور التواصل الثقافية والانسانية بين الشرق والغرب. سعيه لكشف كل ما هو مستور وناتج عن ملابسات الوقوع في مفترق الطرق ذاك، الوقوع بين جغرافيتين وحضارتين وديانات متعددة. وهو وفي وسط كل هذا لا يهادن أورهان باموق في أمر التصريح بأن معالجة كل هذه الاشكاليات لن يتم دونما الكلام بصوت عال والقول والاعتراف بحقيقة ما حدث وتحديداً ما يتعلق بأمر المجازر والآلام التي ارتكبتها الامبراطورية التركية بحق الاكراد والارمن.
وهنا لم يكن باموق منفصلاً عن سياقه الذاتي، سلوكه المصادم والمواجه والمتقدم منذ أن تم اعتباره أول كاتب منتمٍ للعالم الاسلامي يعلن تضامنه مع الروائي سلمان رشدي ضد فتوى القتل التي أصدرها في حقه خميني إيران في العام 1989 إثر صدور رواية «آيات شيطانية». كما وقف إلى جوار الروائي التركي الكردي يشار كمال عندما مثل للمحاكمة في 1995.
وقبل كل هذا، وفوقه، يبرز موقفه الصريح والمتقدم والمتفوق عبر ما أعلنه حول مسألة المذابح التركية التي ارتكبت في حق الأرمن والاكراد في 1915. إذ قال في حوار لصحيفة سويسرية في فبراير 2005: «مليون أرمني وثلاثمئة ألف كردي تم قتلهم على هذه الارض، وليس هناك من يقول هذا غيري». وهنا قامت عليه تركيا ولم تقعد تحت عامل دفع رهاب المساس بـ«الثوابت التركية» ومبادئ الدولة وهويتها الوطنية. وإثر هذا تم تقديمه للمحاكمة وصار مهدداً بحسب المادة (301) من قانون العقوبات التركي، بالسجن لمدة تتراوح ما بين ستة أشهر وثلاثة أعوام كما وصلته رسائل تهديد بالموت بالتوازي مع حدوث عملية إحراق لكتبه في بعض المدن التركية كإعلان تنديد صارخ ضد ذلك «الخائن للأمة التركية». إلا أنه قد تم لاحقاً العدول عن إجراء تلك المحاكمة تحت عامل ضغط أوروبي ودولي واسع النطاق أعلن تضامنه مع كاتب هو «ضمير أمته» وليس شاتماً لها.

(5)
لكن وجرياً على ما هو معتاد من زمان، وفي مثل هكذا مناسبات «نوبل» سابقة، لا بد من ظهور أصوات شأنها التشكيك في أحقية الفائز، أي فائز بالجائزة. عهدنا هذا حال فوز الفريدي يلينيك (2003) وكريتس (2002) ونايبول في (2001) وكسينغيان في (2000) وداريوفو في (1997)، وهذا فقط في سياق الفائزين في السنوات العشر الأخيرة.
في أمر أورهان باموق كان التشكيك والنيل متقدماً بعام، بسنة كاملة. كانت الطعون جاهزة والمبررات معدة سلفاً وتوزعت على كثير. الناقد الكبير والبارز صبحي حديدي استبق الجميع ومن قبل سنة من الآن عندما كتب مقالاً نشره على موقع «الحوار المتمدن» الالكتروني عنونه بـ«نوبل آداب كردية»! قال فيه: «إذا صح ما تردد من أن الاكاديمية السويدية ناقشت، على أي نحو جاد وترجيحي، احتمال منح نوبل للآداب إلى الروائي التركي أورهان باموق، أي أنه كان على لائحة المرشحين الصغرى، فإن الامر فضيحة كبرى لتوه، أي لمجرد ايصال الرجل إلى هذا المستوى في التنافس». ويصرف حديدي هنا نظره عن السوية الفنية لأعمال باموق قائلاً بأنه سيحظى بالجائزة للأسباب التي راجت على نطاق واسع في الصحافة الغربية: إشكالية ضم تركيا إلى الاتحاد الاوروبي وقضايا حقوق الانسان وحرية التعبير في تركيا، ثم المشكلات الفضائية الراهنة (آنذاك) التي يعاني منها باموق نفسه بسبب إقراره علانية ان الاتراك ارتكبوا مجازر ضد الأرمن، وهذا بحسب حديدي امر يستحق الرجل من أجله التصفيق بحرارة، «غير أن التصفيق إياه لا يكفي -من حيث المبدأ، إذ حدث مراراً أن اعتبارات غير أدبية كانت كافية- لمنح نوبل الأدب». يذهب صبحي حديدي الناقد البارز هنا لافتراض وقول الاعتبارات السياسية كمبرر ودافع اساسي لمنح باموق الجائزة، كما أن هناك بحسب رأيه أديب يستحقها بلا منازع هو «يشار كمال» كما ولا مجال للمقارنة بينه وبين باموق إذ تصب لمصلحة الأول. وليس هذا فقط.. إذ أشار حديدي في خاتمة مقاله «وإذ صحت الأقاويل، كيف حدث ان الاكاديمية السويدية وضعت باموق على لائحة المرشحين الصغرى، قافزة بالضرورة فوق قامة شامخة.. شامخة؟ وهل يصح القول أن انتماء كمال الكردي هو ، وحده، الاعتبار الذي جعل قفزة كهذه ممكنة؟».
وبعد صبحي حديدي بسنة جاءت الشاعرة والناقدة جمانة حداد لتكتب في يومية «النهار» البيروتية أن «لسنا ساذجين لكي نتجاهل أن لمواقف باموق السياسية «يداً» فاعلة، كي لا نقول جوهرية في دفع عجلة «نوبل» للآداب في اتجاهه». وتضيف في مقالها المنشور في عدد الجمعة 13 من الجاري أن «لسنا ساذجين إذاً، ولا يخفى علينا أن أحد أبرز اسباب فوز باموق سياسي محض».. لكن حداد تبدو عقلانية ومنصفة إذ تؤكد على ان هذا لا يعني أن أدب باموق لا يستحق جائزة بأهمية «نوبل» فهو «روائي خطير بعضهم يصف كتابته بالفلسفية، وآخرون بالتاريخية، وثمة من يربطها بالفانتازيا العقلانية والهلوسة، لغة ذات بنى نحوية تركيبية غريبة». مؤكدة أيضاً على أنه روائي خطير بخاصة في الاسلوب المغناطيسي المربك، المتحدي، الذي يحض فيه الانسان على النظر إلى داخله، على البحث عن هويته وحقيقته. وتختتم جمانة حداد بدعوتها القارئ بعيداً عن طبول نوبل، الآداب، ومعمعة بورصة المواقف السياسية، إلى قراءة باموق واكتشافه.

(6)
كانت السياسة حاضرة إذن وملابسة فوز صاحب «ثلج» و«اسمي أحمر» بنوبل الآداب، اصوات حاولت تقديمها على الانجاز الأدبي وفرادته وأخرى حاولت التقريب بينهما.
هي أمور أُعتيد عليها في مثل هكذا مناسبات، كما جاء عاليه. وعلى العموم هي هواية عربية بامتياز، قصة اللوك في سجلات الأديب الفائز والخوض فيها بعيداً عن الأدب والمنجز فيه، وهو ما يشبه أصحابه وقائليه دون سواهم.
وقد تكمن الاشكالية هنا لدينا في أمر إلحاق السياسة بالأدب كنقيصة، كنقطة على صاحبها ومذمة في حقه. إنجاز ومواقف أورهان باموق هنا نموذجاً، لماذا لا تتم النظرة وتُعمل من جهة مقابلة أخرى. أولاً ليس من الممكن أو اللائق نقدياً أمر التشكيك في جودة الادب الذي انجزه باموق وتميز به، هو مخزونه الاول ورصيده. مسألة ما يثيره من جدل سياسي بين الفينة والأخرى نقطة تصب لصالحه وتقويه كما وتخلده. الرجل ليس غاو لجلبة دعائية استهلاكية تستند على فراغ وأقاويل. ما يثيره باموق ويصرح به، على صعيد السياسي، يفعله على حقائق ووقائع مثبتة تاريخياً ولا تخفى على مُطَّلع. ما يقوم به أورهان هنا يُقَّوي الأدب ويشاركه وظيفته، وهذا فقط لمن لم يدمن الوقوف إلى جوار الحائط متجنباً فاصل الشبهات، من رغب في أن يكون سالماً من أي أذى ممارساً عيشه بلذة المطمئن. علينا أن نعي هذه النقطة تماماً وجيداً حتى نكف عن ترديد اسطوانة الظلم النازل كل دورة نوبل ومن زمان على أديبنا وشاعرنا، المهيار الدمشقي، أدونيس وهو المرشح الأبدي لنيلها. علينا أن ندرك أن نوبل للآداب جائزة تحترم نفسها وتذود عن معايير منحها، ولتكن سياسية في المقام الأول، لم لا؟! هي لا تلتفت للأدب النقي الخالص المنجز على مبدأ السلامة وفي قلب المطمئن الهانئ بعيشه. هي لا تلتفت للأدب المرتدي ربطة عنق المدمن لحفلات التوقيع وبرقيات التهاني، الأدب المتهيب من أمر المشاركة والتضامن في الهم الانساني الحاصل على الأرض، متأففاً من مغبة التوقيع على مجرد بيان تضامني ضد ظلم أو انتهاك هنا أو هناك على الأرض العربية وما أكثر ما يقع فيها!!
وعلى هذا كان على ناقد بمستوى محمد نور الدين مراجعة ما كتبه في «السفير» عدد 13 الجاري قبل نشره وقبل سرده أن «أورهان باموق لا يزال صغيراً عليها (أي نوبل). هو في الرابعة والخمسين ولايزال في عز عطائه، لكن لم يدخل في مرحلة «الاختمار» الذي يطبع مسيرة الادباء الكبار» مؤكداً على أنه روائي مشهور وجيد.
هكذا قال: «جيد»، لكنه لم يصنف بعد في عالم الكبار. ويقوم هنا بسرد اسماء هؤلاء الكبار، الذين لا غبار عليهم فعلاً، أمثال:
يشار كمال وعزيز نسين وفاضل حسني وداغلرجه، عميد الشعر التركي المعاصر»، كما وناظم حكمت، وهؤلاء عاشوا في عصر نوبل ومع ذلك لم ينالوها. نوافقه الرأي هذا ونذهب معه مؤكدين على صحته وصدقه. لكن لهذا التقديم ما يتبعه، لهذه القائمة من الاسماء الكبيرة ما يراد بها باطل ويبتغيه، إذ يقول نور الدين مضيفاً:«هو مثلاً ليس أدونيس الذي اكتملت «رؤيته» المتجددة باستمرار. وجائزة نوبل تمنح عادة على مجمل اعمال ومسيرة أديب ما، وليس على عمل معين وفي فترة مبكرة من عطائه. من هنا اتسعت التساؤلات والالتباسات حول أورهان باموق، وأخذ نيله الجائزة أبعاداً غير أدبية». انتهى كلام نور الدين هنا، لكن لم استطع أولاً هضم فكرة كيف ان رؤية أدونيس قد «اكتملت» وكيف أنها «متجددة باستمرار»!! لا يهم هذا الآن ولندخل في ثانياً: لقد وصلنا إنجاز أدونيس الأدبي، نعم وأكيد. لكن أينه وهو الرجل الذي بلا ملامح!! الأخذ لنفسه من زمان طريقاً مخملياً ملتزماً سلوك تلميذ نجيب في فصل مدرسي لا يرغب جلب انزعاج مدرسيه ضده!! أين أدونيس من الدائر والحاصل من زمان على حياة رفقته من أدباء وكتاب سوريين، ولا نقول ما حدث من مجازر في حق الأكراد على أيدي البعث السوري وما يزال!!

(7)
ولم تتوقف ماكينة الدموع المسكوبة حزناً وأسفاً على تجاوز نوبل هذا العام أديبنا المدلل أدونيس.
الناقد والشاعر عبده وازن من جهته كتب في«الحياة» أكثر من مرة عن باموق. وعلى الرغم من تأكيده في عدد يوم 15 من الجاري على مسألة الظلم الذي سيحيق بأورهان باموق كثيراً «إن ظل الكلام يدور حول الخلفية السياسية لفوزه»، وهذا ظلم للأدب التركي الحديث ايضاً حد قوله، إلا أنه استدرك ماكينة الدموع إياها على شاعر «أغاني المهيار الدمشقي» قائلاً ومشبهاً أن ذلك الظلم يشبه ظلم أدونيس الذي يقول الكثيرون أن حرمانه من الجائزة هو سياسي صرف… وهذا ظلم ما بعده ظلم. فالشاعر (أي أدونيس) الذي يعيش شبه منفي لا علاقة له بأي نظام سياسي لا هنا ولا هناك، بل هو معارض كبير يكتب بحرية تامة وبجرأة يُحسد عليها». حقيقة يحتاج كلام الناقد والشاعر الكبير عبده وازن هنا وقفات كبيرة وبعيون مفتوحة على آخرها. فعندما يقول وازن أن «أدونيس» يكتب بحرية تامة وبجرأة يجسد عليها، سنقول له: نعم، أدونيس يكتب بحرية تامة وبجرأة يحسد عليها، ولكن عن ماذا يكتب مهيارنا الدمشقي؟ لا أحاكم الأدب هنا على ضرورة اتخاذه موقفاً ما ضد قضية أو أخرى، لكن لي الحق في السؤال حول البعد الانساني الذي يقف خلفه. لنقل انه جاد ومبدع ومتفوق، لكن لا يمكننا القول أن به أثر الهم الانساني. سأُحيد هنا أمر اللاموقف الذي يبديه أدونيس حيال كل شيء دائر في بلده. ثم من قال أنه «شبه منفي» مع ميوعة هذي المفردة وهو المكرم دائماً هناك والمحتفى به وغير الممنوع من التداول. لقد كان في سوريا العام قبل الفائت وتم الاحتفاء به كما ينبغي، هو من اختار العيش الباريسي برغبته، كما أن ليس هناك عليه أي نقطة سوداء يمكن ان يُلاحق بسببها، فلم يحدث -لا سمح الله- أن وقع على بيان تضامني أو انتقد علانية إجراء بعثي فوقي استبدادي في حق الرأي وأصحابه من المقيمين بداخل سوريا الأسد للأبد، أمثال: ميشيل كيلو ورياض الترك والاتاسي وغيرهم كثير!! أعتقد هنا أنه صار لزوماً إغلاق إسطوانة أدونيس هذه او كسرها، صار وجوباً تعطيل ماكينة الدموع إياها والتي تأخذ حركتها واشتغالها تجدداً مع كل إعلان لنوبل الأدب. على كل ذلك البكاء ان يتوقف فوراً ليبدأ الجميع في عمل جردة حساب ونقد وتشريح لهذا الأدب العربي المترقب لنيل نوبل آداب أخرى.
عليه أولاً فعل سؤال كبير مفاده: هل آن الأوان كيما يحترم هذا الأدب نفسه؟ وأن يكف عن المنافحة معترفاً بصراحة أنه لا يرقى لأن يكون أدباً انسانياً في المقام الأول، وأن يكون اصحابه تالياً محترمين لذواتهم, أخص هنا الواقفين منهم على بوابة الاكاديمية السويدية للعلوم ، في انتظار منحهم «نوبل» على الرغم من أنهم لم يجازفوا يوماً مخاطرين بفقدان سكون حياتهم وطمأنينيتها، حتى يفعلوا موقفاً ينتصر للانسان وحقه في القول والتعبير والحرية، مكتفين بانجازهم الادبي الخالي من الشوائب وكل ما يفعل على تعكير النفس وتكديرها. ثم ما معنى الادب، والثقافة هنا في ركود، واصحابها، إن لم تفعل سؤالاً وتفضح مسكوتاً عنه، إن لم تنكأ جرحاً باغية له الشفاء، وأن لم تكن منتصرة لذاتها قبل كل شيء؟!

(8)
في عدد 13 من الجاري وفي الملحق الأدبي لصحيفة «الفيغارو» الفرنسية كتب المحرر الأدبي معلقاً على خبر فوز أورهان باموق بجائزة نوبل للأدب: « يقول المقللون من شأن باموق، أنه تحصل على الجائزة لاسباب سياسية، بفضل الجدال الدائر حول دخول تركيا الاتحاد الأوروبي. لكن الذين قرأوا رواية «الكتاب الأسود» وكذا رواية «ثلج» يعرفون جيداً أن جائزة نوبل للآداب 2006 قد ذهبت لكاتب عظيم».