الديمقراطية التي نريد – عبدالباري طاهر

الديمقراطية التي نريد – عبدالباري طاهر

في يونيو عام 1980م كتب الفقيد المثقف والمفكر عمر عبد الله الجاوي، الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب حينها ورئيس تحرير مجلة “الحكمة اليمانية” كتب افتتاحية العدد 87 من المجلة إياها “الديمقراطية التي نريد” لاحظ الجاوي بحسه النقدي والعميق أن الكتابة العارمة عن الديمقراطية حينها في صحف صنعاء وتعز لا تمتلك وضوحاً في الرؤية، وتتسم بالنزعة التشطيرية التي كان الفقيد يكرهها كراهية تحريم.
“لو أمعنا النظر قليلاً في ذكريات عشر سنوات من سيل الكتابة العرم، ووفقنا في الانسياق العفوي لكتابنا، لوجدنا -ونحن نتحدث عن قضية غاية في الأهمية- أننا في العشر السنوات الماضية ضللنا الطريق بالنسبة لموضوع الديمقراطية، وذهبنا نلهث وراء تأسيس ديموقراطيتين متمايزتين لدولتين في الوطن خارج كل اتفاقيات الوحدة ومطالب الجماهير. والحال كما هو واضح أن السلطتين في شمال الوطن وجنوبه تبحثان عن ظروف جديدة لمجريات الأمور يتوسط فيها الاستقرار ويسود فيها الحد الأدنى من العلاقة بين السلطة والمعارضة”، داعياً إلى ضرورة العودة السريعة إلى مجرى النهر الذي هو تأسيس ديمقراطية لدولة اليمن الموحد وبناء أسس ديمقراطية حتى في ظل التجزئة لا تبتعد ولا تتناقض مع هدف شعبنا الرئيس في إعادة وحدة الوطن اليمني وتحريره بكامل ترابه من المخلفات الرجعية بكل أشكالها.وطالب الجاوي بديمقراطية تعُمُّ الوطن اليمني، وتضع المدماك الأساس للوحدة القادمة. وكان هذا ما تحقق فولاً وفعلاً في ال22 من مايو1990.
ومنذ العام 90 جرت مياه كثيرة غمرت الوطن اليمني ورفدته بالخِصْب والنماء، ولم تستطع حتى حرب 94 الجائرة والمدمرة أن تقتلع شجرة الحرية والديمقراطية التي امتدت عروقها عميقاً في التربة اليمنية.
وتشهد اليمن في ال20 من سبتمبر أهم إنجاز تحرزه بعد الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر وقيام الوحدة، إنه الذهاب إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للجمهورية وممثلين للمجالس المحلية.
وللمرة الأولى يجري تنافس قوي وجدي سواء لانتخابات الرئيس أو للحكم المحلي وهو يؤمئ للتطور المضطرد للديمقراطية في اليمن. صحيح أن طموح اليمنيين غالباً ما يتجاوز إرادة الحاكمين وأنَّ المخالفات والتجاوزات والقصور التي شابت هذه التجربة لا يقلل من أهميتها. ويبقى الشيء الأهم والرائع هو الإصرار على الاحتكام والقبول بالنتائج. والحقيقة أن اليمن الموحد لا يواجه قضية الديمقراطية وحدها وإنما يواجه مشاكل كثيرة: اجتماعية، اقتصادية سياسية، وثقافية. والحاكم القادم أيا كان ستواجهه مشاكل قديمة وجديدة في آن. فغول الفساد تمتد أذرعه الأخطبوطية إلى الجسم اليمني كله، وله نفوذ واسع وكبير في كل مفاصل جهاز الدولة وغالباً ما اشتكى رأس الدولة نفسه من هذا الفساد. ويتعاضد الفساد مع إدارة هرمة وعاجزة ومتفلتة لا تتيح للشعب اليمني أن يفيد من الهامش الديمقراطي أو يفرح حقيقةً بأجواء الانتخابات.
إن المأزق الكبير الذي ينتظر اليمن هو مواجهة الفساد فبدون التوجه الجاد والحازم للخلاص من الفاسدين، وبناء إدارة كفوءة ونزيهة فإن الخطر لا يتهدد الهامش الديمقراطي الواعد فحسب وإنما قد يطال الكيان اليمني برمته. وقيمة الحرية والديمقراطية لا تتجلى في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع- على الأهمية البالغة لذلك -بل لابد أن تتقوى وتتجسد في رأي عام قوي وضاغط وفي مؤسسات مجتمع مدني حي وفاعل يستيطعان محاصرة الفساد ووضعه تحت طائلة القانون والمساءلة.
إن الهامش الديمقراطي في اليمن واعد بما يكفي لوضع اليمن في سياق مختلف نوعياً عن ماضي الفساد والاستبداد. ويبقى الرهان الحقيقي على إرادة الجميع حكاماً ومحكومين في إخراج اليمن من عتمة الماضي ومن وباء الفساد والاستبداد الذي انحدر بها إلى تخوم الدولة الفاشلة، وكاد يأتي على ما تبقى من مواردها وسمعتها. واحتفاؤنا بهذه الانتخابات التي قد تستعيد بها اليمن مكانتها في طليعة الديمقراطيات الناشئة لا يحجب عن أبصارنا وبصائرنا المخاطر المحدقة بكياننا فوباء الفساد قد أطاح بدولة كالاتحاد السوفيتي كانت الأولى في الذهب والمياه والمساحة والتعليم.
الديمقراطية التي أرادها الجاوي أن تكون متجلية ومتجسدة في علم واحد ونشيد واحد لدولة واحدة قد تحقق الجانب الأهم منها وهي الوحدة اليمنية، ولكن الوحدة اليمنية بمسيس الاحتياج اليوم إلى تضميد جراح الحروب الداخلية حرب 94 وحروب صعدة والقضاء على عللها وأسبابها وأوجاعها.إن الإنجاز الديمقراطي الرائع والعظيم يستدعي إصلاحات شاملة اقتصادية اجتماعية وثقافية وسياسية تليق بثقة الناس وحرصها على تجديد الشرعية والخروج -وإلى الأبد- من دوامة الانقلابات والتمردات والاقتتال. إن الديمقراطية في اليمن ليست منحة أو منة، إنها ثمرة كفاح اليمانين منذ أكثر من نصف قرن. وإذا كانت الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية هي المدماك الذي قام به وعليه بنيان الدولة فإن نموها وتطورها واتساع هامشها هو السبيل الوحيد والطريق الآمن للخروج من الأزمة وتجاوز آثارها.
إن منح الشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه ثقته للفائزين بالرئاسة والمحليات دليل وشاهد الحرص كتحية الوفاء للوحدة اليمنية التي كان صالح أحد بناتها وحراسها فانتخابه للرئاسة القادمة لا يعني التفويض المطلق وإنما يعني تحميله مسئولية إدارة الدولة وتنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي قدمه حزبه المؤتمر الشعبي العام، وما قطعه على نفسه من التزام للشعب بالتصدي لغول الفساد، وتعميق مجرى نهر الحرية، وإعادة صياغة الوحدة الوطنية بين فئات وشرائح وألوان الطيف المجتمعي والسياسي. فالانتخابات اليمنية على أهميتها لا تحل ولا تجيب على أسئلة التحديات الواقعية والخطرة التي تحيق بالبلاد. إن المصالحة والتوافق الوطني والمجتمعي لا يعني بالضرورة المشاركة في الحكم وإن كانت المشاركة هي شكل راق لهذا التصالح- فالأهم هو التوافق على إعادة الصياغة لأسس الدولة والحكم، وإصلاح سياسي ومجتمعي فكري وسياسي ودستوري وقانوني يتضمن إعادة النظر في القانون اللاديمقراطي كقانون الانتخابات والأحوال الشخصية، وبعض القوانين والمواد الدستورية الآتية من أغوار عهود الشمولية، وبما يتواءم وطموح اليمن للتحديث والتجديد والتغيير والدمقرطة، ورد التحية الواجب لن يكون إلا باحترام إرادة الإصلاح والتغيير والتحديث وبناء ديمقراطية حقيقية في وطن خال من الفساد والسلاح والجوع.